اختراعات غيرت مجرى التاريخ: آلة كشف الكذب هل تظهر الحقيقة حقًا؟!

22 أبريل , 2018

في كل عام، يتعرض مئات الآلاف من المواطنين الأمركيين لاختبار بآلة كشف الكذب، إما في إطار التحقيق في جريمة ما، أو بهدف إماطة اللثام عن الجواسيس، أو كجزء من التحريات الداخلية التي تجريها المؤسسات الصناعية الكبرى على مستخدميها. وعلى الرغم من رسوخ قدم آلة كشف الكذب في المجتمع الأمريكي بعد أكثر من نصف قرن من الاستعمال، فما تزال هذه الآلة مثار جدل ونزاع كبيرين في الأوساط القانونية والقضائية – وحتى الطبية!

 

من اخترع هذه الآلة العجيبة؟! وكيف تعمل؟!  وهل حقًا تكشف الآلة عن الكذب؟  ثم لماذا الجدل حولها بعد سنوات الاستعمال الطويلة؟

 

في عام 1895م، لاحظ الطبيب الإيطالي “سيزار لومبروزو Cesare Lombroso” أن نبض الانسان يسرع عندما يكذب!

 

[“النبض Pulse” – تعبير يطلق على توسُّع الشرايين المنتظم نتيجة تدفق الدم فيها إثر كل ضربة قلب. ويمكن الإحساس بالنبض (وهو ما يسمى “جَسّ النبض”) بتحسُّس أي شريان قريب من سطح الجسم – أي واقع تحت الجلد. ويتراوح معدل النبض الطبيعي عند الإنسان البالغ في وضع الراحة (أي أثناء الجلوس أو الاستلقاء) بين ستين إلى تسعين (60 – 90) نبضة في الدقيقة الواحدة].

وفي عام 1914م، لاحظ ريفي إيطالي يدعى “فيتوريو بينوسي Vittorio Benussi”، أن معدل تنفس الإنسان يزداد عندما يكذب! [معدل التنفس هو عدد مرات التنفس في الدقيقة الواحدة، ويتراوح بين ست عشرة إلى أربع وعشرين (16- 24) مرة عند الإنسان البالغ في وضع الراحة].

وعندما اندلعت نار الحرب العالمية الأولى، كان الكشف عن الجواسيس يعتمد على قياس ضغط الدم أثناء استجواب المشتبه فيهم. إذْ يرتفع ضغط الدم كذلك عندما يكذب الإنسان.

 

على أن فكرة الكشف عـن صدق إنسان أو كذبه بقياس نبضه ومعـدل تنفسه وضغط دمه، لم تدخل إلى حقل التطبيق العملى إلا في عام 1923م على يد المحامي والباحث النفسي (الأمريكي)  “ويليام مارستون William Marston”، الذي ترافع عن شخص متهم بالقتل في قضية شـهيرة تعرف باسم “قضية فراي” (The Fry Case) فذكر في مرافعته أنـه قـاس ضغط دم المتهم أثناء جلسات التحقيق، واستخلص من ذلك أن المتهم صادق في أقـواله، صادق في إنكار التهمة! إلا أن هيئة المحلفين رفضت الأخذ بدفاع المحامي. ونتيجة لذلك حكم على المتهم بالسجن مدى الحياة! وبعد ثلاث سنوات من صدور الحكم، ظهرت أدلة جديـدة في “قضية مقتل فراي” وتمكنت الشرطة من القبض على المتهم الحقيقي، فبُرِّئت ساحة السجين المظلوم!

 

 

لم يكن صدور حكم جديد ببراءة المتهم المظلوم انتصارًا للعدالة فحسب، ولكنه كان كذلك انتصارًا لطريقة فريدة في المرافعة:  قياس ضغط دم المتهم أثناء استجوابه! لهذا السبب، يعتقد كثير من الأمركيين أن “قضية مقتل فراي” كانت المدخل الحقيقي لآلة كشف الكذب إلى المجتمع الأمريكي.

 

اختراع الآلة:

 

“جون لارسون John Larson” ضابط شرطة أمريكي من ولاية “كاليفورنيا” يفكر في الاستفادة من تغير الظواهر الفسيولوجية عند الإنسان نتيجة الكذب، أثناء التحقيق مع المتهمين وعند استجواب المشتبه فيهم، فيبتكر آلة طريفة تقوم بتسجيل ضغط الدم ومعدل النبض طوال وقت الاستجواب، وتترجم الآلة ذلك إلى رسـوم على الورق، بنفس الكيفية التي تترجم بها آلة رسـم القلب النشاط الكهربائي للقلب إلى رسومات على الورق! هذه الآلة هي آلة كشف الكذب (أو ” مِكْشاف الكذب ” كما يسميها مجمع اللغة العربية في القاهرة) “lie detector”.

 

وكان “جون لارسون”، مبتكر آلة الكشف عن الكذب، هو أول من استخدمها في تحقيقات رسمية في دوائر الشرطة الأميركية. إذْ كان يُوَصِّل أسلاك الآلة إلى جسم المتهم أو المشتبه فيه أثناء استجوابه، لتقوم الآلة بتسجيل مستمر لمعدل النبض، وعدد مرات التنفس، وضغط الدم، طوال فترة الاستجواب. وعندما يجيب الشخص كاذبًا على الأسئلة الموجهة إليه، تسجل الآلة الزيادة في السمات الثلاث المذكورة. وكان يعمد “لارسون” إلى إطلاع الشخص المُسْتَجْوَب عـلى مواطن الكذب، مستعينًا برسومات الآلـة، مما كان يـدفع المستجوب إلى الاعتراف بالحقيقة!

 

وقد احتضن آلة كشف الكذب من بعد “لارسون” مساعده “ليونارد كيلر Leonarde Keeler” الذي أضاف إليها خاصية جديدة لقياس أو تعيين مقدار العرق  الذي يفرز أثناء الاستجواب، وجعل الآلة كلها صغيرة الحجم سهلة الحمل.

 

وسرعان ما تبنت شركات تجارية “الاختراع الفَـذّ”، فحصلت على ترخيص صنعه، وغمرت به أسواق الولايات المتحدة، خصوصا وأن دوائر الشرطة أقبلت على استخدام الآلة بوصفها وسيلة منقطعة النظير في التحقيقات الجنائية. ثم أقبل المحامون كذلك على اقتنائها. ثم تبعتهم مؤسسات خاصة وحكومية، بحيث انتشرت آلة كشف الكذب على نطاق واسع في غضون سنوات قليلة!

 

الآلة التي صنعها ” ليونارد كيلر” لكشف الكذب تسمى “المِرْسامة المتعددة polygraph” (لأنها ترسم تسجيلا لأربعة عوامل فسيوليوجية في وقت واحد). وقد جرى تطوير آلة ” كيلـر” على مر السنوات، بحيث صارت النماذج الحديثة منها بالغة الدقة. لكن لم تحدث أي إضافة جديدة للآلة، ولا أي حذف منها.

 

كيف تعمل الآلة؟

في جسم الإنسان جهاز عصبي يسمى “الجهاز العصبي التلقائي (أو الأوتوماتيكي) autonomic  nervous system”. هذا الجهاز يعمل بمعزل عن الإرادة، ومن هنا جاءت التسمية “التلقائي”. أما وظيفته فهي الهيمنة على والتحكم في أجهزة الجسم اللاإرادية!  إذْ يتحكم الجهاز العصبي التلقائي في عمل القلب، وبالتالي في معدل النبض وفي ضغط الدم.  كما يتحكم في الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي،  وإلى حد ما  جهاز الإفراز وغدد العرق.

 

ينقسم الجهاز العصبي التلقائي إلى شقين:

شق يحث (أو ينشّط أو يثير) وظائف الأجهزة المذكورة، ويسمى “الجهاز العصبي التعاطفي sympathetic nervous  system”.  أما الشق الثاني فهو كابح (أو مثبط) لنشاط الأجهزة نفسها، ويسمّى “الجهاز العصبي جار التعاطفي parasympathetic  nervous  system”. ويعمل الجهازان جنبًا إلى جنب في تناسق بديع، دون أن تتضارب أنشطتهما!

 

في أحوال الانفعال والتحفز، مثل الخوف والغضب والمواجهة، وغيـر ذلك مـن الانفعالات العاطفية المماثلة،  ينشط الجهاز العصبي التعاطفي للعمل، فيحث (أو ينبه أو يزيد نشاط) القلب والجهاز التنفسي وغدد العرق. فيترتب على ذلك سرعة النبض وارتفاع ضغط الدم وإسراع التنفس وزيادة إفراز العرق.

 

وفكرة آلة كشف الكذب تقوم على أساس أن خوف الشخص الكاذب من ظهور الحقيقة، أو خوفه من النتائج المترتبة على ظهور الحقيقة، يحفز جهازه العصبي التعاطفي للعمل. وهذا الجهاز يحفز بدوره الأنشطة المذكورة عاليه، فيؤدي إلى بروز العوامل الفسيولوجية الدالة على الانفعال الداخلي، وعلى نشاط الجهاز العصبي التعاطفي (وهي إسراع النبض والتنفس وارتفاع ضغط الدم وزيادة إفراز العرق).

 

وكل ما تقوم به الآلة هو تسجيل تلك العوامل الفسيوليوجية والتغيرات الحادثة فيها أثناء الاستجواب. ويتم ذلك بتوصيل الجزء من الآلة الخاص بتسجيل عامل معين بالموضع المخصص له على الجسم. فمثلًا الجزء الخاص بتسجيل ضغط الدم يوصل بالعضد أو يلف حوله، تمامًا مثلما يُلف كُمْ جهاز قياس ضغط الدم حول العَضُد. [العضد (بفتح العين وضم الضاد) “brachium” هو الجزء من الذراع الواقع بين مَفْصل الكتف ومَفْصل الكوع]. بينما يلف الجزء من الآلة الخاص بتسجيل معدل التنفس حول الصدر، وهكذا. وتسجل الآلـة تلك العوامل على هيئة رسومات على ورق خاص، في عملية شبيهة تمامًا بتسجيل النشاط الكهربي للمخ أو للقلب (وهو ما يسمى رسم أو تخطيط المخ أو القلب).

 

 

محاكمة الآلة:

عندما سُئل الرئيس الأمريكي الأسبق “ريتشارد نيكسون” عن آلة كشف الكذب، قال: “لا أعرف كيف تعمل هذه الآلة ولا أعرف مدى دقتها. كل ما أعرفه أنها تثير فزع أكثر الناس”!

 

لماذا تثير آلة كشف الكذب فزع أكثر الناس؟! الجواب على ذلك ينبع من أن الآلة تسجل أنشطة لا إرادية في الجسم. وقـد يفلح بعض الناس في إخفاء انفعالاتهم، بَيْدَ أن ذلك لا ينطلي على آلة تسجل أدنى التغيرات! وعلى ذلك، فإن الكاذب عندما يتقدم للاختبار بالآلة، يكون شعوره مثل شعور فأر توشك أبواب المصيدة أن تغلق عليه!  وهذا شعور كفيل بإثارة فزع أشد الناس رباطة جأش!

 

إذا كان لآلة كشف الكذب هذه الفائدة العظيمة في كشف قناع الزيف عن الكاذبين، فلماذا يثور الجدل حولها؟!  ولماذا ترفض كثير من المحاكم الأمريكية إدخال الآلة إلى قاعة المحكمة أثناء استجواب المتهمين؟! بل تذهب بعض المحاكم الأمريكية إلى أبعد من ذلك، فترفض قبول نتائج اختبار الآلة كدليل ضد إنسان أو لصالحه! ما هو السبب؟! ولماذا لم تتجاوز آلة كشف الكذب حدود الولايات المتحدة إلى أوروبا – مثلًا؟!

 

سبب الاعتراض على الآلة وجيه حقًا. فالآلة تسجّل متغيرات فسيوليوجية معينة. وهذه المتغيرات (أو العوامل) تعكس مباشرة الانفعالات العاطفية عند الإنسان، دون تمييز من أي درجة لنوع الانفعال! فقد يرتفع ضغط دم الإنسان، ويسرع نبضه وتنفسه، ويزداد إفراز عرقه، عند شعوره بالغضب أو الإحراج من سؤال يوجه إليه أثناء الاستجواب. وقد تؤدي هيبة إنسان لموقف التحقيق والاستجواب ومواجهة بعض ذوي السلطة إلى حدوث نفس النتيجة السابقة. وفي هذه الأحوال كلها فإن الشخص موضع الاستجواب لا يكذب، وإنما ثارت انفعالاته لأسباب أخرى. ومع ذلك، فإن رسومات الآلة واحدة في النهاية – بغض النظر عن سبب الانفعال! ومعنى هذا أن آلة كشف الكذب لا تهتك ستر الكاذب فحسب، ولكنْ قد توقع بريئًا في التهمة، في نفس الوقت!

 

بسبب الاعتراض على استعمال آلة كشف الكذب، أنشأ المؤيدون لها اتحادًا أو نقابة، بغرض تدريب أشخاص على استعمال الآلة وعلى كيفية توجيه الأسئلة، وعلى تفسير النتائج. ويوجـد في الولايات المتحـدة الآن قـرابة ألف وخمسمائة (1500) شخص مدرب على استخدام الآلة. وتزعم تلك النقابة أنه في ضوء استعمال الآلة بمعرفة شخص مدرب، يمكن تأمين الأبرياء إلى حد بعيد.  إلا أن باحثًا في علم النفس (يدعى “مايكل داوسون Michael  Dawson” – وهو يتزعم المعارضة لاستخدام آلة كشف الكذب) أثبت بالتجربة المتكررة أن واحدًا من كل ثلاثة أشخاص يجرى عليهم اختبار بآلة كشف الكذب توجه إليه تهمة باطلة بالكذب!

 

الجدل ما يزال محتدمًا في الولايات المتحدة بين مؤيدي ومعارضي آلة كشف الكذب، على الرغم من مُضيّ أكثر من نصف قرن على استعمالها!

 

أما في أوروبا، فقد اعترض أنصار حقوق الإنسان والمدافعون عن الخصوصية، على استخدام آلة كشف الكذب على اعتبار أن نتائجها غير مأمونة، وأنه يمكن تفسير تلك النتائج تفسيرًا غير صحيح.

 

أيًّا ما كان الرأي في آلة كشف الكذب، فإنها صارت راسخة الأقدام في المجتمع الأمريكي.  ومن غير المنظور أن تتخلى الولايات المتحدة عن هذه الآلة لمجرد وجود بعض الآراء المعارضة لاستخدامها! فكل مواطن أمريكي سـمع عن آلـة كشف الكذب، وسمع أنها تهتـك الستر! وقـد يكون في هـذا من الردع ما لا يتحقق من غير هذا السبيل!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك