أحمد السوافيري.. المعلم الذي لم تأسر الإعاقة إرادته

17 يوليو , 2018

“كيف سينظر الطلاب لي؟ هل سأتمكن من ضبط الفصل؟ كيف سيتعامل معي المدرسون هنا؟”

تلك الأسئلة والكثير غيرها كانت تحوم في عقل المعلم أحمد السوافيري وهو في طريقه إلى المدرسة؛ حيث سيقف أمام الطلاب بلقب “أستاذ” لأول مرةٍ في حياته، لكن في الحقيقة لم يكن هذا هو سبب توتره الكبير ذاك، كان في الأمر سرٌ أكبر..

كان “السوافيري” كلما فكّر بأنه سيتحرك بين مقاعد الطلاب بكرسيه المتحرك، وذراعه اليسرى المبتورة، واليمنى ذات الإصبعين فقط، يتخيل أن الطلبة لن يكفوا عن الحملقة به، سوف يتجاهلون كل كلامه ويركزون على قدميه المبتورتين، كان يحاول أن يجهّز ديباجة لشرح وضعه لطلبةٍ صغار قد يسألونه بعفوية “أين ذهبت أطرافه؟”.. ماذا حدث مع المعلم أحمد السوافيري في ذلك اليوم؟ وكيف أضحى المعلم الأكثر “شعبية” في مدرسته بين طلبة الصفوف الابتدائية؟ دعونا نقرأ معًا:

 

بداية الحكاية

يوم 20-4-2008 لم يكن كبقية الأيام بالنسبة للسوافيري، حين فرغ من كافة استعداداته تقريبًا لتقديم اختبارات الثانوية العامة، الوقت كان يجري والامتحانات على بعد شهرٍ فقط، كان الجميع متأكدًا من أن أحمد لن يحوز أقل من امتياز، وكان هو يحمل في جَعبته الكثير من الأحلام لما بعد مرحلة النجاح، لكن كما لو أن الزمن توقّف عند صوت ذلك الانفجار.

يقول السوافيري لـ “زدني”:

“أصابنا صاروخ إسرائيلي بينما كنت أسير برفقة صديق بالقرب من البيت، هذا الحدث أفقدني قدميّ الاثنتين، ويدي اليسرى إضافة لثلاثة من أصابع يدي اليمنى”.

حالة السوافيري الصعبة ودخوله في غيبوبة زادت مدتها عن عشرين يومًا، لم تؤثر في عزيمته الصلبة، فقرر أن يتقدم للاختبارات، من أجل تحقيق طموحه المرافق له منذ الصغر في أن يصبح مدرسًا، ليسهم في غرس معاني الإرادة والقدرة على تحدي الواقع الصعب، يؤكد، مضيفًا: “أحاول أن أساعد على تربية جيل يحمل هم الوطن في قلبه، ويسعى إلى تنميته بمختلف الوسائل العلمية، أشجع على الابتكار دومًا، وأعرف أننا بالعلم سنلامس القمم”.

 

تفاصيل حياة

 

بحركاتٍ سريعة يحرك الجريح أحمد السوافيري من قطاع غزّة كرسيه داخل بيته الصغير، يحمل في يده كتاب التربية الإسلامية الخاص بالمرحلة الابتدائية، وعلبة قرطاسيته الشخصية، ويعلو صوته كلما اقترب من الباب مودعًا زوجته وطفلته الصغيرة جنى.

الرحلة اليومية لأحمد تبدأ على هذه الشاكلة، ينطلق من بيته صباحًا لمدرسة “صفد” الواقعة في حي الزيتون على الأطراف الشرقية لمدينة غزة، وهي قريبة من المكان الذي أصيبَ فيه بالاستهداف الإسرائيلي قبل عشر سنوات، ومثل كلّ المدرسين يقف بين طلابه في الطابور المدرسي، يحاول قدر الإمكان تنظيمه، مُظهرًا حضورًا مميزًا بين زملائه.

 

أما داخل الفصل فيتنقل بين طلابه بكرسيه المتحرك، مستغلًا كل وسائل الإسناد التعليمية في إيصال الأفكار وشرح المنهاج الدراسي بصورةٍ مفسرة، وفيما تبقى من أصابعٍ في يده اليمنى يحاول بحزمٍ الإمساك بقطعةٍ من الطباشير، يكتب بها ملاحظاتٍ وهوامش على السبورة.

ويبيّن أحمد أنّه على الرغم من إعاقته، إلّا أنّ صموده ما زال مستمرًا، وحياته وهو فاقدٌ لأطرافه، تشعره بنقصٍ جسدي في بعض الأحيان، لكنها لم تشعره لمرّةٍ واحدة أنّه ناقصُ إرادةٍ أو تصميم، متابعًا: “رغبتي في الارتقاء والتطور تزداد يومًا عن يوم”.

 

إنجازات دولية

 

حالته الفريدة وتحديه لإعاقته جذب الأضواء تجاهه بشكلٍ كبير، وحولت حالته لمصدر إلهامٍ ليس على المستوى المحلي فحسب، إذ تعدت ذلك لتصل للمستوى الدولي، وتوّج هذا التأثير والإلهام بدايةً بحصوله على لقب “أفضل شخصية مؤثرة حول العالم لعام 2016” بحسبِ تصنيف وزارة التنمية المجتمعية اللبنانية.

وفي إنجازٍ آخر.. صوتُ التصفيقِ يعلو، والدّهشة اعترت وجوه الحاضرين، كيف لا؟ والمُتوج بـ جائزةِ “إنجاز العمر” لهذا الموسم، ليس سفيرًا ولا وزيرًا ولا فنانًا كما جرت العادة، المعلم الفلسطيني الجريح أحمد السوافيري يتقدم بكرسيه المتحرك إلى منصةِ التّكريم، حيثُ أمير قطر ووزراؤه وشخصيات عالميّة رفيعة ينتظرون وصوله؛ لتسليمه “درع التكريم” المقدم من مؤسسة “روتا” لشخصية عام 2016م.

صعد المِنَصةَ، وأخذ نفسًا عميقًا، وبدأ يتكلم. لم يتطرق إلى إنجازاتهِ الّتي كانت سببًا في وجوده خلف الميكرفون في تلك اللحظة! لم يلق بالًا إلى تاريخ الألم الذي عاشه، بعد أن فقد أطرافه كلها، بل بدأ وانتهى بغزّة. أهلُها الطّيبون وما يعانونه تحت نيران الحروب، آمالهم، وأحلامهم المتكسرة في اليومِ ألف مرةٍ على عتباتِ الحصار.

ختم حديثَه بشكرِ الأمير، وحيّا كلّ من يحمل على عاتقهِ هم القطاع المُحاصر، التّصفيقُ هزّ المكانَ ثانيةً، والسوافيري عاد إلى غزّة بقصّةٍ جديدة، أضيفت إلى سجلِ قصّص التحدي والإرادة لأبطالٍ من ذوي الإعاقة.

وتعدّ فلسطين من البلدان التي ترتفع فيها نسبة ذوي الإعاقة، إذا ما قورنت بعدد السكان فيها، فبحسب آخر إحصائية صادرة عن مركز الإحصاء الفلسطيني بلغت نسبة الأفراد في فلسطين ممن يعانون من إعاقة واحدة على الأقل 2.7%.

 

 

ويرجع السبب في ارتفاع نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في فلسطين إلى الإجراءات التعسفية التي تمارسها دولة الاحتلال ضد المواطنين العُزل، فمنذ عام الانتفاضة الأولى 1987م، زادت أعداد المعاقين بشكل كبير بسبب استخدام القوة المفرطة بأشكالٍ مختلفة ضد الفلسطينيين، أضف إلى ذلك الممارسات الهمجية التي مارستها قوات الاحتلال ضد سكان القطاع بشكلٍ خاص في الحروب الثلاثة على غزّة في أعوام 2008، 2012، 2014مـ على التوالي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك