هيلين كيلر، مُحاربة الظلام!

8 مارس , 2017

خاص لسينما زدني

تم نشر المقال الأصلي في جريدة الدايلي نيوز بتاريخ 3 يونيو 1986، وكُتب بواسطة ألتون سلاجل Alton Slagle


من الصعب القول أن “هيلين كيلر” كانت امرأة عظيمة ونبيلة فقط. لقد عاشت حياة كاملة من الشجاعة والنصر واللطف والقدرة غير العادية على التحمل.

“هيلين” كانت مصدر للإلهام الحقيقي الذي يجعل المديح في حقها أمر فارغ ولا يبدو منطقي.

في يوم السبت 1 يونيو 1896 أغمضت “هيلين” عينيها للأبد، إلا أنها ستعيش دائمًا وستظل روحها مصدر الإرشاد للآخرين في الشدائد.
وهذا الأسبوع سيُعقد حفل التأبين الخاص بها في الكاتدرائية الوطنية في واشنطن، وسيتم حرق جثمانها.
لقد كانت حياة “هيلين” مختلفة بحق، عانت من العمى والصمم، ولفترة طويلة من البكم أيضًا، لقد كان بإمكانها بسهولة أن تُسجن في ظلام نفسها، ولكنها آثرت أن تعيش ما وصفته بـ المغامرة الجريئة طوال حياتها.

 

على حافة شلالات نياجرا

تعلمت “هيلين” السباحة والغوص وقيادة الزوارق النهرية وركوب الخيل، وقفت على حافة شلالات نياجرا لتستمتع لصوت المياه الهادر.
تسارعت أصابعها على عمدان معبد زيوس في البارثينون، والمنحوتات في شارتر، على أوجه الناس في العالم، صغارًا وكبارًا لتتعرف على الحياة، فقد كانت هذه هي طريقتها لمحاربة ظلام وصمت عالمها الذي لم يستطع حبس روحها.


وُلدت الطفلة “هيلين أدامز كيلير” في السابع والعشرين من يونيو لسنة 1880 كطفلة عادية لا تُعاني من أي مشاكل صحية، لأب سليل عائلة استعمارية شهيرة، عُمل كرئيس تحرير لصحيفة، ومالك لعدد من الأراضي، وكان له نفوذ وتأثير في المجتمع. أما والدتها فامتدت أصولها لنيو إنجلاند، وكانت “هيلين” أولى أطفالها الثلاثة.


عندما كان عُمر “هيلين” 19 أشهر فقط أصيبت بالحُمّى -ربما الحُمّى القرمزية- وبشكل سريع مرت وتركت الطفلة صماء وبكماء وعمياء، وفي هذا العالم القاتم لم تستطع “هيلين” فهم الأشياء من حولها وتحولت لطفلة عدوانية جامحة صعبة المراس.

حاول والديها يائسين التواصل وطلب النُصح مع “الكسندر جراهام بيل” مخترع الهاتف وصاحب القدرة على تعليم الكلام للصُم، في الفترة التي كانت حياة المُعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة مقصورة على العيش داخل المؤسسات، حيث يحصل الحيوانات على مميزات أفضل منهم في الحياة، ليظلوا في هذه المؤسسات حتى يموتوا ويُنهي الله محنتهم.

فقام “بيل” بنُصحهم بمقابلة زوج ابنته “مايكل أناجنوس”، مدير معهد بيركنز للمكفوفين في بوسطن، لسؤاله حول إمكانية الحصول على مُعلم لطفلتهم.


في الثالث من مارس لسنة 1887 وصلت “آن سوليفان” صاحبة العشرين عامًا لمنزل آل “كيلير”، والتي قد عانت من العمى لفترة واستردت قدرتها على الإبصار بعد عملية أجرتها، واستطاعت خلال فترة تواجدها في بيركنز تعلم كيفية التواصل مع الصم والمكفوفين من خلال أبجدية عن طريق لمس راحة يد الشخص.
في ذلك الوقت كانت “هيلين” قد شارفت على عُمر السابعة، وكتبت لاحقًا حول هذا الشأن: “وقفت على الشُرفة، بكماء، مُترقبة. خمنت ما يحدُث من إشارات والدتي والحركة السريعة جيئة وذهابًا في المنزل. هناك أمر ما يحصُل، لذلك ذهبت ناحية الباب وانتظرت على بُعد خطوات”.

عندما اقتربت الآنسة “آن”، قامت الفتاة الصغيرة ذو الشعر البُني في مئزرها المتسخ بالتربة الطينية بهز شنطتها والبحث عن الحلوى بداخلها محاولة العثور على أي منها، وعندما لم تنل مرادها، انفجرت غاضبة.
مرت أيام قبل أن تستطيع الآنسة “آن” تهدئة الطفلة الغاضبة والحد من مخاوفها، ومحاولة هجاء عدة كلمات على راحة يدها، لكن حتى ذلك الوقت لم تتمكن “هيلين” من فهم ما تفعله “آن”.
وجدت “آن” الطفلة صعبة المراس ومتوحشة، وبصفتها كمُتعلمة في بيركنز لم يكن مسموح لها بتدليل وإفساد مُتعلميها، لذلك حاربت من أجل غرس قيم الانضباط في “هيلين”، ولكن لم يكن هذا بالأمر السهل، فقامت “هيلين” بكسر واحدة من أسنان “آن” الأمامية، ولم تستجب للعاطفة أو الحزم من طرفها، ومع ذلك لم تتوقف “آن” عن محاولاتها، حتى استطاعت الاستحواذ على اهتمام “هيلين” من خلال دُمية صنعها الأطفال المكفوفين في بيركنز.

لكن المشكلة كانت تكمن في محاولة ربط الكلمات مع الأشياء في عقل تلميذتها، وفي أحد الأيام بينما كانت “آن” و “هيلين” في طريقهم لمضخة المياه، قامت “آن” بوضع يد “هيلين” أمام فتحة المياه وتركتها تتدفق بسرعتها الكبيرة على يدها، ثم قامت ببطء بالنقر على راحة يدها الأخرى بحروف كلمة “مياه”.

الصحوة المفاجئة ناحية العالم

“لقد علمت في هذا الوقت أن المياه هي ذلك الشيء البارد الرائع الذي يتدفق على يدي” هذا ما ذكرته “هيلين” لاحقًا حول حادثة المياه، وأضافت “هذا العالم الحي أيقظ روحي فجأة، منحني الضوء والأمل والفرح، أطلق سراحي وأعطاني الحرية، كانت لا تزال هناك حواجز، لكن الحواجز في ذلك الوقت كانت قد جُرفت بعيدًا”.

منذ ذلك الوقت، بدأت تجربة تعليم “هيلين” قامت بلمس الأرض وطلبت أن تعرف اسمها، وقبل أن ينتهي اليوم تعرفت على 30 كلمة ومعناها، ومن ضمنهم كانت كلمة “مُعلم” والتي دعتها بعد ذلك بـ “آن”.


أكملت المُعلمة والتلميذة طريقهم، فالتحقت “هيلين” بمدرسة هوراس مان للصُم حيث بدأت في تعلم الكلام، ثم بيركنز، وبعدها رايت هامسون للصُم في نيويورك، ومدرسة البنات في هارفارد، وأخيرًا كلية رادكليف، حيث استطاعت التخرج بتقدير امتياز وحصلت على درجة البكالوريوس في الفنون سنة 1904، وطوال فترة دراسة “هيلين” كانت “آن” هي آذانها وعيونها، وأثر ضغط القراءة على قدرتها على الإبصار والتي فقدتها لاحقًا.

شرعت “هيلين” في البدء في الكتابة حتى قبل أن تتخرج، في سنة 1902 سيرتها الذاتية “قصة حياتي” ظهرت في شكل سلسلة مقالات في مجلة، ولاحقًا تم نشرها في هيئة كتاب، كان واحدًا من ضمن العديد من الكُتب والمقالات التي كتبتها “هيلين”  على آلتها الكاتبة، والتي أصبحت مع مرور الوقت خبيرة في التعامل معها.


ومع تغير الأساليب الأدبية بعد الحرب العالمية الأولى، اقتطعت جزء من دخلها من الكتابة لفترة من الوقت بالتعاون مع مُعلمتها “آن” واتخذت خطوة الكتابة للمسرح الهزلي مع عمل درامي عن حياتها، وهو ما أصاب العديد من أصدقائها بالخوف لكنها استمتعت بالتجربة.
وعندما أتمت “هيلين” الثالثة والأربعين، بدأت في العمل بالسفر حول العالم والكتابة لصالح المؤسسة الأمريكية للمكفوفين.
هذه المهنة التي أصبحت بعد ذلك مُهمتها الحياتية من خلال زيارة 35 دولة في 5 قارات لإلهام ومساعدة الآخرين على التُغلب على إعاقتهم.

 

رومانسية لم تدُم طويلًا

لامس الحُب قلب “هيلين” مرة واحدة في سن السادسة والثلاثين عندما وقعت في غرام الشاب الاشتراكي “بيتر فاجان” والذي كان يبلُغ من العُمر في ذلك الوقت تسعة وعشرون.
ناصرت “هيلين” الأفكار الاشتراكية ونالت اهتمامها وكانت دائمًا منفتحة للنداءات الاشتراكية ضد الظلم والاستغلال في العمل، ولكن مناصرتها للاشتراكية وحُبها لـ “بيتر” لم يمنع والدتها من الاعتراض على هذه العلاقة، وذكرت “هيلين” لاحقًا أن الأمر أشبه باهتمام أُم لا زوجة.

لكنها بعد ذلك اعترفت بشعورها بالوحدة، فذكرت أن الشعور بالعزلة يحيطها أوقات كالضباب، ومع ذلك لم تمتلك الوقت للإسهاب في الحديث حول مشاكلها الشخصية، على الرُغم من الأحداث الدرامية الكثيرة التي مرت بها.


في سنة 1936 سُحب مصدر النور والموسيقى والمجد من “هيلين” بوفاة مُعملتها “آن”، وفي سنة 1947 حُرق منزلها تمامًا وحُرقت معه المخطوطات التي لم تكتمل، ولكن الأصدقاء ساعدوها في إعادة بنائه لتعيش فيه بعد ذلك سنواتها الأخيرة حتى الوفاة.

 

المجد في كل مكان في العالم

بسبب عملها طوال حياتها لصالح المكفوفين والصُم، نالت “هيلين” التكريم من قِبل العديد من الجامعات والحكومات حول العالم، وذكروا أنها كانت الشخصية الأكثر تفاؤلًا وسعادة بلا أي حدود.


“الاتصال مع مختلف أنواع البشر، والنور الذي غمرني بالعمل مع المكفوفين والصُم، جعلني أشعر بأنني أحيا في عالم كامل من المعرفة، بدلًا من العيش منبوذة بإعاقتي”

 هيلين كيلر

دائمًا منشغلة، دائمًا ما تُفكر بالآخرين، لا تملك الوقت للتقيُد بحدودها، متُجنبة الشفقة، لا تحتاج لشيء.
هكذا عرف العالم “هيلين كيلير” من كافحت في الحياة حتى انتصرت على الظلام.

المصدر
Helen Keller lived a life that triumphed over darkness

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك