الجامعة وسؤال النهضة: بين الوظيفة العلمية والوظيفة السياسية (2)

26 يونيو , 2015

مما أشرنا إليه في المقالة السابقة التي حصرناها في مقاربة البعد العلمي للجامعة ووظيفة إنتاج المعرفة في إحداث النهضة، ذلك الربط بين البعد العلمي والجانب السياسي من جهة والتمييز بينهما في جانب آخر، بالقول، “إذا أردنا حقيقة أن نميز بين بعض الوظائف الاستراتيجية للجامعة فإنه لا يمكن بحال حصرها في البعد العلمي والمعرفي وحسب، و إنما تعد السياسة من صميم المجالات التي تعرف نشاطاً و ازدهاراً في الجامعات في مختلف الدول والأقطار، بل إن المؤسسات العلمية والمهتمة بالمعرفة كانت طيلة التاريخ لصيقة بالسياسة، فالسياسة والعلم أو المعرفة شأن حضري وحضاري، وصنوان لا يفترقان إذا نظرنا إليهما معاً يخدمان المجتمعات والأمم في الارتقاء والنهوض بعقل الإنسان ووعيه، ومن ثم بطبيعة النظم والعلاقات الاجتماعية بين مختلف المكونات والفاعلين”؛ واعتبرنا أن “حقيقة النهوض تكمن بداية في الاهتمام بالمؤسسات التعليمية، والمؤسسات التعليمية والجامعية خصوصاً، إذا نظرنا إلى تاريخها، فإنها ليست لإنتاج المعرفة وحسب، و إنما هي مؤسسات وفضاءات لصناعة الوعي السياسي الذي لا يمكن النهوض دون الاستناد عليه كذلك، فالجامعة كما أنها تهتم بالمعرفة هي كذلك ركيزة أساسية في التغيير السياسي والاجتماعي، فتلك جدلية لا تنفصل مكوناتها عن بعض، وذلك ما سننظر اليه في مقال آخر بحول الله”.

فما هي الوظيفة السياسية للجامعة؟ وكيف يمكن للوظيفة السياسية أن تسهم في بناء صرح النهضة في عالمنا العربي؟

إن البعد السياسي للجامعة هو حقيقة واقعة رغم أن الكثير لا يذهب في قوله إلى الحديث عن السياسة في فضاء تعليمي، باعتبار أن الجامعة والفضاءات التعليمية ينبغي أن تبقى مقتصرة على المهمة التعليمية دون التوسع في نشر الوعي السياسي ومتطلبات التغيير للإنسان والنظم السياسية، والحقيقة أن القول بالفصل بين الوظيفة العلمية والجانب السياسي للجامعة هو اغتيال لأحد الادوار المهمة التي ينتظر من الجامعات العربية القيام بها، من خلالها حراكها الطلابي، فالجامعة بدون نشر وعي سياسي فاقدة للطعم والذوق، وعاجزة عن الاسهام في النهضة، لاعتبار النهضة في وطننا طائر بجناحين، أحدهما العلم الذي ينمي الملكات المعرفية ويرتقي بالعقل المنتج للمعارف، وآخر هو الوعي السياسي بما هو جواب عن الديمقراطية وحريات التعبير في سياقنا الاجتماعي العربي، الذي ظلت شعوبه تحت حذاء الاستبداد والديكتاتورية عقوداً من الزمن، فالعلم يجيب عن إشكالية التخلف المتسرب إلى العقول وطبيعة التفكير في عالمنا العربي، والوعي السياسي الذي يهدف إلى تشييد نظم ديمقراطية ومؤسسات تراعي صوت الأمة والشعب في رسم خياراتها، هو جواب عن معضلة الاستبداد المزمنة وتأسيس لعهد جديد يحترم فيه رأي الإنسان واختياره.

إن المزج بين البعد العلمي والسياسي هو استعادة لروح أسئلة النهضة العربية الأولى، ومحاولة التركيب بين أطروحتين في النهوض، إحداها تقول بأن داء التخلف هو الاستبداد السياسي، كما يذهب إلى ذلك عبدالرحمن الكواكبي في مطلع القرن الماضي، ولذلك لا بديل عن النظم الدستورية الديمقراطية، وقبل ذلك التخلص في الفكر والثقافة التي يتأسس عليها الاستبداد وتمنحه شرعية وقوة، وأطروحة أخرى تقول بالإصلاح التربوي والعلمي كما هو شأن الشيخ محمد عبده ورشيد وبعده آخرون.

في هذا المعين من القلق بين التخلف والاستبداد والاستعمار كان نشوء الحركة الطلابية في العالم العربي، فكانت تحررية في نزعتها منذ النشأة، حيث عايشت وكانت جزءاً من كل القوى المواجهة التي واجهت المستعمر، ثم احتكت فيما بعد بالاستبداد والصراع الطافح على السلطة بين مختلف القوى الاجتماعية، وهي وإن كانت في مرحلة معينة في الكثير من البلدان العربية معبرة عن هوى يساري، نظراً لما مثلته آنذاك الفكرة اليسارية من نزعة للتحرر ثانوية في طبيعة خطابها، فإن الحقيقة الماثلة أن الحراك الطلابي في مجمله يميل إلى التغيير ويتطلع إلى الديمقراطية وحرية الاختيار السياسي.

وقد كانت لحظات كبيرة تعكس انعطافات كبرى حدثت في دول ذي طبيعة ثقافية أو سياسية أسهم فيها الطلاب بحنقهم على الوضع القائم وتصدرهم المطالبة بالتغيير، ولربما فرنسا في سنة 1968خير مثال لذلك، حيث عكس الحراك الطلابي المسنود بتفكير رموز فكرية كبيرة من أمثال “جون بول سارتر” وغيره حالة القلق الاجتماعي والضجر الذي سيدفع فرنسا إلى صياغة أنموذج جديد في كل المستويات الثقافية والسياسية والاجتماعية، وذلك يعكس مكانة الطلاب في التغيير من منظور كبير فلاسفة المدرسة النقدية الألمانية “فرانكفورت”، “هربرت ماركيز”.

وإلى جانب ثورة الطلاب في فرنسا، هناك حراك ووعي سياسي يقظ في كل الجامعات حيثما وجدت، ولربما نشير إلى اندونيسيا حالة حية لذلك سنة 1998 حيث أدت مظاهرات طلابية إلى الإطاحة بنظام عسكري، بعده انطلقت إندونيسيا في تشييد نهضتها.

إن تلكم الحالات التاريخية تبقى فاعلة في إعادة الاعتبار لمكانة الجامعة في التغيير السياسي، إذا نحن نظرنا إلى سياق الربيع العربي، وكيف أن الطلاب بتونس ومصر واليمن وغيرها من دول الربيع العربي هم الذي قادوا التظاهرات والحركات الشعبية، وبعد ذلك طلاب ضد الانقلاب بمصر الذي يجسد مثالاً حياً للنضال من أجل الديمقراطية والدفاع عن منطق الانتخاب في مواجهة آلة عسكرية جبارة.

إن الوظيفة السياسية للجامعة من خلال خلق وعي بضرورة التغيير والإسهام في الارتقاء بالتفكير السياسي، والحاجة إلى الديمقراطية لإكمال عمود النهضة أو اعتبارها مدخلاً لذلك، تبقى ضرورية، ما دام أن الاستبداد الذي عمر في وطننا العربي أبقى على التخلف ووطن له، فالاستبداد مقرون بالتخلف والانحدار في الوعي، والديمقراطية التي تعني حق الناس في الاختيار والتعبير، تسمح للعقل أكثر للإبداع وتخلق مناخ وجو أكثر ملاءمة للتفكير الجماعي في كل القضايا النهضوية الملتبسة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك