التعليم «الأصيل» والتعليم «الدخيل» (1-2)

1 أكتوبر , 2014

عادت المدارس و الجامعات و المعاهد العلمية لتفتح أبوابها لاستقبال طلابها في دورة لا تتوقف منذ أن شقّت الحركة

العلمية الحديثة طريقها في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية، و لهذه الحركة الفضل في القضاء على حالة الأميّة التي كانت
تعاني منها هذه المجتمعات بعد مرحلة من مراحل التخلف و الانتكاسة الحضارية التي لا زلنا نعيش آثارها و تداعياتها،
فلهذه الحركة الفضل الأكيد في نشر العلم و سدّ حاجات المجتمع في مختلف الوظائف و الاختصاصات، و تكفي مقارنة
سريعة في حال الخدمات الطبيّة بين الأمس و اليوم لندرك حجم الطفرة التي تحققت في هذا المجال كنموذج للنجاح
الذي نطمح في ترسيخه و تطويره.
إن هناك من يحاول أن يبخس هذا الفضل و يتغافل عن هذا الذي تحقق إمّا تحيّزًا للتجربة (الأصيلة) في مقابل التجربة
(الدخيلة) و إمّا لأغراض سياسية كجزء من حالة الرفض العام لسلوك الأنظمة الحاكمة و الاحتجاج على سياساتها الداخليّة
و الخارجيّة.
و في مقابل هؤلاء من يحاول أن يبخس التراث التربوي الأصيل و يحكم عليه من خلال المرحلة الأسوأ و ما ترتّب عليها
من انهيار واضح أمام التفوّق الغربي الذي غزانا بمنظومة معرفيّة هائلة صعدت إلى عنان الفضاء كما غاصت في أعماق
المحيطات و البحار، و لم يُتح لهؤلاء و هم في غمرة الانبهار أن يقفوا الموقف الموضوعي المنصف، و قراءة المشهد
بطريقة موسوعية و شاملة تستوعب حركة التاريخ و مراحل التنقّل المعرفي و تراكم الخبرات الإنسانيّة التي أثمرت في
النهاية هذه الثورة العلمية الكبيرة و التي تزامنت مع سطوع شمس الحضارة الغربية فكانوا الأقدر على استثمار كل ذلك
التراكم الحضاري.
إننا هنا لسنا بصدد المحاكمة و لا المقارنة، لكننا نعتقد أننا كنا نمتلك تجربة رائدة تشهد لها مخرجاتها على مدى الألف
سنة أو يزيد، و التي ضمنت لنا التفوّق على كل أمم الأرض و في كل مجالات الحياة، و هذه التجربة فيها من عوامل
النجاح ما لا ينكره منصف، فما الذي يحول بيننا اليوم و بين النظر في تلك التجربة لاستخلاص ما يمكن أن يسدّ بعض
النقص و يعالج بعض الخلل في تجربتنا الحالية؟
لقد اعتمدنا (التعليم الموجّه) بإشراف و رعاية كاملة من قبل الدولة، فالدولة تضع السياسات التعليمية و تضع البرامج و
المناهج و تعيّن المعلّمين و تقبل الطلاب و تتدخّل في كل صغيرة و كبيرة، فنشأ عندنا تعليم مفصّل على مقاس
الحاكم و طموحاته و احتياجاته، و قد أدّى هذا إلى تقسيم المعرفة و تنافرها تبعًا لحالة التقسيم السياسي و الجغرافي
التي تعاني منها الأمّة، فلكل دولة معرفتها و ثقافتها كما لكل دولة نظامها و سياساتها، و انقسام العقول أشدّ و أثبت
من انقسام الحدود، أما داخل الدولة الواحدة فهناك تناقضات و تشوّهات كثيرة، فالمجتمع متناقض في داخله، فالطفل
يتلقّى من أسرته ثقافة معيّنة فإذا ذهب إلى المدرسة تلقّى ثقافة ثانية فإذا دخل المسجد تلقّى ثقافة ثالثة، و بقدر ما
بين هذه الثقافات من تناقض أو تضادّ تتولّد حالة من الازدواجيّة أو ضعف الثقة بكل هذه المصادر و بالتالي تشكيل حالة
من الفراغ الثقافي الذي قد يملأ بكلّ داخل و وارد، و أما في حالة تغيّر النظام الحاكم كما حصل في العراق فإننا أمام
مشكلة كبيرة و خطيرة، فحاجات المجتمع غير حاجات النظام، و بالتالي فإن مخرجات التعليم الموجّه من قبل النظام
ستكون عاجزة عن تلبية حاجات المجتمع، و لذا نجد القصور الحاد في مجال صناعة (التعددية السياسية) و (الإعلام الحر) و
حتى في قطاع (الخدمات الإنسانية) قياسًا بما حققه العلماء العراقيون في مجال (التصنيع العسكري) مثلًا. 
في الأردن استطاع التعليم أن يتحرّر بعض الشيء من قبضة السلطة، و تمكّن الأردنيون من قطع أشواط مشجعة في
تجربة (التعليم الأهلي)، و هي تجربة حقّقت للأردنيين تقدمًا و تفوقًا لا بأس به، إلا أن التعليم الأهلي في حقيقته هو
تعليم (شركات استثماريّة)، و هذا يعني أنّ التعليم الذي حقّق انعتاقًا من قبضة السلطة قد وقع في قبضة (رأس المال)
و حسابات الربح و الخسارة، و هذه الحسابات قد تتفق و قد تختلف مع هويّة الأمة و ثقافتها، و قد تستجيب لحاجات
المجتمع و طموحاته و قد لا تستجيب.
في تراثنا الإسلامي ابتدأ التعليم بصيغة (التعلّم الذاتي)، حيث تشكّلت الرغبة الذاتية في التعلّم من خلال منظومة القيم
الإسلامية التي أعلت من شأن العلم و العلماء حتى رفعتهم إلى مقام (الإرث النبوي)، فالعلماء ورثة الأنبياء، و هذه
القيمة لوحدها كفيلة بدفع الناس لحلقات العلم المتنوعة و التي كانت تتزامن مع حالة الفتوحات لتكميل عملية الفتح و
رفد المجتمعات الجديدة بكل ما تحتاجه في مجال المعرفة، و لتعويضها عن حالة الفراغ التي ولّدها غياب الأنظمة
السابقة كما في مصر و الشام و العراق، و مع أن الطابع العام لهذا التعليم هو الطابع الديني إلا أنّ هناك شواهد كثيرة
على ظهور فصول أخرى تتعلّق بالطب و الصناعة و ضرب النقود و إدارة الدواوين و معرفة الخرائط و خطوط التنقل البري
و البحري، و نحو ذلك.
هذا التعليم كان الأقل كلفة و الأكثر إنتاجًا، و غالب الأسماء اللامعة في تراثنا العلمي هم من مخرجات هذا التعليم
كالبخاري و مسلم و أبي حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد.
بعد ذلك خطا هذا التعليم خطواته الواسعة في مجال تكوين المؤسّسات الكبيرة، فكانت المستنصرية و النظامية و
الزيتونة و الأزهر و غيرها من المدارس العريقة في مصر و الشام و العراق و اليمن و المغرب و الأندلس و سمرقند و
بخارى، و هذه المدارس في الأغلب لم تكن خاضعة لسياسات (الأنظمة) و لا لسياسات (التجّار).
لقد كان (التعليم الوقفي) تجربة رائدة و كبيرة في تراثنا العربي و الإسلامي، و قد ضمن هذا التعليم الاستقلاليّة و
الانعتاق المريح من هيمنة ذوي النفوذ السياسي و المالي، فالواقف مهما كان منصبه و جاهه لا يملك أبدًا حقّ
التصرّف في وقفه، لأنّ الوقف قد خرج عن ملكه تمامًا، و أصبح ملكًا للمجتمع، و لأن الوقف يتسم بصفة الديمومة
فهو لا يباع و لا يشترى و لا يوهب و لا يورث فإن الواقف يحرص على أن لا يضمّن في شروطه ما يمنع احتضان
المجتمع و رعايته لهذا الوقف.
إن التعليم المعاصر بحاجة أن ينظر بجد في هاتين المسألتين؛ مسألة صناعة الدافعيّة الذاتية للتعلم، و مسألة استقلالية
التعليم و تحرّره من قبضة السلطتين السياسيّة و التجاريّة، و في تجربتنا التربوية الأصيلة أجوبة عملية و مفيدة لهاتين
المسألتين، و هذه ليست دعوة لاستنساخ التجربة بقدر ما هي دعوة للانتقاء و التطوير و التكميل، و من المفارقات أن
تكون الجامعات الغربية العملاقة قد استفادت من تجربة (التعليم الوقفي) أكثر بكثير من جامعاتنا العربيّة و الإسلاميّة. 

 

المصدر: صحيفة العرب

كاتب عراقي



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك