آهات العباقرة.. كيف تتحول المحن إلى منح؟  

14 أبريل , 2018

عندما نسمع بأسماء مثل ابن سينا وابن مسكويه وعباس بن فرناس وابن رشد قد نتخيَّل أمامنا شخصيات مثالية وعبقرية، ولا يستعصي عليها شيء، فلا نتخيَّل أحدهم يقرأ كتابًا أربعين مرَّة دُون فهم، ولا نتخيَّل كيف يُمكن لأحدهم ألا يتحمل الجلوس في المدرسة، كما أننا لا نُفكر كثيرًا في العواقب التي سببتها لهم تجاربهم المثيرة، والأكيد أننا قد لا نتخيَّل كيف يُمكن لعبقري منهم أن يُهان إهانة شنيعة ويُطرد من المسجد بينما هو يستعد للصلاة، والأكيد الأكيد أن هذا كُله ليس خيالًا بل هي مواقف من بين مئات المواقف التي ذكرها أحمد الشنواني في كتاب “عباقرة الحضارة العلمية في الإسلامية”، وقد اخترتها بعناية لأنني ما زلتُ أتذكرها مُنذ عشرة أعوام، وقد عُدت إليها مؤخرًا لأشارككم بها.

 

ابن سينا.. كيف لو قرأت الكتاب أربعين مرّة ولم تفهم؟

 

من منا لم يسمع بابن سينا؟ لا أظن أن أحدًا لم يسمع بشيخ الأطباء الذي لم يذع صيته في العالم العربي فقط، بل في العالم أجمع، ويُسمى عند الغرب بـ آفيسينا Avicenna، فقد تميَّز الرجل في الرياضيات والفلسفة أيضًا. ورغم اختلاف بعض الناس معه في الرأي، إلا أن الجميع يتفق على أنه كان عبقريًّا ومع ذلك يعترف في إحدى كُتبه أنه حاول ذات يوم أن يقرأ كتاب “ما بعد الطبيعة” ولكنه لم يستطع فهم ما فيه، فحاول أن يقرأه من جديد، ولم يفهم حتى أنه يقول:

“أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظًا وأنا مع ذلك لا أفهمه، ويئست من نفسي وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه”

 

حتى جاء يوم كان يتجول فيه في سوق الوراقين فوجد أحدهم يبيع كتابًا للفارابي فاشتراه، وما إن قرأه حتى انفتح عليه فهم “ما بعد الطبيعة” فطار من الفرح حتى خرج في اليوم التالي ليتصدق على الفقراء شُكرًا لله على نعمة فهم الكتاب، وهنا لا بُد لنا من وقفة طويلة، وطويلة جدًا، نُفكر فيها إذا كان هذا حال ابن سينا، فلماذا يتذمر الواحد منّا وقد ييأس إن لم يفهم المُحاضرة من أول أو ثاني أو حتى ثالث مرّة؟ حتى بعد المرّة الأربعين هُناك أمل!

 

ابن مسكويه.. كيف تُعلّم نفسك بنفسك؟

 

مع أن هذا العالم لم يحظ بشهرة ابن سينا، إلا أن هذا لا يمنع من كونه عبقريًّا وهو يُعتبر من أبرز علماء الأخلاق في العالم، ومن يفتح كتابه “تهذيب الأخلاق” ويُحاول أن يُطالع بضعة صفحات قليلة منه، سيُدرك أن المسألة تتطلب جهدًا ليس ببسيط، والمُدهش بعد كُل هذا حين نقرأ في سيرة هذا الرجل أنه اختلف عن الكثير من علماء عصره ممن عاشوا قبل حوالي 1000 عام، فلم يكن يقتنع بالذهاب إلى المدرسة لتلقي دروسه ولا يذكر التاريخ أنه كان يتلقى العلم على واحد من الأساتذة، بل كان يُفضل أن يُعلم نفسه بنفسه كما جاء في “موسوعة عباقرة الحضارة العلمية في الإسلام”، وجاء أيضًا أن حُبه للحقيقية كان يدفعه دائمًا إلى الاجتهاد وتكبد مشقة التحصيل، ولعل هذا جعله يحظى بوظيفة مميزة هي أمين مكتبة من مكتبات قصور الأمراء، وبالتالي فقد كان الكتاب بالنسبة إليه “ينبوع الثقاف” و”المعلم” و”الجامعة” التي تربى فيها، وللعلم فلم يُبدع ابن مسكويه في الفلسفة فقط، بل في الكيمياء.

 

وقد اشتهر بأن الخليفة “عضد الدولة” كان إذا تناول الطعام جعله عنده ليسأله عن العناصر التي تتألف منها الأطعمة وعن منافعها ومضارها.. وإن كان هناك درس نتعلمه من ابن مسكويه؛ فهو أنه:

ليس هناك طريق واحد للعلم، وليس بالضرورة أن يكون الإنسان حاملًا لأعلى الشهادات من أفضل الجامعات كي يُقال عنه: عبقري!

 

عباس بن فرناس.. أشهر سقوط في التاريخ؟

 

مع أن أكثر الناس لا يعرفون ابن فرناس إلا من خلال مُحاولته الطيران، إلا أن هذا العبقري قد أبدع في أمور كثيرة ومنها الشعر والموسيقى، وفي الواقع فقد كان مُهندسًا متميزًا، ليس في الطيران فحسب بل في صناعة الأجهزة الفلكية، وهو أول من صنع الزجاج الشفاف من الأحجار، كما يُقال أنه أول من اخترع قلم الحبر وكُل هذه الاختراعات كانت بفضل حُبه للتجارب، حيث كان يتمتع بروح المخاطرة التي جعلته يُحاول الطيران مع أنه لم يكن يعلم أو يتخيّل كيف لهذه التجربة أن تنتهي، ولم يُجربها على غيره بل جربها على نفسه حين صعد على سطح جامع قرطبة الكبير وراح يحلق في الهواء وطار لمسافة بعيدة والناس تنظر إليه بعجب، حتى سقط على الأرض ومكث في السرير لعدة أسابيع، وإن كان هناك درس مثير في حياته، فهو عشقه للتجارب العلمية والاستعداد لتحمل نتائجها.

التجارب التي نخوضها ونحن لا ننتظر منها إلا نتائج “إيجابية” لا تستحق أن تسمى تجربة بل ربما “فحص” أو “اختبار” لأن مصطلح “تجربة علمية” كثيرٌ عليها، فلولا سقوط ابن فرناس في محاولته لما اكتشف أهمية الذيل بالنسبة للطير والطيران!

 

 

ابن رشد.. كيف يُهان العلماء؟

 

إن كان ابن رشد قد اشتهر بشيء، فهو عشقه للاجتهاد في الرأي وبغضه للتقليد ولهذا فقد تألق كثيرًا بين الفلسفة، وللعلم فقد اشتهر في أوربا كابن سينا، ويُسمى “آفيروس” ويضعونه مع أفلاطون وأرسطو في صف واحد في الفلسفة العقلية.

المثير في قصَّة حياته أنه عانى وواجه المحن بسبب آراءه الفلسفيّة، ويُقال أن هناك من زيّف بعض النصوص للإيقاع به ولم ينجحوا، ولكن بعد سنوات أُصدر أمرٌ بحقه بأن ينفى وأصحابه إلى قرية لليهود في الأندلس، ولم تنته معاناته عند هذا الحد، حيث يُروى أن أحد أشد المواقف التي تركت في نفسه أثرًا عميقًا، ليس اختلاف بعض الناس معه في الرأي، ولكن الذي حز في نفسه هو أن بعض الغوغاء من أهل قرطبة أخرجوه من المسجد الكبير هو وابنه بينما هم يتهيآن لصلاة العصر، وهو مشهد صعب يجعلنا نُدرك للمرة الألف، أن بعض الناس لا تحترم إلا من كان على شاكلتها، ولا تُبالي بإهانة من يُخالفها حتى لو كان عالمًا مثل ابن رشد، فكيف بمن هو أقل منه؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك