هل يجب أن يشمل نجاح الطلاب “السعادة”؟

23 نوفمبر , 2019

مقال مُترجم لـ زيكي زاركويسكي وبيتر برون

العنوان الأصلي: Should Student Success Include Happiness?

 

إذا أردنا أن يصبح طلابنا سعداء مستقبلًا؛ فإن الأبحاث تشير إلى أن المدارس يجب أن تركز أكثر على رفاه الطلاب بدلًا من النجاح الأكاديمي

 

يتم تحديد معايير نجاح الطلاب اليوم من خلال قدرتهم على الحصول على وظيفة، وتهدف معايير الدولة الأساسية المشتركة إلى جعل الطلاب مهيئين وظيفيًا، وتتمثل مهمة وزارة التعليم الأمريكية في إعداد الطلاب للتنافسية العالمية.

لكن هل تؤدي علامة النجاح هذه إلى السعادة؟

تشير العديد من الدراسات إلى أن الصحة العاطفية في مرحلة الطفولة والسلوك اللطيف والمفيد العاملين الرئيسين المساهمين في سعادتنا هما أكبر عوامل التنبؤ بحالة الرضا في الحياة في مرحلة البلوغ. فما العامل الأقل تنبؤًا إذن؟
إنه النجاح الأكاديمي.

بالتأكيد الحصول على وظيفة هو أمر مهم وكبير من مرحلة البلوغ، لكن أي شخص بالغ يعرف جيدًا أن هناك الأكثر أهمية في الحياة من العمل. وقد أكد العلماء على أن اختبار المشاعر الإيجابية وإحساس المعنى في كل من حياتنا العملية والشخصية هما أمران أساسيان لتحقيق الرفاهية.

لذا بدلًا من جعل الحال في وضع هذا أو ذاك إما المهارات الوظيفية أو السعادة والمعنى ماذا لو قمنا بتعليم الطلاب كلا الأمرين؟

بعبارة أخرى: ماذا لو جرى دمج تعليمهم كيفية بناء حياة سعيدة وذات معنى مع قدرتهم على الحصول على وظيفية مستقبلية؟

إن البحث عن أهمية مساعدة الطلاب لتطوير مهاراتهم التي تمنحهم حياة سعيدة وذات معنى هي مسؤولية المُربين وصناع السياسات، أو على الأقل النظر في إمكانية حدوث ذلك! وكيف يتلاءم تدريس تحقيق السعادة في الحياة والبحث عن معنى لها في التعليم، والأهم من ذلك كيف نقوم بتدريسه؟

 

حين تناسب السعادة التعليم

وفقًا للباحثة في السعادة الرائدة سونيا ليوبوميرسكي فإن تعريف السعادة هو:

تجربة الفرح أو الرضا أو الرفاهية الإيجابية مع الشعور بأن حياة المرء جيدة، وذات مغزى، وجديرة بالاهتمام.

بعبارة أخرى: عادة ما تكون الحياة السعيدة مزيجًا من المشاعر الإيجابية والإحساس بالمعنى، وكلاهما يُسهم بشكل كبير في عملية تعلم الطفل ورفاهيته.

تؤدي العواطف دورًا أساسيًا في التعليم، فهي تؤثر في تحفيز الطلاب واهتماماتهم وأدائهم الاجتماعي وقدرتهم على اتخاذ قرارات أخلاقية. على سبيل المثال التمتع بالتعلم يحفز الطلاب على بذل المزيد من الجهد، بينما يعمل الضجر على تقليله.

كذلك يقلل القلق من قدرة الطلاب على حل المشكلات، بينما الأمل والفخر يمكن أن يزيد من الكفاءة الذاتية؛ لذا ينبغي أن كلا الأمرين من إنشاء فصول آمنة ومراعية، بجانب تصميم دروس مشوقة، على رأس أولويات جدول أعمال المُعلم.

تحذير واجب: يذكر الباحثون في مجال العواطف أن الشعور بالمشاعر الإيجابية طوال الوقت؛ لا ينبغي أن يكون هو الهدف؛ لأن هذا يقلل من قدر السعادة والرفاهية، وفي الحقيقة في بعض الأوقات يمكن للمشاعر السلبية مثل القلق أو التوتر أن تحفز الطلاب على بذل المزيد من الجهد للدراسة.

وبدلًا من ذلك يجب على المُربين التعرف على حياة الطلاب العاطفية والتحقق منها ومساعدتهم على التعامل مع جميع عواطفهم بطريقة غنية ومتوازنة، وبهذا الشكل يعزز المُعلمون من صحة الطلاب العاطفية والتي تشكل أساسًا للسعادة.

بالإضافة للمشاعر الإيجابية تعتمد السعادة على الشعور بالمعنى، بحيث تكون حياتنا وخبراتنا منطقية ولها أهمية، غالبًا ما يشتكي الطلاب من أن ما يتعلمونه في المدرسة لا يتعلق بحياتهم، وهو ما يتسبب في فشل الارتباط بين التعليم والحياة.

مع ذلك وجد الباحثون أن الطلاب الذين يجدون رابط بين ما يقومون بتعلمه وأهدافهم المهنية، يجدون معنى أكبر فيما يتعلمونه، بشرط واحد، وهو أن تفيد أهدافهم أشخاصًا آخرين، ولا ينصب الهدف على شخصهم فحسب، أو موجهة نحو كسب المال فقط.

وهذه النتيجة تنطبق على مختلف المجالات الاقتصادية القائمة على العلاقات الاجتماعية والعرق، وبعبارة أخرى فأن التركيز الشديد على المال والمسار المهني قد يؤدي إلى الإحساس بعدم جدوى الحياة.

أظهرت الأبحاث أن الطلاب الذين يتمتعون بهذا النوع من التوجه الإيجابي يتمتعون بقدر أكبر من الرفاهية، وهم أكثر عرضة للثبات في المهام الأكاديمية الشاقة، والبقاء في المسار الصحيح حتى الوصول للجامعة. ومرة أخرى نذكر أن المُعلمين الذين يشجعون طلابهم على تجربة عيش هذا النوع من الحياة، يساعدوهم على تأسيس حياة سعيدة وذات قيمة.

 

لكن هل يمكنك تعليم السعادة؟

بالنسبة للمُعلمين الذين يرغبون في مساعدة الطلاب على إنماء حياة سعيدة وذات معنى، هل يعني هذا أنه يجب عليهم إعادة التفكير في المنهج الخاص بهم بالكامل وكيف يقومون بتدريسه؟

على الإطلاق في الواقع يعمل المعلمون الذين يشملون أسلوب التعلم الاجتماعي العاطفي (SEL) والوعي في صفوفهم، على تنمية سعادة طلابهم وإدراك المعنى من خلال تعزيز صحتهم العاطفية ومهاراتهم الاجتماعية.

ولكن هناك بعض التفاصيل الدقيقة في تدريس هذه المهارات التي يمكن أن تعزز سعادة الطلاب وإدراك المعنى أكثر نستعرضها في النقاط التالية:

1- ادمج أسلوب التعلم الاجتماعي العاطفي والتوعية في دروسك بشكل جزئي:

إذا فكرت في الأمر جيدًا، ستجد أن الحياة لا تسير بنمط 50 دقيقة من التحصيل الأكاديمي ثم 20 دقيقة من تطبيق مهارات السعادة، مثل اتباع أسلوب التعلم الاجتماعي العاطفي أو التوعية، بل يلزمها معرفة المحتوى وفي نفس الوقت الدراية اللازمة للتعامل مع الآخرين، أو بشكل أكثر صراحة، التعامل مع أنفسنا.

إن المعلمين الذين يقومون بدمج أسلوب التعلم الاجتماعي العاطفي في محتوى الدروس بمختلفها، يساعدون الطلاب على التطور اجتماعيًا وعاطفيًا من خلال جعل هذه المهارات ذات صلة بحياتهم اليومية.

لا يلزم دمج هذا الأسلوب والتوعية في خلال اليوم الكثير من التعقيد، كما أنه لا يحتاج للكثير من الوقت، فعلى سبيل المثال:
قبل طرح مسألة رياضية صعبة، أخبر الطلاب أن عليهم التنفس بعمق في حال شعورهم بالإحباط والتوتر للحفاظ على هدوئهم وتركيزهم في حل المسألة المطروحة.
اختر بعناية مجموعة من الكتب تسمح للطلاب بالتفكير في شعور الشخصيات المطروحة بها، ودعهم يستكشفون الخيارات التي اتخذتها هذه الشخصيات ويحاولون الفهم والتعاطف مع أسباب اتخاذ هذه القرارات.
ابدأ اليوم وانهِهِ بدقيقتين من محاولة التدرب على الإدراك، حتى يتعلم الطلاب قيمة الاقتراب من الحياة بهدوء وتركيز دون الانشغال المشوش.

 

2- دع الطلاب يكتشفون الأمور بنفسهم

تخيل إن استطعنا العمل فقط مع الناس الذين نحبهم ونستطيع التواصل بسهولة معهم! لكن للأسف هذه ليست الحياة.
واحدة من أعظم الأشياء التي يمكن للمعلم القيام بها لمساعدة الطلاب لتنمية مهاراتهم في الحصول على السعادة والمعنى في الحياة هو تشجيعهم على التعامل مع الطلاب الذين يعملون على تحدياتهم الاجتماعية. بهذا الشكل يتعلم الطلاب خصوصيات وعموميات صفات تعزيز السعادة، مثل التعاطف واللطف والغفران.

مع ذلك فإن محاولة أداء دور المراقب وملاحظة كيفية سير مجريات الأمور مع مجموعات الطلاب قد يصبح أمر في غاية الصعوبة على بعض المُعلمين، وقد يضطر بعضهم إلى محاولة (هندسة) شكل المجموعة بأنفسهم لكي تتكون من الطلاب الذين يتوافقون في التعامل بعضهم مع بعض، وربما يتخلى المعلمون عن كل هذا ويلقون بكل هذه المحاولات من أجل زرع روح التعاون من أقرب نافذة.

لكن بدلًا من الخوف من الفوضى التي قد تنجم عن هذه المحاولات، يمكن للمعلمين العمل على احتضان هذه اللحظات الذهبية حيث يتعلم الطلاب حقًا، لكي يطوروا مهاراتهم وأساليبهم لبناء علاقات إيجابية، فهم بحاجة للتعلم من أخطائهم.

العديد من برامج (التعلم العاطفي والاجتماعي) تعلم مهارات حل النزاعات، ويمكن للممارسة المستمرة للإدراك والتفكر أن تساعد الطلاب على فهم ما يحدث عندما يتم إثارة غضبهم، ويختارون الإجابة والرد بطرق أفضل وأكثر فائدة.

في بعض مساحات العمل الأكاديمي، يمكننا بدء الدرس بقول التالي: أعلم أن بعض المجموعات لديها مشكلات في العمل معًا؛ لهذا ما الذي يمكننا عمله لجعل العمل أكثر سلاسة؟ ما هي القواعد الأساسية التي نحتاج لوضعها؟ وما هي الأدوات المتاحة لدينا عندما تبدأ الأمور في التعقيد؟. وبعد الانتهاء من الدرس فكر فيما نجح وما لم ينجح، وقم بإعداد قائمة تستطيع تعديلها والرجوع إليها في كل مرة يعمل فيها الطلاب معًا.

3- خصص وقت مناسب للتأمل وإعادة النظر في النتائج

يساعدنا التأمل على خلق معنى لحياتنا، فهو يسمح لنا باستحضار إنسانيتنا فيما نعمل عندما نسأل عن كيف يغير أمر ما أسلوب تفكيرنا أو نظرتنا للعالم أو معتقداتنا تجاه الآخرين وأنفسنا.

يساعد المعلمون الذين يمنحون الطلاب الوقت في التأمل حول ما يتعلمونه ويختبرونه داخليًا وخارجيًا على جعل المنهج أكثر ارتباطًا بحياة الطلاب.

فيكتشفون أنهم لا يقومون فقط بتعلم محتوى معرفي، ولكن يتعلمون كيفية التواصل بعضهم مع بعض، لكي يصبحوا متعاطفين وأكثر قدرة على فهم احتياجاتهم واحتياجات الآخرين. بعبارة أخرى: هم يتعلمون المعنى والأساس لكيفية صناعة حياة سعيدة وذات معنى.

في نهاية المطاف علينا أن نسأل أنفسنا لماذا نُعلم؟، وبينما يتطور المجتمع من حولنا، نكتسب شيئًا فشيئًا فهم أعمق لطبيعتنا كبشر، تختلف الإجابة عن هذا السؤال.


لم يعد الأمر كافيًا فقط للتعلم والتدريب على كيفية الحصول على وظيفة؛ لأن الطريقة التي نحيا بها حياتنا هي ما يهم حقًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك