أم “العَالِم” فادي البطش: نحن عائلة “تجارتها العلم”

31 مايو , 2018

أخوه الوحيد د. رامي: في دراستي تعلمت منه “الصبر وعدم استعجال قطف الثمر”

 

صديقه د. عبد الرحيم: كان الأول في كل شيء.. وأَوْلَى اهتمامًا بالغا للأبحاث العلمية..

 

 

حين ترسل امرأة ماليزية لأحد أعز أصدقاء العَالِم الفِلَسطيني فادي البطش؛ الذي اغتيل في 21 من ابريل/ نيسان الماضي على يد عناصر مجهولة في العاصمة الماليزية كوالا لمبور؛ هذه السطور:

“أريد أن يكون ابني مثل العالِم فادي البطش؛ أريده حافظًا للقرآن؛ وأن يكون في علم وخلق فادي؛ بالله عليك رشِّح لي شخصًا ثقة يُحفِّظ ولدي “كتاب الله” ويصنع منه إنسانًا مثل فادي”.

 

عندها فقط ندرك عظيم الثمرات التي حصدها حين أعلى قيمة العلم؛ فترك أثرًا في كثير من الناس حتى فيمن لا يعرفونه.

 

هو العبقري المتألق الذي مكث في الحياة خمسة وثلاثين عامًا فقط؛ بذل فيها ضعفيْ ما يبذل زملاؤه في الدول الأخرى من جهد؛ ممن تتوافر لهم الإمكانيات والتسهيلات؛ وأحرز العديد من الجوائز والإنجازات التي لم يحصلوا عليها، على الرغم مما عاناه من صعاب وحصار؛ لكونه ينتمي إلى قطاع غزة.

 

كما أنه يُعَدُّ أولَ باحثٍ عربي يحصل على “جائزة خزانة” التي تسلمها من رئيس وزراء ماليزيا داتو سيري نجيب تون عبد الرزاق؛ علاوة على أنه كان يعلم القرآن للماليزيين ويؤم في مساجدهم.

 

 

حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة مرموقة عالميا (جامعة مالايا)؛ وترتيبها 133 عالميًا، فيما ترتيب قسم الهندسة الكهربائية الذي درس به هو 37 عالميًا؛ وفقًا لأحد المقابلات التي أجريت معه سابقًا.

 

وقد تناول بحث الدكتوراه الذي أعده رفع كفاءة شبكات نقل الطاقة الكهربائية باستخدام تكنولوجيا إلكترونيات القوى؛ فنجح بفضل الله في عمل تصميم عملي في المختبر لجهاز يعتمد تصميمه على تكنولوجيا إلكترونيات القوى، ومِن ثَم توصيله بشبكة نقل الطاقة الكهربائية، وتحسين كفاءة الشبكة بنسبة تصل لــ 18 %.

كان كل همه أن ينقُل تجرِبته مجال البحث العلمي ومتطلباته وأدواته إلى البشرية لا سيما إلى أبناء وطنه.

 

وتجدر الإشارة إلى أن عائلته اتهمت الموساد الإسرائيلي باغتياله؛ في حين أن وسائل الإعلام الإسرائيلية نعتته بــ “بالخبير في طائرات بدون طيار”؛ مروِّجة أنه يعمل لصالح حركة حماس.

 

الاحتلال يسعى لشعب جاهل

بين يديكم نضع ما قاله المقربون منه؛ ونبدأ بوالدته معلمة اللغة الإنجليزية التي رأت فيها “مراسلة شبكة زدني” أنموذجًا رائعًا للأم التي تنتج أبناءً تفوقوا في العلم والدين؛ تقول:

“أنا ووالد فادي- الذي كان يعمل معلمًا للرياضيات- حين تزوجنا قررنا أن تكون لنا عائلة تجارتها العلم؛ وهذا ما حققناه بفضل الله في أبنائنا الأربعة الذين حفظوا القرآن وبلغوا درجة عالية من العلم؛ بذلنا كل ما في وسعنا كي يصلوا إلى هذه المراتب وكنا دائمًا سعداء بما زرعنا؛ لقد ربينا فادي وإخوته على استثمار كل لحظة وفق نظام دقيق؛ ففي الإجازة الصيفية كنا نلحقهم بمختلف الأنشطة الثقافية والرياضية؛ حتى “الخط” جلبنا لهم أستاذًا فيه”.

 

وفي تعقيبها على اغتيال ابنها البِكر؛ قالت أم فادي البطش: “إذا عدنا إلى التاريخ؛ فإن الاحتلال البريطاني والفرنسي دَأَبا على تحقيق هدف واحد؛ ألا وهو القضاء على التعليم؛ لأن الشعوب الجاهلة أبدًا لا يمكنها أن تحقق النصر على الاحتلال بخلاف الشعوب التي تحظى بالعقول؛ انظروا إلى العراق؛ كان أول ما فعلته أمريكا؛ قتل علمائه؛ والحال نفسه بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي؛ ذلك أن عقلية فذة مثل ابني فادي لا بد أنها أخافتهم؛  مع أنه يعمل في المجال الأكاديمي ولا علاقة له بأية تنظيمات كانت؛ ناهيك عن أنه كان يشترك في كل أبحاثه مع علماء غير مسلمين ومن دول أخرى؛ لكن لكونه فلسطينيًّا رأوا فيه خطرًا مُحْدِقًا”.

 

دعمني في قراراتي

وبالانتقال إلى د. رامي البطش الأخ الوحيد لفادي؛ الذي يعكف على دراسة “التخصص” في ألمانيا ويعمل هناك؛ بعد أن تخرج من كلية الطب في مصر؛ يتحدث عن علاقته بــأخ فريدٍ من نوعه؛ تأثر به على صُعُد مختلفة من بينها الجانب العلمي.

 

فادي وأخوه رامي

 

يقول لـــ “زدني” : “ربطتني بفادي علاقة قوية اهتم بي كثيرًا؛ وأكثر ما يؤلمني أنني لم ألتَقِه من عام 2012؛ كان كثيرا ما يسألني عن أشياء تخصه؛ يخبرني بكل ما يفكر به؛ أن ضايقه شيء سرعان ما يخبرني؛ كنت أستشيره في كل صغيرة وكبيرة وهو كذلك”.

 

كانت آخر مرة تواصلا فيها معًا؛ قبل ثلاثة أيام من رحيل فادي؛ حين أرسل لأخيه الأصغر صورًا لطلابه الذين فازوا في مشروع بالميدالية البرونزية؛ يضيف: “لطالما خططنا مرارًا لأن نلتقي؛ ولكن كنا نؤجلها في محاولة منا لأن نجتمع جميعنا مع الأهل؛ تحديدًا مع أبي وأمي؛ ولأن ظروف معبر رفح كانت صعبة لم تسمح الظروف لنلتقي في هذه الدنيا”.

 

اتصل فادي برامي في مطلع الشهر الماضي؛ أي قبل استشهاده بفترة بسيطة؛ وأخبره أنه سيسافر إلى تركيا لحضور مؤتمر؛ وسأله إن كان بالإمكان أن يسافر تركيا ليلتقيا معًا؛ يقول: “كانت فرحتي باقتراحه لا توصف؛ فوافقتُ على الفور”.

 

“”هل تقابلتما؟”.. صمت الطبيب هُنَيْهَةً، ثم قال: “بعدها أخبرني أنه سيتواجد في تركيا لفترة قصيرة؛ وأنه يود لو أننا نقضي معًا فترة أطول؛ ثم اتفقنا أن يكون اللقاء في بداية شهر يوليو المقبل “إن شاء الله”؛ وفعلا حجزتُ إجازة لمدة 18 يوم؛ وكان فرحًا جدًا؛ لكن الله لم يقدر لنا ما خططنا له؛ والحمد لله على كل حال”.

 

وعن الدعم الذي كان يتلقاه من فادي لمواصلة طموحاته العلمية؛ أخبرنا: “سواء قراري دراسة الطب في مصر؛ أو قرار رجوعي لغزة لعمل سنة الامتياز؛ أو قرار سفري إلى ألمانيا للتخصص؛ كلها قرارات كانت بتشجيعٍ منه”.

 

مِن هذا الأخ العالِم تعلم الكثير من المهارات؛ يوجزها الطبيب الشاب في الآتي: “الصبر وعدم استعجال قطف الثمر؛ أهم ما تعلمته منه؛ فقد كان رحمه الله مع فكرة السرعة بالدخول لبرنامج الدراسات العليا ولكنه ضد فكرة السرعة بالتخرج؛ كان صبورا جدا ودائما ينصحني أنه لا فائدة من الاستعجال والحصول على الشهادة دون الحصول على معلومات ومهارات كافية”.

 

ولطالما نصحه أيضًا بالمشاركة في نشر الأبحاث؛ وكان يسعده كثيرًا عندما ينشر له ورقة علمية أو بحث في مجلة عالمية أو ما شابه؛ وفقًا له.

 

رحل لكن فكرته ستعيش

رامي الذي شاء الله أن يكون سفرة لماليزيا هذه المرة من أجل حضور مراسم تشييع أخيه التي أقيمت أولًا في ماليزيا؛ يتحدث عن موقفٍ لن ينساه: “في السنة السادسة من كلية الطب أصر فادي أن يرتب لي رحلة ترفيهية في ماليزيا قبل رجوعي إلى غزة؛ وفور إنهائي آخر امتحان؛ كان قد حجز لي مباشرة اليوم الذي يليه على ماليزيا لمدة ثلاثة أسابيع؛ وخلالها لم يترك مَعلمًا أو جزيرة أو مدينة ألعاب إلا وذهبنا إليها؛ ثلاثة أسابيع لم أجلس يومًا واحدًا بالبيت؛ لقد أعدَّ لي برنامجًا كاملًا فقط حتى يخرجني من ضغط الدراسة وجو الامتحانات؛ لم يكتفي بذلك بل قبل رجوعي أحضر لي هدية “جلاكسي تاب”؛ كل من رآه غبطني بالقول: (نيالك بأخوك).. مين بصحلّه زي فادي.”

 

وعدَّ رامي البطش اغتيال أخيه خسارة كبيرة وجرحًا عميقًا؛ قائلًا: “فَقْدُ الأخ الوحيد والقدوة ليس أمرا هينًا؛ لكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا؛ إنا لله وإنا إليه راجعون؛ والله سبحانه تعال يقوينا بهذه الكلمات؛ أسأل الله أن يجمعني به في جنات النعيم بإذن الله؛ وأن يُثبتنا ويجبر كسر قلوبنا وأن يعوضنا خيرًا؛ وأن يرينا في من نفذ وخطط وساعد ما يشفى غليل قلوبنا”.

 

وبرغم الحزن فإن شعوره بالفخر يزداد؛ “يشرفني أن أكون أخًا لهذا الرجل العالم الزاهد الوفي لدينه ووطنه وقضيته؛ لله درك يا أخي ما الذي بينك وبين ربك حتى يصطفيك شهيدا وأنت ذاهب لصلاة الفجر تقرأ القرآن ويرفع ذكرك بين عباده”.

 

ويؤكد أن “الجهة المنفذة هي جهة معروفة وذلك بالنظر لطريقة الاغتيال وكذلك تصريحات الجهات الرسمية الماليزية؛ وما كان هذا ليحدث لو أن فادي لم يرعبهم بعلمه ووفائه لوطنه وقضيته”.

 

وأشار إلى أن فادي البطش رحل شهيدا؛ “ولكن فكرته باقية وباستشهاده جرت الفكرة في آلاف من المحبين لدينهم ووطنهم وقضيتهم؛ مجددًا الدعوة للجهات الرسمية الماليزية لمتابعة التحقيقات وملاحقة المجرمين ومحاكمتهم”.

 

سانَدنا دائمًا.. وعلمنا الكثير

د. عبد الرحيم شهاب؛ فادي هو “عِشرة عمر” بالنسبة له؛ فقد كان يعرفه قبل أن يغادر غزة منذ سبع سنوات؛ وتوطدت الصداقة بينهما في ماليزيا؛ حيث قدم كلاهما لاستئناف الدراسات العليا.

 

 

أمطرت المشاعر الفياضة والذكريات فوق قلبه؛ حين كان مستقلًا القطار متوجهًا من العاصمة الماليزية كوالالمبور إلى مدينة أخرى؛ وأخذ يحكي لنا عن صاحبه بإعجاب وحب لا حدود له؛ إذ يندر أن يلتقي المرء بشخص أبدع على المستويين الإنساني والعلمي.

يقول:

“حاز على درجة العالِم والباحث المتميز وفاق أقرانه؛ علاوة على أنه حافظ لكتاب الله”.

 

ويبدو الحزن واضحًا في قسمات صوته وهو يضيف: “لقد استحوَذَ الرجل على قلوب الماليزيين وجاليات العالم الإسلامي؛ هذا الحب منهم لم ألْمَسه من قبل في أي شخص آخر يومًا في حياتي؛ والجنازة التي شارك في تشييعها أناس من كل بقاع الأرض أكبر دلالة”.

 

ويحكي لــ “زدني” عما لَفَت انتباهه في خير أصحابه: “هو إنسان مفعم بالمشاعر الجياشة؛ كل واحد عرفه أو قابله لمرة واحدة؛ سواء في المسجد أو الجامعة أو الأنشطة والفعاليات التي تتعلق بفلسطين؛ ظن أنه فاز بفادي؛ وأنه قد ميَّزه في محبته له حتى أنه صار “الأول” مقارنة مع الآخرين؛ وكأنه اتخذه خليلا؛ دون أن يدرك أن آخرين سبقوه إليه بعشرات السنين؛ هذا الإنسان لديه سمت استثنائي أسرَ به أفئدة الجميع؛ ولذلك استحق رفع الذكر في حياته وبعد استشهاده”.

 

وبما أن ماليزيا تعد بيئة طلابية بامتياز فقد كان للشهيد دورًا بارزًا في دعمها؛ كما يقول صاحبه: “رغم انشغال فادي الشديد إلا أنه كان يتصل بأصدقائه باستمرار، ويطمئن على سير دراستهم؛ ويعرض عليهم المساعدة؛ ويحفِّزهم لأن يكونوا مميزين مثله؛ وفي المناسبات أجد الفرحة في عينيه تصحبها حرارة العناق حين يذهب لمباركة أحدهم؛ وكأنه فرح بأخيه؛ بل أنه يشعره وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة من سنين؛ يقول لهم بكل اللغات: أنتم في سويداء القلب”.

 

عبد الرحيم الذي نال درجة الدكتوراة في الهندسة المعمارية؛ اكتسب من العالِم الشاب العديد من المهارات بالرغم من تباعد مجالي اختصاصهما: “كنا نغبطه على قدرته على تنظيم الوقت بالرغم من أعبائه اللامحدودة؛ ناهيك عن أن لديه سندين في القرآن بعدة روايات وكان يستعد للسند الثالث على يد شيخ يمني”.

 

ثمة موقفٌ لا ينساه عبد الرحيم وجد فيه فادي خير سند في مَأْزِق لا يُحسد عليه؛ يقصه علينا: “عندما أنهيت رسالة الدكتوراه كان من المقرر أن أسلمها في اليوم التالي- الموعد النهائي للتسليم- ؛ إلا أن خللًا كبير مفاجئًا حدث في تنسيق الملف والفهرسة؛ وكان يتطلب جهدًا كبيرًا لا يقل عن أربعة أيام كي يعاد ترتيبه؛ ناهيك عن أن الجامعة التي أدرس فيها تقع في مدينة أخرى؛ حينها استنجدت بفادي وجاءني في الليلة نفسها بالرغم من برنامجه شديد الازدحام؛ مكث معي حتى الفجر، وأنهى كل شيء بمرحه المعتاد؛ بالرغم من نعاسه؛ وكأن الله منحه “بركة كبيرة” ليصلح كل شيء في وقت قياسي؛ بل إن البحث غدا أفضل من السابق؛ بعدها خرجت في الصباح الباكر وتمكنت من تسليمه في الدقائق الخمس الأخيرة من الموعد المحدد؛ ولو أنني لم أدركه لكنت دفعتُ مبلغًا كبيرًا لرسومٍ دراسية جديدة؛ هنا حقًا تظهر معادن الرجال؛ اسأل الله أن يجعل مقامه في الفردوس الأعلى”.

 

وفي مسألة البحث العلمي؛ يشير شهاب الذي يعمل في مؤسسة تعليمية بماليزيا إلى أن فادي لطالما أبدى حرصًا على إرشاد رفاقه لا سيما من طلبة الدكتوراه إلى الطريقة المثلى للوصول إلى المجلات العلمية العالمية المعترف بها لدى الهيئات العلمية المختصة؛ فيما يتعلق بنشر الأبحاث والدراسات التطبيقية؛ فيحثهم على انتقائها بعناية؛ لأن بعضها ليست مُصنفة من الدرجة الأولى؛ هو الذي لطالما نشر في مجلات علمية عالمية متقدمة؛ مشجعًا الجميع على إنتاج علمي أكثر غزارة وتركيزًا.

 

ويضيف: “كان يوصي رفاقه الطلبة باستثمار تواجدهم في ماليزيا لكونها معروفه بالتقدم في حقل التعليم؛ إذ لديها جامعات مصنفة من أفضل الجامعات العالمية؛ لا سيما أن الجامعة التي درس فيها فادي تحتل الترتيب الأول على مستوى ماليزيا؛ لذا كثيرا ما شجع الطلاب على الدراسة فيها”.

 

صاحب المبادرات طلابه بكوه

كان لفادى نظرة خاصة نحو التعليم؛ فهو يراه من أفضل الوسائل لتحرير الأوطان؛ والنهوض بالمجتمعات؛ مسخرًا في ذلك علمه وتجربته وعلاقاته وكل ما يملك كي يُوصل طالب العلم إلى مبتغاه؛ ويرتقي بمسيرة العلماء.

 

ولم يتوقف عند هذا الحد؛ بل إنه قبل استشهاده بفترة بسيطة؛ بادر باقتراح فكرة مهمة؛ يوضحها عبد الرحيم:

“تدور الفكرة حول استقدام طلاب من غزة والضفة الغربية لدراسة الدكتوراه؛ مؤكدًا كامل استعداده للإشراف على خمسة طلاب بدون مقابل؛ فالطالب حين يدرس الدكتوراه يذهب جزء من قيمة الرسوم المدفوعة للمشرف؛ وفي هذه الحالة سيوفر فادي عليه مبلغًا لا بأس به؛ وكانت إدارة جامعته قد وافقت مبدئيا على طرحه بما في ذلك تخصيص منح دراسية؛ بحيث تكون هناك جهة وسيطة لترشيح الطلبة؛ وبعد أن دعاني للنقاش حول هذه المسألة اتفقنا على آلية محددة سواء في تخصصه أو غير تخصصه؛ كل ذلك يدل على مدى حرصه على أبناء وطنه؛ وأنا واثق أن هذه البصمات ستؤتي ثمارها يومًا ما”.

 

ويقول: “حتى مؤسسة خزانة التي ظفر فادي بمنحتها؛ فقد مدني بوسيلة للتواصل مع مديرتها كي أدعوها إلى أنشطة المؤسسة التي أعمل بها؛ من أجل فتح قناة معها من أجل دعم الطلبة”.

 

ولا يفارق عبد الرحيم مشهد مائتي طالب ماليزي جاؤوا ليُلْقُوا على أستاذهم نظرة الوداع وهو في “ثلاجة الموتى”؛ كانت الدموع تنهمر من عيونهم؛ ولم يجدوا كلمة تعبر عن فَدْحَ خسارتهم؛ وفقًا لوصفه؛ يضعنا في أجواء المشهد: “يحاضر فادي في جامعة “يوني كي أل” منذ عامين فقط ومع ذلك نال جائزة أفضل محاضر مع أن بعض الأكاديميين سبقوه في المدة؛ لقد دُهشت بعدد دروع التكريم التي جمعتُها من مكتبه الجامعي؛ جميع العاملين أخذوا يُكفكفوا الدمع”.

 

ومما يذهل أن رسائل عدة وصلت من ماليزيين بعد انتهاء مراسم الوفاة؛ لعبد الرحيم؛ وكان من الواضح إجماعهم أن فادي هو فرد من العائلة الماليزية؛ ومن بينها رسالة المرأة الماليزية التي ذَكرنا فحواها في مقدمة النص؛ ما يؤكد أثر هذا الشهيد في الناس.

 

ويروي الصديق موقفًا آخر: “في اليوم الثالث من استشهاده فوجئتُ برجل أعمال ماليزي مسلم جاء بسيارته الفارهة من ولايةٍ أخرى؛ كان قد سمع عن السيرة الطيبة لفادي وجاء تقديرًا له؛ وطلب زيارة زوجته؛ وقدم التعازي”.

 

كما تلقى رسالة مؤثرة من د.موسى نور الدين؛ وهو رئيس مؤسسة ماليزية كبرى؛ يتحدث عنها: “د.موسى هو صديق لعائلة فادي؛ واعتاد منذ سبع سنوات على أن يدعو في أول أسبوع من رمضان إلى مائدة الإفطار؛ أصدقاءه وعائلاتهم وجميعهم الأطباء والأكاديميين والمهندسين؛ كان فادي دائمًا يؤمهم في الصلاة؛ وتعلقوا بصوته الندي؛ يقول د.موسى في الرسالة: “فادي ابني؛ ويا لأسفي أني لن أسمع صوته؛ كان عبقريًّا ومتألقًا؛ هو خسارة للأمة الإسلامية بأسرها وليس فلسطين فقط”.

 

ووجه في نهاية حديثه رسالة للشباب: “كلما فترت الهمة فقط تذكروا فادي؛ ففي عمر لم يتعدَّ الـ 35 تعددت إنجازاته العلمية مقارنة بعلماء جاوزت سني عمرهم الـ 70 ؛ لقد كان الأول في كل شيء زوجًا وأبًا وصديقًا وطالبًا وحافظًا ومحاضرًا حتى كاد يبلغ مرحلة الكمال؛ ثم اصطفاه الله شهيدًا.. وهل من مرتبة أسمى وأعلى؟!”.

 

إنجازاته

وفي مقابلة سابقة أجراها المركز الفلسطيني للإعلام مع د. فادي البطش؛ فقد عددَّ الإنجازات التي حققها خلال تواجده في ماليزيا؛ نورد أبرزها على لسانه على النحو الآتي:

 

إنجازات أكاديمية

– الحصول على منحة خزانة الحكومية؛ وهي الأولى في ماليزيا، والأصعب والأفضل؛ وتمنح بشكل سنوي؛ حيث تقوم إدارة منحة خزانة الحكومية؛ بعد تخرج الطالب بتقييم أدائه في جميع المجالات بما فيها غير الأكاديمية، ومن ثم اختيار أفضل طالب.

 

– نشر 30 بحثًا محكمًا في مجلات عالمية ومؤتمرات دولية؛ شاركت في مؤتمر دولي في اليابان، وشاركت بأبحاث علمية محكمة في مؤتمرات دولية عقدت في بريطانيا، وفنلندا، وإسبانيا، والسعودية. علاوة على المشاركة في العديد من المؤتمرات في ماليزيا، وكنتُ في أكثر من مؤتمر رئيس جلسة لإحدى جلساته.

 

– حصلتُ على جائزة أفضل بحث في 3 مؤتمرات في عام 2014، 2016، 2017

 

– اختُرْتُ محكِّمًا في 10 مجلات عالمية مميزة، وكذلك العديد من المؤتمرات الدولية.

 

– بلغ عدد من قرأ أبحاثي من كل دول العالم حوالي 10,000 بالإضافة إلى أكثر من 90 اقتباسًا.

 

– حصلتُ على المركز الأول في مسابقة تقوم فكرتها على تلخيص بحث الدكتوراه لغير المختصين في صفحة عرض واحدة فقط، وتكون ثابتة وغير متحركة.

 

– دُعِيتُ لإلقاء محاضرة عبر الإنترنت لطلاب الدراسات العليا في قسم الهندسة الكهربائية في جامعة بالهند.

 

– دُعِيتُ لإلقاء محاضرة لطلاب الدراسات العليا في جامعة مالايا؛ وهي الجامعة الأولى في ماليزيا.

 

– دَربتُ العديد من المهندسين والفنيين في مجال الطاقة الكهربائية.

 

– حضرتُ ما يزيد عن 20 دورة في مجال الهندسة الكهربائية، والتنمية البشرية ومهارات القيادة والإدارة.

 

إنجازات غير أكاديمية

– شاركت في ماليزيا في المسابقة القرآنية الدولية السادسة لطلبة الدراسات العليا، وحصلتُ على المركز الأول ولله الحمد.

 

– حصلتُ على السند المتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم بروايتي شعبة وحفص عن عاصم من مؤسسة إتقان لتعليم القرآن الكريم في ماليزيا.

 

– ألقَيْتُ العديد من المحاضرات التوعوية عن القضية الفلسطينية في أماكن مختلفة مثل: المساجد، والمدارس، وبعض الجامعات.

 

– عضو في لجنة تحكيم المسابقة القرآنية السنوية التي تنظمها مؤسسة إتقان لتعليم القرآن الكريم.

 

– شاركت في تدريب الأئمة والمؤذنين الماليزيين في مؤسسة الأوقاف الماليزية (جاوي) على أساسيات أحكام التجويد والمخارج.

 

– حصلت على تولية من مفتي كوالالمبور (التولية تعني رخصة تسمح لحاملها بتدريس القرآن الكريم والإمامة في مساجد كوالالمبور).

 

– أطمح أن أحصل على درجة بروفسور في تخصص الهندسة الكهربائية بإذن الله؛ ولتحقيق ذلك، أطمح بأن أستمر في كتابة الأبحاث العلمية المحكمة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

اثيرةثائر عبدالحفيظ منذ 5 شهور

فعلا الدكتور فادي كان شخصيةفعاله له قيمتة وتأثيره على المجتمع بعلمه أخلاقه وعمله وطيبة قلبه وتشجيعه لزوجته الاخت الغالية ايناس في مواصلة مسيرة العلم وحبه لها ولاولاده وكذالك تعاون الشهيد فادي مع الناس وحب الناس له من جميع الجنسيات وهذا مارأيناه

أضف تعليقك