أهمية التعليم في تشكيل الوعي ومفارقات واقع النهضة المهدورة (1)

25 يناير , 2016

بالنظر إلى عامل التعليم في إحداث النهوض عند مختلف الأمم، فإن أي نهضة منشودة قوامها الأساسي تعليم بمقومات وخصائص متميزة، يسهم في تنمية باقي القطاعات ويفعل أداءها ويرقي من مستوى الوعي ويرشد السلوك الاجتماعي ويهذب الثقافة ونمط العيش، فوظيفة التعليم لا تنحصر في ذاتها، إنما هي ذات صلة بشبكة العلاقات الاجتماعية وكل مستويات التفاعل الثقافي والاقتصادي والسياسي الاجتماعي، مع حفظ التوازي في السير وفق استرتيجيات لا تغفل مختلف تلك الجوانب وتجعل من التعليم مركز اهتمامها.
لذلك ينبغي النظر في كيفية حضور التعليم في مستوى الإدراك العربي، وأقصد هنا حضوره في العناصر المشكلة للوعي والثقافة والملهمة في بناء العقل وصناعة التفكير برمته، فكيف هو واقع التعليم بالنظر إلى تلك العناصر..؟ وما هي أسباب الإخفاق والمفارقات الحاصلة؟

القراءة والتعليم بوصفهما لبنة الرسالة المحمدية

في القرآن الكريم استهل العلي القدير قرع جرس الوحي على النبي الخاتم للرسالة الخاتمة في أول سورة من سوره بدلالات القراءة والتعلم، فكانت دعوة للقراءة بصيغة الأمر، وهو ما لم يكن منتظرًا في بيئة كانت مرتعًا للوثنية والتفكك القبلي والصراع المستمر الذي يعكس حالة من التردي في الثقافة والاجتماع الإنساني، وبالنظر إلى هذا الواقع البئيس آنذاك وحقيقة الرسالة باعتبار البعد الديني بها، فإن الدعوة إلى القراءة والقلم بداية قد تشكل صدمة للوعي في بيئة ثقافتها شفهية ورسالة ينبغي أن تنظر للإدراك والسلوك الديني بحسب البعض وأسس العبادة وتطهيرها من الخرافة والوثنية لا توجيه الفكر والوعي، لكن هذا النوع من الفهم للدين وقضاياه لم يقع ما يحققه، فتوجه الوحي الإلهي بداية إلى القراءة والكتابة كما هو في سورة العلق والسورة التي تلتها، أي سورة “ن”، وتابع الوحي توجيه الفكر على ذات المنوال موجهًا العقل للنظر في الآفاق وإعمال التفكير السنني وترشيد ملكات العقل، وقد أشار عماد الدين خليل في كتابه “حول إعادة تشكيل العقل المسلم”، إلى تلك النقلات الجذرية التي أحدثها الدين الجديد، وهي ثلاث نقلات، أولها متعلقة بالاعتقاد وترشيد الفكر والثانية نقلة منهجية، ثم النقلة التجريبية العلمية، وكل تلك النقلات على صلة وثيقة بالإدراك العقلي، حيث تؤدي القراءة والتعلم فيها وظيفهة مركزية، فلا يمكن إحداث تغيير جذري في الذهن والسلوك الفردي والجماعي، دون قراءة وتعليم.
وللمفكر المغربي المقرئ الإدريسي أبو زيد قول لطيف في حول دلالة نزول أول الوحي بمفهوم القراءة كما هو في سورة العلق، حيث يشير في كتابه القرآن والعقل..مدخل معرفي، إلى أن الأمر لا “يتعلق بأهمية وقيمتها وأهميته العلم ومنزلته فقط، كما توحي بذلك القراءات المتسرعة والسطحية، ولكن الأمر أعمق من ذلك.

لقد كانت الجزيرة العربية تغرق في الشرك، فلعلها أحوج إلى أن يكون أول ما ينزل وحد، وكانت تغرق في الكفر، فلعلها أحوج إلى أن يكون أول ما ينزل هو [آمن]. كما كانت تعيش ظلمًا اجتماعيًا قاهرًا للمرأة والطفل والعبد والضعيف، فلفعله كان أولى أن أول ما ينزل هو {اعدل}. وكان في قريش من عتاة صناديد الملأ المكي، ما يمثل طاغوتًا يصد الناس عن دين الله، ولعله يحوج إلى أن يكون أول ما ينزل هو {جاهد}. وكانت الأمة غافلة عن الحق، فلعل أحوج ما تحتاج إليه هو {ادع}” (المقرئ الإدريسي أبو زيد القرآن والعقل.مدخل معرفي، ص: 158)
لكن بحسب المؤلف “لم تنزل أول ما نزل، لا {آمن} على أمة كافرة، ولا {وحد} على أمة مشركة، ولا {صدق} على أمة مكذبة، ولا {اعدل} على أمة ظالمة، ولا {ادع} على أمة غافلة، ولا {جاهد} على أمة مكابرة، ولا {أصلح} على أمة مفسد. بل نزلت اقرأ وهذا ينبغي الانتباه إلى مركزيته في التصور القرآني. لقد نزلت {اقرأ} على أمة أمية، لم تكن فقط تحتاج إلى {اقرأ} وإنما إلى كثير من أفعال الأمر الحضارية الكبرى ذات الأولوية والمركزية العظمى”.
ويعزى الأمر في هذا حسب المقرئ إلى كون تأسيس كل الأفعال الحضارية بطريقة سليمة متوقف على “اقرأ”، “باعتباره فعل المعرفة السليمة، ذلك أن الإيمان بلا {اقرأ} سيصبح خرافة، وأن الدعوة بلا {اقرأ} ستصبح تنفيرًا، وأن العبادة بلا اقرأ ستصبح بدعة، وأن الجهاد بلا {اقرأ} سيصبح إرهابًا. لقد تأسست كل الأفعال الحضارية والإنسانية والإيمانية الموجودة في هذا الكتاب العزيز، والتي مورست بشكل رائع في القرون الخمسة الأولى، على فعل {اقرأ} لكي تستنير بهذا الفعل، وتكون على هدى من الله به (…) ولذلك كانت اقرأ هي البداية والمؤسس والمؤشر على مركزية القراءة والمعرفة والعلم وتشغيل ملكة العقل في النص القرآني. فكان لابد من إنارة العقل بالعلم، لتتنزل {اقرأ} على رجل أمي في مجتمع أمي، يعتز بثقافته الشفوية، حيث شكل فعل (اقرأ} البداية المؤسسة والانطلاقة الثورية. ولكنها لم تكن النهاية أبدًا”. (المقرئ الإدريسي أبو زيد، القرآن والعقل..مدخل معرفي، ص: 159).
فتشكل الإدراك بحسب إرادة الخالق سبحانه يكون بالقراءة والتعلم، فالعقل السليم المنتج للتفكير والسلوك القويم إنما يكون عن قراءة وتبصر وتعلم، ولذلك وجه القرآن حركة العقل واهتماماته، فقام بترشيده حتى تكون سلوكيات الإنسان متسقة مع الرؤية القرآنية، وهي سلوكيات متعددة، تكون معرضة للإخفاق أحيانًا كثيرة بفعل تدخل عوامل تؤدي إلى النكوص، وهو ما أصاب الأمة لما انقلب سلم القيم لديها، وتراجع الاهتمام بالتفكير العلمي، ففقدت الريادة لفقدها أسس التفكير السليم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك