الأدب الإنجليزي والنظرة لتعليم المرأة: بين الماضي والحاضر

9 أبريل , 2018

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان تعليم المرأة في الغرب (وتحديدًا في الولايات المتحدة وبريطانيا) يعد واحدًا من الكماليَّات. حتى إن كثيرًا من العلوم والمجالات كانت حكرًا على الرجل، وكثير من روايات الأدب الإنجليزي التي كُتبت في ذاك العصر أو عنه تدلل على ذلك.

ثم نرى أن المرأة استطاعت على مر السنين وصولًا لزماننا الحالي، إثبات كفاءتها في تلك المجالات التي كانت محظورة عليها .

وإليكم بعض الأمثلة من الأدب الإنجليزي، الذي يعرض لما كان مطلوبًا ومتوقعًا من المرأة في ذاك الزمن البعيد، لنرى بعدها إذا ما كانت هذه الأمثلة قيد الماضي، أم أن بعضها لا يزال حاضرًا اليوم، وإن استمر بصور مختلفة.

 

رواية “الآنسة جرميسلي والدراسة في أكسفورد”(نموذجًا):

 

تناقش الرواية عدة أمور جوهرية فيما يتعلق بتعليم المرأة:

 

1- الخطوط الحمراء لتعليم المرأة!

تحكي رواية “الآنسة جرميسلي والدراسة في أكسفورد” Miss Grimsley’s Oxford  Career عن الفتاة الإنجليزية الشابة “إيلين جريمسلي”، التي رغبت بالدراسة في جامعة “أكسفورد” Oxford في ذلك الزمن البعيد، ولم يكن هذا متاحًا البتة للفتيات. فكان أقصى ما تسنح به الظروف هو أن تدرس الفتاة اللغة الفرنسية والحياكة. دراسة الأدب، و”شكسبير” على وجه التحديد كانت ممنوعة على النساء.

ومن المواقف الطريفة في الرواية، التي تدل على الرجعية وجمود الفكر، أن السيدة المسؤولة عن تعليم البنات، أصابها الهلع حين علمت بأن “إيلين” ترغب في قراءة رواية “الصاع بالصاع” لـ “ويليام شكسبير” Measure for Measure! ورغم أنها لم تقرأ الرواية إلا أنه مجرد سماعها أن الرواية “لا تصلح للنساء”، كان هذا سببًا كافيًا في ألا تقرأها، وأن تمنع جميع الفتيات من قراءتها. كما أنها لم تقتنع برغبة “إيلين” في دراسة الجغرافيا، وغيرها من العلوم، حيث إن النظام التعليمي كان يرى “عدم جدواها” للمرأة!

 

2- ماذا إذا تفوقت المرأة على الرجل؟!

إحدى أحداث الرواية الجوهرية، تحكي عن تفوق “إيلين” على أخيها “جوردن” الذي ذهب إلى “أكسفورد” مجبرًا لكونه الرجل، وأكبر إخوانه. وهكذا، لعدة أسباب وظروف، تجد “إيلين” نفسها تكتب مقالات أدبية ونقدية لمسرحيات “شكسبير” بدلًا عن أخيها، وتنال هذه المقالات إعجاب الأستاذ المحاضر وغيره من أساتذة الجامعة.

وعندما تشي بها أحد زميلاتها، وينكشف السر ويعرف الجميع أن كاتبة المقالات فتاة، تنفي “إيلين” عن نفسها هذه “التهمة”، فيصدقها عميد الجامعة، حيث رأى أنه لا يمكن لفتاة أن تكتب شيئًا بمثل هذه الروعة والإتقان!

 

3- الفتاة المتعلمة، إلى أين؟!

والسؤال الذي بات ملحًّا آنذاك وسأله “جوردن” لأخته، وهو: ما الهدف الذي ترجوه من وراء تعليمها، ورغبتها الجامحة بالالتحاق بأكسفورد؟! والعجيب أنها لم تحر جوابًا، لأن الفرص المتاحة للفتاة المتعلمة آنذاك انحصرت في كونها إما مربية لأطفال الأسر الغنية أو مدرسة. وربما قد يتاح لها الذهاب في مهمة تبشيرية إلى أفريقيا أو الهند لتعليم الفقراء ومساعدتهم ودعمهم. أما ما دون ذلك، فعلمها لا ينفعها في شيء. ورغم أن مهنة كالمربية كانت “مربحة” في كثير من الأحيان، مما يعطي استقلالية للمرأة، إلا أن تقدير أهمية استقلالية المرأة كان أمرًا غير معمول به في ذلك الوقت.

 

4- هدف المرأة المجتمعي آنذاك!

 

كذلك تشير الرواية باختصار، إلى أن المرأة مهما نجحت وتفوقت، فإن مآلها إلى الزواج! وفي رواية “كبرياء وتحامل” Pride and Prejudice الخيالية الشهيرة للكاتبة الإنجليزية “جين أوستن”،  Jane Austen، تعرض “جين” لقضية مهمة و”واقعية”، فرضتها ظروف المجتمع على المرأة في ذلك الحين، ألا وهي ضرورة زواج الفتاة التي لا تنحدر من أسرة غنية ، سواء كانت متعلمة أو لا. وذلك حتى تتمكن من تأمين مستقبلها، والعيش حياة كريمة بعد وفاة مُعيلها سواء كان والدها أو أخاها أو غيرهما! وهذا كان يؤدي بالكثير من الفتيات للزواج من أي من الرجال حتى وإن أبغضنهم ، فقط من أجل هذا الغرض، كما فعلت “تشارولت” صديقة البطلة “إليزابيث” في الرواية. فلم يكن يشفع للمرأة في ذاك الزمن البعيد، ذكاؤها أو تميزها ، وإنما حسبها ونسبها وثراؤها، أو ارتباطها ــ على أقل تقدير ــ بمن يملك هذه الحسنات الثلاث!

 

ما أشبه اليوم بالبارحة!

أما اليوم، فقد صرنا في زمن تفوقت فيه المرأة في العديد من المجالات، وظهر نجاحها وتألقها، ومع ذلك تظل نسبة مشاركتها في النواحي الطبية والعلمية ــ على وجه التحديد ــ  سواء من ناحية الدراسة أو الممارسة، ضعيفة وإن كانت في ازدياد مستمر. بيد أن نسبة التخصصات والمجالات التي تزيد فيها نسبة مشاركة المرأة عن 50% تظل محدودة!

وبالنسبة للناحية المجتمعية، فللأسف تظل العديد من المجتمعات، على مستوى العالم ، لا ترى التعليم أولوية للمرأة، ويُجبِر الكثير منها الفتيات على الزواج في سن غضَّة!

لذا، أستغرب أحيانًا ممن يفرحون بكون النساء قد تَخطيْن المرحلة، التي يكتبن فيها أسماءهن مستعارة عند نشر كتبهن، وإسهاماتهن الأدبية أو العلمية، كما فعلت بنت الشاطئ[1] لتتمكن من نشر كتبها، في حين أننا صرنا في عصر أصبحت النساء في أحيان كثيرة، تُآخذ على اهتمامها، وإنفاق وقتها في الدراسة أو الكتابة أو البحث بادئ ذي بدء!!


[1]  وهي الأستاذة عائشة محمد علي عبد الرحمن ، مفكرة وكاتبة مصرية ، وأستاذة جامعية وباحثة ، وهي أول امرأة تحاضر في الأزهر الشريف .



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك