“إليك والدي (2): سهى القيشاوي من غزة إلى ناسا”

12 ديسمبر , 2016

14344242_1781285315446684_796280951035526534_n

والدي العزيز ..

“حروفي هذه أرسلها إليك وقد بدأت رحلتي في البحث عن عمل، عمل أسعى بكل جهدي أن أحصل عليه وأنا التي لم أمتلك يومًا شهادة غير شهادة ميلادي، أخبرتني يومًا  أنك تريدني نسخة أخرى من أمك وجدتك، أخفتني مما قد يحدثه تعليمي في عقلي من تغيرات، عن التفسخ الذي سيعكسه محتوى تلك الكتب على حياتي وشكلي، ولكنك لم تخبرني يومًا أنك سترحل باكرًا عن هذه الحياة تاركًا وراءك بطونًا جائعة تطالب الأخت الكبرى بالبحث عما يسد جوعها، بعد أن فشلت الأم في فعل ذلك وحدها… إليك والدي قصة فتاة كان بإمكاني أن أكون مكانها. غير أنك قررت ألا أكون! آسفة إن أزعجتك مقدمتي هذه، ولكنني سأكررها بعدد الانكسارات بروحي . وبعدد حروفي المتكسرة وأنا أجيب في كل مرة:“آسفة، لا أملك أي مقومات فأنا لا أستطيع القراءة!”.

“امتلكي دومًا حُلمًا كبيرًا، واعملي بشكلٍ قاسٍ من أجل أن تجعلي من حلمك حقيقة، حلمي أصبح كذلك”

سهى القشاوي

هل تدرك يا والدي العزيز حجم الألم الذي يتملكني وأنا أسمع هذه الحروف، وأسمع قصة صاحبتها، أن أسمعها تتحدث عن الأحلام والطموح وأقصى طموح لي قد كان أن يرأف أحدهم لحالي ويأتي ليتزوجني وينتشلني من السجن الذي كنت فيه أنت سجاني! جعلت من حياتي أسطورة أخرى من أساطير “ديزني” أميرة جميلة تهتم بجمالها، وتنتظر بشغف ذلك اليوم الذي يأتي فيه الفارس على حصانه الأبيض، أو فقيرة معدمة ساحرة الجمال تنتظر أميرًا يسحره جمالها ويأتي بدوره على حصان أبيض، ولكن لا بياض زار بيتنا غير بياض كفنك. رحلت دون أن تحقق الأسطورة وأستيقظ من كل حكايات واهية ملأت بها رأسي. فإليك والدي قصة فتاة لم تكن أبدًا كأميرات ديزني. فتاة عانقت النجوم حقًا لا خيالًا. إليك والدي قصة سهى القشاوي:

تعرفت عليها من خلال حديث جانبي سمعته. كانوا يتحدثون عن فتاة من غزة نشرت وكالة ” ناسا” الفضائية عنها مقالًا على صفحة الفيس بوك مفاده أن سهى تعتبر واحدة من كبار مهندسي البرمجيات التي تعمل على مشروع أوريون في ناسا، مسؤولة عن البرمجيات / أجهزة التكامل/ الاختبار: للتأكد من أن جميع أوامر الكمبيوتر المتعلقة بالمركبة الفضائية – في مشروع أوريون في ناسا – يتم تنفيذها كما هو مطلوب.
تصف عملها بالكلمات التالية:
“العمل على البرمجيات كل يوم هو أمر مثير للضجر. أقوم بمحاكاة مستجدات بعثة أوريون كل يوم تقريبًا، تمامًا كما لو أننا نحلق في الفضاء. من خلال الرحلة والعودة إلى الأرض. أقوم بتسجيل ملاحظات يومية حول العقبات التي تعترضنا، وكيفية الاستفادة منها لضمان رحلة سلسة وآمنة للطواقم في المستقبل.

ككل فتيات غزة الصغار كنت أراقب على التلفاز إقلاع مكّوكات الفضاء أثناء رحلة العودة إلى الأرض باندهاش. هذا ما أوحى لي بحلم حياتي في أن أكون جزءًا من برنامج الفضاء يومًا ما. جئت إلى هيوستن لمتابعة دراستي في الهندسة في جامعة المدينة. بعد فترة وجيزة من التخرج، بدأت العمل على برنامج مكوك الفضاء. بعد ذلك رأيت في مشروع أوريون التابع لناسا، إشراقة جديدة لبرامج رحلات الفضاء البشرية المقبلة، فأردت أن أكون جزءًا منه.

نصيحتي للفتيات في جميع أنحاء العالم: لكل واحدة منكن حلم بالتأكيد، حلم كبير، وحده العمل بجد يجعل الأحلام حقيقة، أنا شخصيًا حققت حلمي، المستقبل الآن لكم والمسؤولية عليكم.

أتدري يا والدي ما معنى أن تتمكن من العمل كمهندسًا في ناسا، يعني أنك تتحلى بعزيمة قوية وبمجموعة من المهارات اللازمة. فبعد أن غاصت في عالم الرياضيات العالية المستوى وتابعت صفوفًا فيها منذ سنوات الدراسة الثانوية، تركت سهى غزّة سنة 1997 لمتابعة دراستها في مجال هندسة أنظمة الكمبيوتر في جامعة هيوستن الأميركية University of Houston. وأثناء سنوات الدراسة الجامعية، صارت الهندسة شغفها فغاصت عميقًا في مجال برمجة الأجهزة الإكترونية أو الهاردوير. وفي سنة 2006، تخرجت سهى من الجامعة متصدّرةً دفعتها، ولم يكن لديها أي شك في العمل التي تريد ممارسته ومن جهتها لم تتردد الناسا في توظيفها.

لتنضم بعهدًا  إلى مركز جونسون الفضائي Johnson Space Center في وكالة الفضاء الأميركية في هيوستن، وشاركت في المرحلة الأولى من برنامج المركبة الفضائية Space Shuttle program، التي امتدت من سنة 1981 إلى سنة 2011. ويعمل المهندسون في هذا المركز في أقسام مختلفة من العملية كتدريب الأفراد على السفر في الفضاء والبحوث ومراقبة الرحلات والتحكم بها. وقد عملت القيشاوي مع زملائها على اختبار مهمات المركبات الفضائية من خلال عمليات محاكاة شاملة. وفي هذا الصدد تقول

“في الحقيقة، العمل مع الفريق واختبار المهمات، كان في الماضي حلمي وقد تحقق الآن”

يذكر أنّ القيشاوي عملت أيضًا كمهندسة لأنظمة معالجة البيانات على المركبة ومن بعدها كمهندسة لأنظمة الاتصالات والتعقّب حتى نهاية برنامج المركبات الفضائية سنة 2011.

دون أن أنسى أن أخبرك أنها متزوجة وأم لثلاثة أولاد، تمامًا كما أردتني أن أكون!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك