متى تصبح القراءة ثقافة- ج(2)؟

22 أبريل , 2016

لماذا أخفقت المدرسة في الوطن العربي في توطيد الصلة بالكتاب والقراءة؟ وكيف يمكن أن نعيد للقراءة حيويتها في صياغة وجدان الأفراد والمجتمعات وتشكيل رؤاهم؟ وكيف يمكن للمؤسسات التعليمية أن تقوم بذلك الدور؟

بتلك الأسئلة ختمنا الشطر الأول من المقالة السابقة، والتفاعل معها يستوعبه السؤال المحوري:

متى تصبح القراءة ثقافة؟

مفهوم الثقافة هنا لها بُعد في السلوك الاجتماعي، حيث الثقافة نظرية في السلوك تؤطر الفعل مجمل النشاط الإنساني، ونقصد بتحول القراءة إلى ثقافة، أن تصبح سلوكًا اجتماعيًا لا ينفك عن الإنسان ولا يتخلى الإنسان عنه، فلا تكون القراءة شأنًا جامعيًا أو مدرسيًا وحسب، أو له صلة بالكتاب المدرسي والمقرر الجامعي، ثم بعد ذلك ينصرف المرء لنشاطه اليومي الذي تكاد تغيب فيه القراءة أو النشاط اليومي الذي لا يستثمر المقروء لتوجيه حياته ورؤاه، وذلك ما يجلي مأساتنا في الترتيب الذيلي الذي يصنف ضمنه الإنسان العربي في مستوى المقروئية والحيز الزمني المخصص لذلك.

ويظهر إلحاح البحث في سبل تحول القراءة إلى ثقافة في مجتمعاتنا، لما يبدو من حالة هجران عند نسبة كبيرة من الشباب للكتاب والمكتبات، فأنت إذا صعدت حافلة متأبطًا كتابًا في دقائقك المعدودة أو كنت بمقهى تقرأ حيث يجد أغلب الرواد ضالتهم في المباريات الكروية، أو في فضاء عام، فإنك ستصبح غريبًا وتمارس سلوكًا شاذًا، فتصبح مدعاة نظرات كثيرة ومستغربة ممن هم حولك، وهذا وحده يعكس لنا حالة من الوعي في مجتمعاتنا بشأن القراءة والكتاب، وذلك ناتج عن جملة من الأسباب رسخت الهوة بين الكتاب والإنسان وبين المجتمع والقراءة، ومن ثم نفهم كيف التردي في الكثير من المستويات لما يغيب الكتاب، فلما يصبح محاور الإنسان وأنيسه وروافد توعيته غير الكتاب ووسائط الثقافة المعهودة، أو يبقى في حالة فراغ، نعلم أنه سوف يسود الجهل ويسيطر ويصبح نمط الحياة فاقد للبوصلة والموجه.

أن تصبح القراءة ثقافة، يعني أن يرتقي الإنسان في وعيه وسلوكه الاجتماعي وينال حريته كاملة غير منقوصة، فالقراءة تهذب الذوق والسلوك وتنير الدرب ويتفتق معها الذهن، ومعها تتحقق إنسانية الإنسان بوصفه كائنا يعشق السؤال ويشغل أرقى ما منحه الخالق وبه تحقق الاستخلاف، وهو العقل وميزة التفكير المنظم لكل أنماط التحضر والمدنية باعتبار الإنسان في أصله مدني بالطبع ويميل للإجتماع، فلا مدنية بدون رقي في الوعي وتهذيب في الثقافة والسلوك الاجتماعي، ولا رقي في الوعي والنشاط الإنساني بدون قراءة، ونرى بمقتضى الواقع والتاريخ كي يتغذى العنف والتخلف والاستبداد على الجهل، وكيف يستثمر من له رغبة في سطوة التخلف والعنف لاستدامة سيطرته على الجهل، وأولى وسائله في ذلك، إفراغ المدرسة ومؤسسات التعليم من محتواها وفصلها عن وظيفتها، التي لا تنحصر في المقررات الدراسية، وإنما بتوطيد الصلة بالمعرفة والقراءة وتحبيب الكتاب للناشئة بمختلف الوسائل والسبل المتاحة، وبذلك تصبح مؤسساتنا التعليمية التي تخرج الآلاف من الشباب، فاقدة لوظيفتها في التوجيه والبناء لإنسان حر وفاعل وصاحب رسالة، وإشارتنا للمدرسة وأهميتها في تحويل القراءة إلى ثقافة وسلوك اجتماعي، نابع من الوظيفة الملقاة على عاتقها في البناء المجتمعي.

لذلك كل مبادرة لتشجيع القراءة تغلب الجانب الفولكلوري ومنطق النجومية الذي طغى في عالم الفن والرياضة، هي محدودة الأثر والفعالية، بل إن سريان هذا النموذج من ستار أكاديمي واستوديو دوزيم ومواهب الذي تغطيه قنوات إعلامية ضخمة وترصد له أموال طائلة على مجال القراءة والكتاب وكل الأبعاد الثقافية وقضايا المعرفة، سيجعل منها لقطة موسمية ومحكومة بالتنافس والربح والنجومية، وذلك ليس من شأن الكتاب والمعرفة الذي له أثر ممتد عبر الزمان، وينبغي أن تكون العناية به جزء من استراتيجيات وطنية وسياسات تعليمية واهتمامات ثقافية تشيع حب المعرفة وتملك للناس مفاتيحها وتقدم لهم الوسائل اللازمة لذلك.

وإذا أردنا أن نفصل في كيفية تطوير هذا المجال، فإنه علينا أن نبحث في كل مدرسة ونيابة وأكاديمية خاصة بالتعليم، وما تحظى به الثقافة واللجان الثقافية من اهتمام ودعم، ونخص بالذكر المكتبات الخاصة بكل المدارس والأندية النشيطة بها وموقع الأستاذ في تحبيب ذلك للتلاميد وتداول الكتاب معهم؛ وهنا نسجل حالة من الأسى على حجم الإنفاق على اللجان الثقافية والمكتبات، بل إن معظم المدارس والأكاديميات تفتقر لمكتبات واهتمامات منسقة للنهوض بهذا الجانب، وهو ما ينبغي رعايته من وزارات التعليم والثقافة بتقريب المكتبة للتلاميذ والطلاب وتجديدها الدائم بكل المنشورات والكتب، وإقامة مسابقات وتنظيم ندوات لمناقشة الكتب والتعريف بها، ولا يتوقف الأمر عند هذا الجانب، بل إن الإعلام بحاجة لأن يكون جزءًا من هذه السياسة، ولنا أن نبحث في إعلامنا بمختلف الوطن العربي، كيف تحظر القراءة والكتاب والثقافة والمعرفة ببرامجه، وما نسبة البرامج التوعوية المخصصة لذلك، في مقابل سيل من الأعمال الفنية الفاقدة للمعنى والمروجة للرداءة، وإذا أردت أن أشير إلى الإعلام المغربي، فإن حالة من الجفاف في مجال التثقيف في قنواتنا في مقابل نشاز من البرامج والأعمال المسطحة للوعي المزيف للرؤى، وذلك له قصد وغاية، فالإعلام جزء من خطة التجهيل، وهو أداة في يد منظومة تشتغل على تفقير الحياة الثقافية وتعادي الوعي الوعي الحر والنقدي.

لا يقف الأمر في الوسائل والإمكانيات على المدرسة والجامعة وحدها لجعل القراءة ثقافة، وإنما في كل القطاعات والهيئات التدبيرية المهتمة بالمدينة والشأن العام، بترويج المكتبات بكل الأحياء وتشييدها وتجديدها والارتقاء بخدماتها، فجمالية المدينة تعكس جمالية الإنسان وذوقه ومستواه الثقافي، وحالة الضحالة المنتشرة، إنما تعود لندرة سبل ترشيد الوعي في المدن وأحيائها، والمكتبات مدخل مهم لذلك، فلا رقي ولا تمدن بدون سياسة محلية ووطنية ترد الاعتبار لهذا الجانب، والذي لا ينبغي أن نقيس أثره لحظيًا وفي حينه، وإنما أثره سيكون له مدى مستقبلي وعلى الأجيال.

باعتبار الثقافة والمعرفة أثر مؤسس على التراكم والبطء، وفي آخر المسير يظهر الشعاع، شعاع الوعي والنهضة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك