التفكير في القيم وفعالية المدرسة والجامعة

31 يناير , 2017

تعد إشكالية القيم في السياق المعاصر من أكثر الموضوعات حساسية وضرورة في ذات الأوان، فحساسيتها من حيث المقاربات التي تتأثر إيجابًا وسلبًا بالأبعاد الثقافية والفلسفية والدينية للمفهوم من حيث النشأة والتشكل داخل المنظومات المعرفية المعاصرة مع سياق الحداثة وما بعد الحداثة وسطوة العولمة، فتعدد المرجعيات في مقاربة القيم يطرح جملة من الإشكالات بين الكوني والخصوصي في القيم، الثابت والمطلق والنسبي المتغير.
وضرورة القيم عائدة إلى وظيفتها الفعالة ومدى حاجة الإنسان والمجتمع لها مع ثورة المعلوميات ومجتمعات ما بعد الصناعة وما صاحبها من نزعات اللامعنى وحالة من التشظي في الرؤية للعالم، فالتطور الرقمي والتكنولوجي صاحبته رؤى لطبيعة المجتمع والعلاقات الحاكمة بين أفراده، خصوصًا مع مد العولمة الجارف الذي فرض أنموذجًا بعينه من خلال القوة بأدوات التأثير الناعم التي يتسلح بها، ووسائط الاتصال الحديثة أداة فعالة لإعادة صياغة وعي الإنسان ووجدانه ورسم تطلعاته وأحلامه، مع كل هذا التحول برز سؤال القيم لحفظ حالة من التوازن، ليس لدى الفرد وحسب، وإنما داخل النسيج المجتمعي.
إن سؤال القيم لا يمكن المبادرة إليه في غياب التربية، بل إن التربية في جوهرها ترتكز على القيم، فلا معنى للتربية؛ وهي أحد مهام التعليم والمؤسسات التربوية، إن لم ترتكز على القيم، والتحولات المشار إليها سلفًا والتي تحدث بقلب المجتمع ونظمه وعلائقه، تمس المدرسة والجامعة كذلك، فالتحولات الطارئة شمولية الطابع، ومن تم فسؤال القيم متعلق بالمدرسة والمجتمع في آن، ونطرحه داخل الحقل التربوي لما لهذا الأخير من فعالية متصلة بالمحيط الاجتماعي، وبعبارة جلية، إن المدرسة والجامعة جزءان لا يتجزآن من محيطهما الاجتماعي، يتأثران به ويؤثران فيه، كما أنهما يتفاعلان مع السياق الكوني العولمي وما يتصل به من معارف وتكنولوجيا تمثل تحديًا أمام نظمنا التربوية والتعليمية.
وأزمة القيم بالمجتمعات المعاصرة ينبغي أن تجد صداها بالمدرسة باعتبارها حاملًا. إن للمدرسة والجامعة أهمية قصوى في ترسيخ القيم بأبعادها المتعددة، بين تلك التي تحفظ الشخصية الوطنية ومقوماتها دون انغلاق، وتلك التي تدفع إلى الاندماج والتفاعل مع السياق الكوني دون تماهٍ أو استلاب، فمؤسساتنا التعليمية التربوية بحاجة لاستعادة وظيفة القيم من جهة للارتقاء بالسلوك الاجتماعي والمدني (وذلك ما أقرته الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم بالمغرب مثلًا)، ومن ثم فعالية القيم في توجيه الناشئة والمجتمع، وهنا نكون أمام الحاجة للتنقيب عن السبل الممكنة في تفعيل القيم بالمدرسة والجامعة واستنباتها في وعي الناشئة من التلاميذ والطلاب، وقبل ذلك تجاوز حالة الانقسام في مدارسة القيم، حيث يكثر اللغط والسجال بين البعد الكوني والخصوصي القيم، فنكون في الغالب أمام نقاش بمسحة أيديولوجية، قد يغيب معه جوهر الإشكال، بل إن كثيرًا من تلك الاستشكالات التي تطرح هنا أو هناك تكون وهمية وغير ذي أثر، وذلك عائد الى طبيعة الخلفيات المرجعية التي تنظم التفكير في القيم والتأسيس لها.
إن موضوعات القيم وقضاياها متسعة لتشمل مختلف الجوانب الثقافية والسياسية والاجتماعية والعلمية والتربوية، فهي تهم الفرد بمحيطه ومختلف علائقه، وتجديد النظر في موضوع القيم بحاجة لاستحضار أثرها في مختلف ذلك، كما أنه بحاجة لإدراك طبيعة صيرورة النقاش حول القيم خصوصًا مع التطورات التي عرفتها الأنساق الفكرية والسياسية والاجتماعية بالعصر الحديث، مع الحداثة وما بعد الحداثة ثم مع العولمة، وكيف تفاعل ذلك في سياقنا العربي والإسلامي، وما صاحب كل ذلك من نقد. وكيف أن القيم ظلت مقصية من عدة حقول معرفية لطبيعتها المعيارية عند البعض و للمسحة الأخلاقية والدينية التي قد تسهم في تشكلها، وكل ذلك تم إبعاده، ومن تم فالقيم ظلت عند البعض لا تنتمي للعلم والمعرفة، ومن جانب آخر التذرع بالقيم والإغراق في التقليدية، بدلًا من الاستناد إلى القيم في تحديد معالم كبرى للمشترك يسع الجميع، سيما أنها صارت مطلبًا ملحًا على الجميع لتجاوز الأزمات المحذقة بالإنسانية كاملة دون تمييز.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك