مخاطر الاستتباع الثقافي (بالمغرب): وقائع ودلالات(2)

29 مارس , 2015

إن تجليات الاستتباع الثقافي ورهن مجتمع ودولة لخيارات مفارقة للذات ومتنكرة لقيمها الأصيلة كثيرة لا تنحصر، وإذا كنا في المقالة السابقة أشرنا إلى خلفيات الاستتباع الثقافي وأهدافه الخفية والظاهرة، فحسبنا هنا أن نشير لواقعتان تكشفان بوضوح مدى تمزق النسيج الاجتماعي المغربي في مكوناته الثقافية، فلنسردهما معاً مع الإشارة لبعض دلالاتهما السلبية:

الواقعة الأولى: من مآسي الثقافة بالمغرب أن يصعد وزير الثقافة للمنصة في افتتاح المعرض الدولي للكتاب في دورته 21 في مدينة الدار البيضاء بالمغرب التي مرت بين 12 و23 فبراير الماضي، ولما بدأ في مخاطبة الحضور (وهو غني متنوع) أكثر من التلعثم والأخطاء الفاضحة والموجعة للغة العربية أمام رموز فكرية وثقافية كبيرة، وأمام رئيس حكومته الذي حل ضيفاً على افتتاح المعرض الدولي للكتاب. 

بل إنه توقف طويلاً وقرأ مراراً كلمة واحدة “استكتبنا” من الاستكتاب، دون أن يتمكن من نطقها بشكل سليم أو ربما ليس له معرفة بالمفردة المذكورة، وهو ما جعل وزيرنا يتوقف ويخاطب الجمهور الكريم، الذي يتابع سيادته الوصية على مجال الثقافة المنتظر منها بناء الوعي وترشيد السلوك، متحدثاً عن الأخطاء المطبعية ليتجاوز بعد ذلك كل الفقرة المعنية.

الحقيقة التي لم يقلها السيد وزير الثقافة حينها يوم 12 فبراير 2015 أثناء افتتاح دورة أشغال المعرض الدولي للكتاب، أنه لم يقرأ الورقة التي أعدها خبراء تقنيون إلا وهو ماثل  أمام الجمهور، ويعني ذلك أن وزير الثقافة لم يقرأ بضع ورقات فكيف به أن يكون وصياً على قطاع حساس تعد المعرفة والقراءة أحد مداخله وأسسه التي يقوم عليها، وهو يؤشر على أن المقدم الأول عن القطاع الثقافي من طرف الدولة المغربية غير مهتم بالأسس السليمة لبناء ثقافة واعية، وتحترم مقدرات نسيج اجتماعي تعد اللغة العربية أحد الألسن الأساسية التي يعتمدها في التواصل والكتابة.

لقد كانت لحظة حديث وزير الثقافة في افتتاح المعرض الدولي بالبيضاء أمام نخب كبيرة حجة للحضور بمناسبة تكريمها، باختصار تجسد انتكاسة واضحة للثقافة بالمغرب وبؤسها بانتكاسة القائمين عليها، من الذين جعلوا معارض الكتب والمكتبات العمومية ضعيفة وهزيلة ولا تحظى بالدعم الكافي أمام زحف عشرات المهرجانات في كل المدن منذ أكثر من عقد، وهي مهرجانات تستحضر الجانب السخيف والسوقي من الفن، وتعد أحد الأذرع والوسائل الثقافية التي تخدم الاستبداد، كما تتغذى عليها نخبة مسيرة ونافذة في الجهاز البيروقراطي للإدارة أو مفعلة لمجتمع مدني قائم على الريع، بفعل غياب الحكامة والتدبير الرشيد؛ بل إن مهرجانات كبرى يحج إليها رجال الموسيقى من كل البقاع لا تحظى بالمساءلة والخضوع لمسطرة التدبير الحكومي، مما يجعلها فوق المساءلة و المحاسبة؛ وها نحن على مقربة من مهرجان موازين الذي يقام في مدينة الرباط وعشرات المهرجانات التي يغيب عنها الانسجام في الرؤية الفنية والأهداف التي تخدمها، باستثناء هدف هو وحيد، هو تسطيح الوعي وترسيخ ثقافة استهلاكية مفارقة لمكنونات الإنسان والمجتمع المغربي، ومحاولة الظهور بمظهر الحداثة شكلاً مع الحفاظ على التخلف مضموناً.

قد لا يكون وزير الثقافة من العاملين مع النهج الفرانكفوني الذي يغذي نزعة التبعية ويكافح على أكثر من صعيد، لإدامة رهن المغرب لفرنسا، وفي ذلك إجهاز على شخصيته الحضارية ومكونات الثقافة الوطنية، وهو إذ يكون غير قاصد الخدمة المباشرة كما هو شأن وزير التربية الوطنية ونخب أخرى، فإنه من النخب التي ترسخ طمس المعالم الثقافية للشخصية المغربية، بعدم سن سياسيات ثقافية تتطابق مع المضمون القيمي الذي استند إليه المغرب في صياغة أنموذجه، وكذلك المكونات التي تسهم في بناء الثقافة الواعية بذاتها المستقلة عن أي خضوع قسري أو شعور بالضعف والعجز أمام الآخر، وهنا يمكن أن نشير إلى تجنب تبخيس اللغة والموروث القيمي والرمزي، وذلك ما عرف غياباً منذ عقدين على الأكثر في قطاع الثقافة منذ اختار المغرب الانصهار طواعية مع العولمة الثقافية  الكاسحة، وهو انصهار في الشق الاستهلاكي دون الانفتاح على الجانب المضيء، وهو ما يعني إرادة واعية في التنكر للذات والارتماء في حضن الآخر.

الواقعة الثانية: وهي التي نقلتها لنا جرائد ومواقع إلكترونية عدة منها “أخبار اليوم المغربية” عبر موقعها الإلكتروني (اليوم 24) عن وزير التعليم الذي رفض الإدلاء لقناة France 24 بتصريح باللغة العربية لبثه في القناة الناطقة بالعربية، وبحسب الجريدة فإن “أصبحت طرفة ومثار سخرية في هيئة تحرير القناة الباريسية، فالصحافة الفرنسية لم تستوعب وجود وزير في حكومة مغربية لا يعرف اللغة الرسمية في بلاده، فعندما أخذت صحافية القناة تصريحاً لبلمختار بالفرنسية، طلبت منه أن يعيد التصريح نفسه بالعربية لتوظيفه في النشرة الإخبارية في القسم العربي في القناة، لكن وزير التعليم رد عليها ببرودة قائلاً: عفوا أنا لا أعرف العربية (je ne connais pas l’arabe)”.

إن مثل هذا الحادث غير بسيط  في بلد تعد اللغة العربية اللسان المعتمد رسمياً في دستور المملكة ومجتمعياً عند مختلف الشرائح والقطاعات الاجتماعية إلى جانب الأمازيغية، فالدلالات الكامنة خلف الجملة التي نطقها الوزير المغربي المعروف بنزعته الفرانكفونية  تكشف جزءاً من المستور في  الصراع الثقافي، بين مكونات الهوية الوطنية برموزها وتشكيلاتها المتنوعة ذات خصائص لها جذور اجتماعية وحضارية تتوارثها الأجيال المؤمنة حقيقة بالوطن ومقدراته الحضارية، مع خيار آخر يريد أن يرهن المغرب لأنماط ثقافية ووعي متجلي في سلوك اجتماعي وثقافي مفارق للنظام القيمي والخلفيات الحضارية التي تشكل ضمنها المغرب.

ومن يعرف طبيعة هذا الصراع، لن يستغرب إذا رجع إلى القرار الأول الذي اتخده الوزير المذكور، والمتعلق بتعميم تجربة الباكالوريا الفرنسية في عشرات المؤسسات، وهو القرار الذي كان شبه مجمد عند الوزير الذي سبقه، فأعظم خدمة يمكن أن يؤديها مسؤول لفرنسا التي تعاني لغتها انحداراً وتراجعاً مهولاً هي توقيع مثل هذا القرار، الذي يعني بالمقابل خطورة ليس على اللغة العربية وحسب، وإنما هو إقرار فاضح للتبعية التي لم تترك قطاعاً دون تنفذ إليه وتظهر فيه بمظهر الشجاع والمستنير، وكما في التعليم نجد له ذات السمات في الإعلام وباقي الوسائط والمداخل المساهمة في بناء  الشخصية الإنسانية في مختلف أبعادها.

فالصراع الدائر إذاً في المغرب منذ أكثر من قرن، كما هو في مختلف البلدان العربية والعالم التي عرفت ظاهرة الاستعمار  وكانت في مرمى الهجمة  الإمبريالية التي لم تتوقف فصولها إلى الآن؛ هو صراع بين مكونين متناقضين في الخلفيات الحاكمة والأهداف المتوخاة، حيث نجد أحدهما يتأسس على مكنونات الذات ومقدراتها ومنفتح على مجمل التعبيرات الثقافية والأفكار التي يمكنها أن تخدم مسيرة النهوض دون أن تكون معيقا وحاجزاً أمام النهوض أو داعية لإلغاء الذات وطمس معالمها والانصهار مع الآخر بمنطق القوة المادية والرمزية، وآخر مفارق للذات منفصل عن أساساتها مبالغ في التمثل بالأخر والسعي الحثيث لكسب وده والوفاء في خدمته، دون أدنى نقد للسياسات الاستعمارية التي مازالت فصولها تفعل فعلها في جسم الأمة إلى الآن.

فالتناقض الحاد بين المكونين يبطن انقساماً حاداً أحدثه الاستعمار في عقل الأمة، إلى جانب تمزيق جغرافيتها، وقد أشار أحد المفكرين (منير شفيق. قضايا التنمية والاستقلال في الصراع الحضاري) بكلمة بليغة يوضع فيها طبيعة المجتمع الإسلامي بعد الاستعمار، والذي لم يكن في السابق، وسماه “مجتمعان تحت سقف واحد”؛ فلم يكن الخلاف فيما ما مضى حول أصل من أصول تشكيل الوعي، وإن كان فهو نادر وقليل الحدوث، كما هو في عصرنا الحالي حيث حدة الخلاف والتناقض حول الأسس المشكلة للوعي، ومن ثم ارتباطات هذا الأخير وخلفياته وأهدافه؛ وبذلك تكون طبيعة الإشكالات المثارة قبل قرن لا زالت مستمرة، وبحاجة للتفكير والتنقيب من أجل ردم الهوة بالانتساب إلى المقدرات الذاتية مع التفاعل النسبي والمفتوح، مع ما يمكن أن يغني الذات ويثريها في مختلف المجالات، وتلك مهام النخب ووسائط التواصل.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك