الظاهر والخفي من سجال تدريس اللغات ومراجعة مناهج التربية الدينية بالمغرب..(1)

2 مارس , 2016

1422553102493163000

عاد النقاش حول تدريس اللغات ولغات التدريس إلى الواجهة في المغرب بموازاة تنزيل مخطط إصلاح المنظومة التعليمية في أفق 2030، والذي وضعه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي المكون من قرابة 100 عضو، ولا يتوقف السجال في هذا الموضوع إلا ليثار مجددًا.

غير أن إثارته في الآونة الأخيرة لم تكن من فاعلين عاديين في المشهد السياسي وبين الفعاليات المهتمة بقضية اللغة والهوية، وإنما كان من أعلى سلطة في البلاد من خلال بلاغ صادر عن الديوان الملكي قوبل بعدة تأويلات وقراءات، سيما أنه يعكس انخراط المؤسسة الملكية في نقاش المنظومة التربوية، ولا يتوقف الأمر عند دور التحكيم أثناء الخلاف بين مكونات وطنية أو مؤسسات، حيث تأخذ الخطب الملكية والتوجيهات مرجعية دستورية ملزمة لكل الفرقاء، وبناءً على ذلك فإن تأكيد البلاغ الملكي على نقطتين تثير الكثير من الحساسيات سيعقبه تنزيل فعلي وإجراءات بمراجعة مناهج مادة التربية الإسلامية وتدريس اللغات.

هل الإشارة الملكية لمراجعة مناهج التربية الإسلامية ولغات التدريس نابعة من ضرورة الإصلاح، أم هي نتيجة ضغوط ومواكبة لتحولات إقليمية ووطنية؟

1) بداية السجال حول فرنسة المواد العلمية.

لم يكن النقاش حول فرنسة المواد العلمية بداعي الانفتاح على اللغات الأجنبية جديدًا، فمرد ذلك إلى مذكرة بعث بها وزير التربية الوطنية إلى الأكاديميات، يدعوهم فيها إلى تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية في سلك الثانوي، وهو ما اعتبره البعض تعديًا صريحًا على اللغة العربية، التي تعتبر لغة رسمية بمقتضى الدستور وينبغي أن تتقوى بمنحها المكانة المعتبرة في النظم التعليمية والإدارة، سيما أن هوى بعض النخب المغربية متصل بوثاق شديد وهوى جنوني نحو الفرنسية، ليس بدافع عصرنة التعليم والانفتاح على العلوم والثقافات، وإنما ترسيخ قدم لوبي فرنسا بالمغرب، من خلال بوابة الثقافة والتعليم إلى جانب الاقتصاد.

ويكفي أن يكون التعليم وحده مدخلًا لاستدامة الاستتباع والسيطرة دون باقي المداخل، ولو كانت الغاية مواكبة التقدم العلمي لكان الانفتاح على الإنجليزية بدلًا من الفرنسية، لاعتبار الإنجليزية في سياقنا الحالي لغة العلم والمعرفة وأداة التخاطب العالمي التي يزيد انتشارها في مقابل انحصار اللغة الفرنسية وتراجعها في الترتيب العالمي، فالإبقاء على سطوة الفرنسية في التعليم والإعلام والإدارة معناه الحفاظ على التخلف ودوام التبعية بمختلف واجهاتها.
لم تمر مذكرة وزير التربية الوطنية دون سجال، كما أشرنا بتفصيل في مقال سابق لنا هنا بعنوان “فرنسة التعليم بالمغرب..التغيير القسري لملامح الهوية الوطنية“، وانتقل إلى أروقة المؤسسات النيابية “مجلس المستشارين”، حيث دعا رئيس الحكومة المغربية وزير التربية الوطنية إلى سحب المذكرة أو تأجيلها، تجنبًا لأي انقسام مجتمعي يمكن أن تسبب فيه المذكرة.

لكن مخاطبة رئيس الحكومة لوزيره في التربية والتعليم كان له دلالة سياسية ويعكس حالة من الصراع بين قوى مختلفة في مركز القرار، إحداها يمثلها الوزير ولها امتداد في الإدارة والدولة، وهنا نتحدث عن اللوبي الفرنكفوي الراعي لمصالح فرنسا في المغرب، وقوة أخرى لها امتداد شعبي يحاول رئيس الحكومة أن يظهر إلى جانبها وممثلًا لصوتها، ونقصد هنا المتخوفين من سطوة التيار الفرنكفوني وفي مقدمتهم مناصري لغة الضاد والهوية الوطنية، فكان الخطاب موجهًا إلى هذه القوى تعبيرًا عن عدم موافقة رئيس الحكومة لمذكرة وزيره، وهي تدل كذلك على حالة التشظي في مؤسسات الدولة وعدم الانسجام في تدبير السياسات العمومية من طرف المؤسسات المنتخبة.

فالقرارات الاستراتيجية للدولة مهربة من أروقة المؤسسات المنتخبة بما فيها السياسة التعليمية، إلى جانب كونها غير مستقلة وليس للمغرب السيادة الكاملة عليها بناءً على اختياراته الوطنية، فيتم مراعاة موازين القوى بين الداخل والخارج.

لذلك جاء الرد على رئيس الحكومة من رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي المكلف بوضع استراتيجية النهوض بالمدرسة المغربية، عمر عزيمان المستشار الملكي، فأشار إلى أن خطوة وزير التربية الوطنية تمت بالتنسيق مع المجلس، ومثل هذا التصريح كفيل بإيضاح تهريب القرارات الاستراتيجية عن المؤسسات المنتخبة شعبيًا، وكذلك الوظيفة الحقيقية لمثل هذه المؤسسات وعدم مراعاتها للعملية السياسية التي يشارك فيها الشعب ليقدم نخبًا ترعى مصالحه الثقافية والقيمية والاقتصادية، وليس مجرد واجهة صورية.
هذا الجدل المثار وجد صداه في أخر مجلس وزاري ترأسه الملك، حيث أشار بلغة تحمل دلالات متعددة ويمكن تأويلها من جميع الفرقاء كل حسب هواه، وتلك طبيعة اشتغال المؤسسة الملكية وتفاعلها مع مختلف القضايا، فهي غير حاسمة، وإنما ترعى التوازن وتبقي على الصراع وتحافظ على بسط يدها على مختلف المجالات بما يبقيها متقدمة على باقي الفرقاء وكذلك في علاقة ودية مع المتدخلين الدوليين في العديد من القضايا الداخلية منها التعليم.

فأشار البلاغ إلى العرض الذي قدمه وزير التربية الوطنية حول تنزيل مخطط المجلس الأعلى للتربية والتكوين للنهوض بالمدرسة المغربية وتحقيق مدرسة الجودة ولإنصاف وتحقيق الاندماج الاجتماعي، ويضيف ملمحًا إلى أبعاد اشتغال الوزارة أنه

“تنفيذًا للتعليمات الملكية السامية، سيتم إعطاء الأسبقية لجودة التعليم العمومي، وللانفتاح على اللغات الأجنبية، خاصةً في تدريس المواد والتخصصات العلمية والتقنية وكذا للنهوض بالتكوين المهني لا سيما من خلال اعتماد التوجيه المبكر للتلاميذ والطلبة الذين لهم مؤهلات وميول في هذا المجال.
وانطلاقًا من الأهداف الاستراتيجية للإصلاح، قامت الوزارة بوضع مجموعة من المشاريع، وبلورتها في عدد من التدابير المستعجلة والمهيكلة، تتوخى ضمان جودة التعليم وتعميمه بما يضمن ولوج الجميع للمدرسة، وتوفير مقومات الارتقاء الفردي والاجتماعي، إضافة إلى تحسين حكامة المؤسسات التعليمية.
كما تساهم الوزارة إلى جانب القطاعات الحكومية المعنية في إعداد مشروع قانون -إطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين، وعلى صياغته في إطار تعاقدي وطني ملزم، وذلك طبقا للتعليمات الملكية السامية الواردة في خطاب العرش.
وفي هذا الصدد، أوضح جلالة الملك، أعزه الله، أن الانفتاح والتواصل لا يعني الاستلاب أو الانجرار وراء الآخر. كما لا ينبغي أن يكون مدعاة للتزمت والانغلاق”.

فالفقرة أعلاه من البلاغ تشير إلى مختلف أبعاد عمل الوزارة على تنزيل مقترحات الرؤية الاستراتيجية التي قدمها المجلس الأعلى للتربية والتكوين سابقًا أمام أنظار الملك، وهي حمالة للكثير من التأويلات في قضية اللغة، فلا يمكن لأحد أن يعارض الانفتاح على اللغات في عالم أصبح موحدًا.

لكن السؤال يبقى مطروحًا حول طبيعة الانفتاح على اللغة وحدود هذا الانفتاح ومدى تأثيره على مكانة اللغة الوطنية، فمن يحدد ذلك هي القوة الماسكة بالمؤسسات وأغلبها منفصل عن الإرادة الوطنية لأغلبية الشعب المغربي، فالإصلاحات السالفة لا تجعل الثقة موضع شك في كل الخطوات المتحدث عنها مهما كانت براقة ومثيرة للإعجاب، فالواقع يقدم عكس ما هو مثار هنا، والمقام لا يطابق المقام، لأن إصلاح النظام التعليمية وفق خيارات تحقق التقدم والاستقلال تعوزه الاستقلالية في القرار السياسي وكذا غياب الإرادة لذلك، وهو ما يدفع للتشاؤم، لأن الفشل لصيق بكل المبادرات السابقة.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك