أمة اقرأ لا تقرأ! وإن قرأت لا تعرف ماذا تقرأ

26 أغسطس , 2016

قال لي: أنت تقرأ كثيرًا … أنت مجنون! … قلت له: إن القراءة بالنسبة لي نوع رخيص من المخدّرات! لا أفعل بها شيئًا سوى الغياب عن الوعي. في الماضي – تصور هذا – كانوا يقرؤون من أجل اكتساب الوعي!

أحمد خالد توفيق: يوتوبيا

تحتل القراءة أهمية كبرى بالنسبة للإنسان، فهي أداته في التعلم والثقافة، وتكوين شخصيته مستقبلًا، فعن طريقها يغزو جميع ميادين المعرفة، فينمي فكره ويثري خبراته، وهي من أهم المهارات المكتسبة التي تحقق النجاح والمتعة لأنها مفتاح أبواب العلوم والمعارف المختلفة، كانت القراءة وما تزال أساس العلم والحضارة، فلا عجب أن كانت حكمته “عزّ وجلّ” بأن أول آياته نزلت بشأن القراءة، فقبل الأمر بالصلاة والصيام وقبل تفعيل الشرائع وقبل الكلام عن العقيدة قال “اقرأ”، فقد أراد أن يوحي لنا عزّ وجلّ بأنه لايُعبد بالجهل وبأن العلم هو بوابة الدنيا إلى الآخرة، هذا ما استوعبه المسلمون الأوائل فأبدعوا وتفوّقوا وسادوا.

وعلى الرغم من التّقدم العلمي الذي يتميز به العصر الحديث وشيوع وسائل الإعلام الحديثة المختلفة، مقروءة كانت أو مسموعة أو مرئية فإن القراءة لا زالت صاحبة الريادة على وجه العموم خاصة للأطفال في مختلف المراحل التعليمية باعتبارها من أهم وسائل استثارة قدراتهم، وإكسابهم حصيلة لغوية من المفردات والتراكيب، فللكتاب دور أساسي للعملية التعليمية والزيادة في تحصيل الأبناء، وورد في أثر ما: “قيدوا العلم بالكتابة”، فمهما اختلفت وجهات النظر بخصوص تعريف الكتاب فإنه يظل مصدرًا مهمًا من مصادر المعلومات قديمًا وحديثًا، ومن أهم أدوات التعلم النظامي والذاتي، ويظل على رأس مصادر المعلومات المطبوعة التي تشمل أيضًا الوسائل السمعية والبصرية.

أهمية القراءة وفوائدها:

– تعتبر وسيلة من وسائل الاتصال بين الأفراد والشعوب، فهي تصل الإنسان بغيره من الناس ممن تفصله عنهم المسافات المكانية والزمانية، يقول “كارل سغان”: (بمجرد أن تقرأ في كتاب ستسمع صوتًا لشخص آخر، ربما مات منذ ألف سنة، أن تقرأ يعني أن تبحر في الزمن)، فهي لا تعترف بالفواصل الزمنية، والفوارق الاجتماعية، والحدود الجغرافية، فالقارئ يستطيع أن يعيش كل العصور، وفي كل الممالك والأقطار.

– أنها طريق الإنسان لمعرفة ما ينفعه وما يضره من العلوم، وبأنها وسيلة للتنمية أو الهدم، فهي تؤثر في اتجاهات الإنسان ومستواه الخلقي ومعتقداته وتصرفاته، على حسب ما يقرأ يكون التأثر، إن صالحًا أو طالحًا.

سئل أرسطو يومًا «كيف تحكم على إنسان؟»

فأجاب: «اسأله كم كتابًا قرأ؟ وماذا يقرأ؟».

– تنمي القدرة العقلية على التركيز والتخيل، وتعطي القارئ القدرة على التحليل وإبداء الرأي، وتساهم في تكوين أحكام موضوعية صادرة عن فهم واقتناع.

– تتميز بسهولة المراجعة، وسلامة اللغة، وسهولة التثبيت في الذاكرة، وقد جاء في المثل الصيني “أسمع فأنسى، أقرأ فأتذكر”.

– إمضاء أوقات الفراغ بما هو نافع ومفيد ومغذ للعقل والخيال فهي غذاء للروح ومتعة للعقل، كما قال الكاتب الفرنسي هنري مانترلانت «لا فرق بين الميت، ومن لا يقرأ».

أرقام وإحصاءات تصرخ بصوت عال:

لكن رغم كل هذه الأهمية والفوائد للقراءة لم يدرك العربي المعاصر ذلك أو تغافل عن ذلك، فالأرقام والإحصاءات تستغيث بصوت عال، بل وتصرخ في وجوهنا، فمعدل القراءة للمواطن العربي، الذي يقرأ وفقًا لتقرير اليونسكو لعام 2010 ربع صفحة سنويًا، أو إلى نوعية الكتب المقروءة، التي تأتي كتب الطبخ والجنس والتراث والاطلاع على الأبراج وتفسير الأحلام في مقدمتها، أو إلى كيفية استخدام الإنترنت في العالم العربي، والتي تحتل فيها دوافع الترفيه وقتل الوقت المرتبة الأولى.

وفي تقرير إحصائي حول القراءة، أصدرته مؤسسة «الفكر العربي» سنة 2011، يظهر أن المواطن العربي يقرأ بمعدل ست دقائق سنويًا، بينما يقرأ الأوروبي بمعدل 200 ساعة في السنة الواحدة، وفي المغرب نجد الأزمة أكثر تجذّرًا، حيث صرح وزير الثقافة المغربي في ندوة صحافية له، سنة 2012، بأن “القارئ المغربي، لا يقرأ إلا دقيقتين في السنة، في حين أن القارئ الأوروبي يقرأ 200 ساعة في السنة”، فيما تشير إحصاءات أخرى إلى أن متوسط القراءة لدى المغاربة، لا يتجاوز خمسة أسطر للفرد الواحد في السنة.

بإمكاننا كذلك أن نشير إلى مستوى الصحافة، حيث تشير إحصائيات عام 1997 إلى أن هناك 14 صحيفة لكل ألف مواطن في مصر، وثمانية صحف في الأردن، وخمس صحف في عمان، و 1509 في الولايات المتحدة.

أما على صعيد الترجمة فنصيب كل مليون مواطن عربي من الكتب المترجمة يساوي 4.4 كتاب، بينما يبلغ نصيب كل مليون إسرائيلي 380 كتاب، وكل مليون مجري 500 كتاب، و كل مليون أسباني ما يقارب 950 كتاب.

 في دراسة صادمة أنجزتها اليونسكو حول الحصيلة الكلية للترجمة العربية، تفيد بأن ما ترجم إلى اللغة العربية، منذ عصر المأمون سنة 813 إلى اليوم، لم يتجاوز العشرة آلاف كتاب، وهو عدد يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة فقط. وما تترجمه الدول العربية مجتمعة في السنة الواحدة لا يعادل خمس ما تترجمه اليونان وحدها في العام.

أهذا ما يقرأه شبابنا وكل ما يقرأه؟ أهذه هي عقول الحاضر والمستقبل؟ أهذه هي العقول التي سنراهن عليها للنهوض بأمتنا؟ حقًا إن هذه الأرقام تُعبّر بقوة عن ثقافة المجتمع، وتُفسّر كافة المحن والمصائب التي تحل به. فلنحرق إذن كافة ما تحتويه مكتباتنا، ولنحطّم كافة مؤسّساتنا التّعليمية والثّقافية ولينتحر أرباب الفكر والأدب والعلم. فالقادم يُخرج لنا ألسنته القبيحة، فالعربي المعاصر لم يفطن إلى أن العلم والمعرفة هما الحد الفاصل بين المتبوع والتابع، الآمر والمطيع، والصانع والمستهلك، ولو تتبعنا المقارنات الإحصائية الصادرة عن المؤسسات والمراكز البحثية المعاصرة بيننا وبين الآخر، لوجدنا أنفسنا أمام أرقام تكشف عن حقائق مخيفة ترسم معالم المستقبل الذي ينتظرنا، وهي أرقام لا تستحي أن تُعلن عن نفسها بعد أن افتقدت عقولنا قيمة الحياء من غفوتها، وتوارت حُمرة خجلها خلف أسوار تخلفها. وصدق من قال “إن أردتّ أن لا يُسرق مِنك شيء، ضَعه في كتاب، فهذه الأمة لا تفتح كتابًا!”.

الأسباب التي تقف وراء أزمة القراءة في البلدان العربية:

وهناك العديد من الأسباب التي تقف وراء أزمة القراءة في الوطن العربي، أهمها ارتفاع مستوى الأمية، إلى جانب الصعوبات الاقتصادية التي لا توفر للمواطن العربي الوقت والمال للقراءة، إلى جانب نقص انتشار الكتب وعدم تشجيع المناهج الدراسية والتربية الأسرية على القراءة، هذه تعتبر من الأسباب الرئيسية والواضحة، لكن هناك أيضًا أسبابًا أخرى تقف وراء تراجع معدلات القراءة في الوطن العربي، منها تنافس الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يقضي المواطن العربي وقتًا أطول على هذه المواقع بدلًا من قراءة الكتب، إلى جانب تنافس القنوات الفضائية لأوقات القراءة، فالمواطن العربي يقضي ساعات أطول على هذه القنوات مقارنة بالساعات التي يقضيها في القراءة.

وكذلك فإن انتشار روح الخرافات والخزعبلات والدجل والشعوذة في المجتمع وتأليف العديد من الكتب بهذا الشأن كفيل بأن يجعل مركز العلماء والمفكرين حرجًا للغاية ومحبطًا لهم، ويعزفون عن تأليف كتبًا منطقية تخاطب العقول، إذ يشعرون أن وجودهم نشاز في مواجهة النغمة العامة التي يعزفها المجتمع المتخلف الذي تساعد أجهزته الإعلامية على ارتفاع نغمة الخرافات والخزعبلات بلا حرج أو حساسية أو خجل، فمثلًا نجد من علماء الدين من يُؤلّف كتبًا تتراجع بالعقل البشري إلى القرون الوسطى أو ما قبلها، مثل ذلك المفتي والعالم الذّي ألّف كتابًا عن “مركزية الأرض وثباتها ودوران الشمس حولها” بعد أن ثبت علميًا عن دوران الأرض حول الشمس الثابتة منذ عهد كوبرنيقس وجاليلو وحسم الأمر فيها، و كذلك انتشار العديد من الكتب تروّج للخرافة وخصوصًا في مجال الطب الذي سيشكل خطورة على صحّة المواطنين كالعلاج ببول البعير، بل الأكثر من ذلك تقَدَّم هذه الخرافات على قنوات وفضائيات مشهورة، أي أن الإعلام الذي يفترض في وظيفته التثقيف والتوعية والتنوير أصبح ينشر الخرافة والدجل والجهل والغيبوبة.

وأيضًا كثيرًا ما نقرأ كتبًا عن الأرواح التي تحطم أثاث الشقق المغلقة لسفر ساكنيها، والأشباح التي تطير في الخفاء وتفعل الأعاجيب، والعفاريت التي تأتي من الماضي السحيق لكي تظهر سرها الباتع في الحاضر، وإذا كان العالم المتحضر يصدر كتبًا عن هذه الموضوعات فذلك من باب التسلية والطرافة والإثارة لأن كيانه الحضاري ينهض أساسًا على منهج علمي عقلي راسخ، أما في مجتمعاتنا العربية التي ما زالت تعاني من الأمية والجهل والخرافة فلا ينبغي أن نشجع وندعم أميتها وجهلها وخرافتها عندما نجد المسؤولين عن الإعلام والثقافة والفكر يكتبون عن هذه الموضوعات، فكأننا انتهينا من كل ضرورات حياتنا ولم يتبق لدينا سوى مشكلات الأرواح والأشباح والعفاريت والجن.

فما السبيل إذن؟

وللخروج من هذه الأزمة لا بد أن تتحمل الأسرة على عاتقها دور تربية الأطفال على القراءة من جهة، وعلى الدول العربية ووزارات الثقافة والشباب والتعليم أن تضع الخطط الاستراتيجية التي تشجع المواطنين على القراءة.

دور الأسرة

 أطفالنا يولدون كصفحة بيضاء وعلى الأباء والمربين مسؤولية ملء هذه الصفحة بالقيم والأفكار والعلوم التي تؤهلهم ليكونوا شبابًا ذوي إنتاجية فعالة في المجتمع وسببًا من أسباب تقدمه ورقيه، وحب القراءة وتنمية حبها لديهم مطلبًا تربويًا نظرًا لما يتسم به عالم اليوم من انفجار معرفي سريع ومتغير، كما يمكن للقراءة أن تساعد الطفل أو بالأحرى كيف نجعل الطفل محبًا للقراءة، من خلال تحديد دقيق لماهية القراءة بمفهومها العام ومراحلها التربوية أو فن القراءة، ومدى أهميتها للأطفال وأهمية اختيار الكتاب المناسب مع الوقت المناسب والمكان الفيزيقي المناسب أيضًا، مع البحث في أساليب ترغيب القراءة للطفل دون أن ننسى عوائق القراءة وأسباب نفور الأطفال من القراءة.

الأب الذكي هو الذي يُعوّد أبناءه على المطالعة منذ الصغر حتى تصبح لديهم عادة لا يمكن الاستغناء عنها من خلال شراء الكتب والقصص والروايات التي تكون في متناول قدراته الذهنية، فقد أثبت علميًا أن المطالعة تنمي القدرات الفكرية للطفل وتزوده بالخيال العلمي وتساعده على تحسين مستواه الدراسي، ولقد بيّن حكيم مصري قديمًا أهمية الكتاب ومهارة القراءة في تعاليمه الموجهة لابنه بقوله “ليتني أستطيع أن أجعلك تحب الكتب أكثر مما تحب أمك، وليت في استطاعتي أن أبرز لك ما في الكتب من روعة وجمال”، فالطفل مثل النبتة الآخذة في النمو لا ينبغي أن تعامل معه كحاوية لابد من ملئها ولكن يجب مراعاة المرحلة العمرية له، لأن لكل مرحلة سماتها للإقبال على القراءة ففي البداية نجد الطفل شغوفًا لسماع القصص المصورة التي تروى له والتي تعكس سلسلة من الأحداث، بعد ذلك تنضج نظرته للقراءة وتتطور مع تقدمه في العمر، كما أن للكتاب وللمكتبة المنزلية دور أساسي للعملية التعليمية والزيادة في تحصيل الأبناء.

كذلك على الأسرة تشجيع الأطفال على استخدام تقنيات الوسائل الحديثة وتتمثل في الحاسوب والإنترنت كوسائل تقنية حديثة في تطوير العمليات التربوبة، وتشبه عمليات قراءة النص على الإنترنت ومهاراتها بمستوياتها المختلفة معظم أنواع القراءة الأخرى، وإن كان الإنترنت تحتاج إلى يقظة أكثر حدة من تلك التي تحتاجها قراءة كتاب أو صحيفة، إذ ما أكثر المعلومات التافهة بل والضارة التي تحتوي عليها هذه الشبكة التي تمسك بخناق العالم كأخطبوط أسطوري، من هنا كانت المستويات المختلفة للقراءة تبدأ بالقراءة العابرة ثم الانتقائية ثم العادية وأخيرًا المتعمقة، من خلال هذه المستويات تبرز آلية الترشيح أو التقطير المعلوماتي الذي يفرق بين ما هو مفيد ومثمر وما هو تافه ورخيص.

دور الدولة

 لا بد للدول العربية ووزارات الثقافة والشباب والتعليم أن تضع الخطط الاستراتيجية من أجل غرس القراءة في نفوس الصغار والشباب، واتباع البرامج التعليمية التي من شأنها أن تشجع الطلاب على القراءة، إلى جانب البرامج والمسابقات الخاصة بالشباب لتشجيعهم على القراءة، وذلك للتغلب على هذه الأزمة التي تهدد الوطن العربي ثقافيًا وحضاريًا وعلميًا، كما أن المنطقة العربية في أشد الحاجة إلى تحديث المكتبات العامة ونشرها في كل الأرجاء، وتزويد مكتبات الجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث ومراكز الاطلاع بأحدث المراجع والكتب وشرائط الفيديو والأقراص المدمجة، وتسهيل استيراد الكتب والمجلات والدوريات وأيضًا عقد حلقات الدراسة والأبحاث العلمية التطبيقية، وبرامج التدريب المستمر على كافة مستويات الإدارة.

فما أسوأ أن ترى أمة اقرأ لا تقرأ! والعقل العربي الذي كان مزهوًا بإمكاناته الفكرية والعلمية يعيش ضمورًا وانحطاطًا، فالأرقام والإحصائيات سابقة الذكر إن دلت على شيء فإنما تدل على أن العالم العربي يفتقر أولًا إلى القدرة على إنتاج المعرفة، ويفتقر ثانيًا إلى القدرة على نشر المعرفة، ويفتقر ثالثًا إلى القدرة على تطبيق المعرفة، ومع ذلك يرفض القائمون على شؤون العرب أن ينصتوا، لم تتحرك مثلًا جامعة الدول العربية – أو أية دولة عربية – لتعلن أن أمتنا في خطر، مثلما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عام 1983 رغم تفوقها، ولم تبحث دولة عربية واحدة في كيفية استثمار عائداتها وإعادة توزيع ثرواتها بما ينهض بالتعليم والبحث العلمي، كل المؤشرات تشير إلى أننا قاب قوسين أو أدنى من السقوط في هوة عميقة قد لا نجد سبيلًا للخروج منها، ولا يرفع المسئولون إلا شعارًا واحدًا: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، لكن لا عاصم يومئذ من أمر الله إلا من رحم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

يمكنك الاطلاع على

وسط كل هذا الزخم المعرفي: كيف أحدد ماذا أقرأ؟

تحدي القراءة العربي..متى تصبح القراءة ثقافة؟(1)



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك