جدل التنوير بالوطن العربي والتجديد المنتظر

22 ديسمبر , 2015

ليس جديداً على الساحة الفكرية العربية بروز خطاب فكري ينبه إلى خطورة التطرف الذي يتلبس لبوس الدين في كثير من الأحيان، بل إن التطرف في الآونة الأخيرة وفي سياقات باتت معلومة للجميع، أصبح لصيقاً وملازماً للدين، وظهر خطاب يعيد صناعة التطرف في المنطقة العربية للعامل الديني وحده دونه غيره من العوامل التي تعتبر في حقيقتها رئيسية في دفعالدين ليعتبر عامل من عوامل صياغة التطرف.

ويستعر الإعلام في استخدام المفهوم كلما برز مؤخراً في الخطاب كثير من المنابر تعشق العزف على وتر مواجهة التطرف باسم الدين والإرهاب ومواجهة الحراكات التي تستغل الدين في ممارساتها السياسية، كما أنهم يقدمون أنفسهم من دعاة العقلانية والتنوير وتقديس الاختلاف.

والتساؤل الذي يطرح مع هذا النمط من التفكير إذا سلمنا جدلاً بافتراضاتكم حول وجود التطرف الديني، وهم يقصدون حتماً تيار الوسطية الذي يشكل الإخوان نواته الصلبة، إذا سلمنا بهذا الادعاء، وبكونكم دعاة التنوير وتتسمون بالعلمية والقبول بتعدد الرأي، أين باقي ألوان التطرف؟ وأقصد هنا التطرف باسم العقلانية، والتطرف باسم العلمانية، والتطرف باسم القومية.

إن التطرف مثل ألوان الطيف، كما هو زئبقي غير منحصر في لون أو نمط معين من التفكير أو الممارسة، وصعب تحديد ملامحه وتوصيف شكله، خصوصاً عند مدعي التنوير والعقلنة بينما هو يبطن تطرفاً خطيراً يتلبس بلبوس التنوير والحداثة بينما هو حقيقة يتناقض من القيم المؤسسة لهذا التفكير، والغريب أن تيار الوسطية الموسوم بالتطرف في ادعاء باطل ومردود على مدعيه، لا يعلن محاربته لفكر معين أو مواجهة أحد بما يصل إلى إلغائه كما هو خطاب دعاة “التنوير الموهوم” الذي يعلن مواجهة الآخر ومصادرة حقه في التفكير والتعبير بلغة استعلائية لا ترقى لتسمية النقد والنسبية في الأفكار والاراء التي تتسم بها أصول هذه المدرسة على المستوى النظري على الأقل، فيكون المتطرف الحقيقي هم دعاة التنوير الباطل، بينما تيار الوسطية الذي برزت معالمه في الفكر الاسلامي المعاصر يؤكد من خلال النظر والعمل أنه عقلاني تنويري يقبل الاختلاف ويؤسس للتنوع والتعدد من منطلق مرجعي أساسه “وما أرسلناك الا رحمة للعالمين”، قد تكون بعض الأخطاء، لكن التبييت لاستهداف حرية الاخرين في التفكير غير موجودة.

إن دعاة التنوير نجد شغلهم الشاغل الاشتغال على البعد المرجعي في الخطاب الديني، دون أن يقدم لنا ملامح لتصوراته التي يقدمها مخرجاً من الواقع الذي تعددت أبعاد الأزمة فيه، فقد ثارت الشعوب تبتغي الديمقراطية خياراً سياسياً واجتماعياً في التعاقد بين الحاكم والمحكوم، لكن الكثير من هؤلاء لا نجد ضمن خطابهم شيء اسمه الديمقراطية أو في مواقفهم دعم لخيارات التحرر، ولكم كان مؤسفاً أن تجد الكثير من هؤلاء أفراد ومؤسسات يتواطؤون على الاختيارات الديمقراطية ويشرعنون القتل والتخريب، كل ذلك باسم التنوير ومحاربة الرأي الآخر في نقض للقبول بالاختلاف، بل تتحول ممارسات الكثير منهم ممارسة إرهابية بحق.

ينبغي التذكير أن الديمقراطية أحد الأسس والركائز في التنوير المنتظر، فلماذا نجد هذا المفهوم غائباً عند الكثير وإن حضرت خطاباً عند البعض غابت عنهم ممارسة، وفي الكثير تجد قدراً معتبراً من النخبة الذين رفعوا هذا الشعار يتمسحون بهذه النظم السياسية صاحبة الذهب الأسود ومدن الملح، بل منهم من ابتكر خلطة عجيبة في الدفاع عن التدين الذي نشأ في حضن السلطة تاريخياً، ونحن نعلم جيداً المآزق التاريخية لأمتنا، بل التنوير وما يتطلبه من تحلي بجرعات نقدية جريئة تعتمد العقل وتستند إلى مسلكياته في قراءة الماضي واستشراف المستقبل.

إن هذا الوقوف السريع مع أصاحب هذا الادعاء يجعلنا نرد إدعاءاتهم والحكم عليها بالبطلان، لأنهم فقط قاموا بإسقاط مشوه ومختزل لمجموعة من المفاهيم، فلا هم كانوا أمناء في النقل لكل المفاهيم ولا هم أهل للقيام بهذه المهمة التي تتجاوزهم، فيبقى خطابهم مجرد كلام لا يسنده واقع.

إن التنوير والتجديد والنهوض صيرورة تتفاعل فيها عدة معطيات وتتعدد مداخلها، بحيث تعمل في تواز وتوازن وسعة ومرونة وهو عبارة عن نقلات بطيئة إذا كان غايتها ملامسة الفكر والثقافة ونغيير أبنية المعرفة التقليدية المتراكمة وهو ما يجعلنا نخلص إلى أن المهمة هي عمل أمة وليس مؤسسات أو أفراد، كما أن مواجهة تيار الوسطية هو في حقيقته يخفي مواجهة كل الأبعاد الحضارية للأمة، والتي يعد تيار الوسطية مجرد تيار ضمنها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك