الاتجاهـات النفسـية لتفسير ظاهرة العنف

16 نوفمبر , 2014

يحتل الثواب والعقاب موقعاً مهماً في مجال التعلم، والتعليم، وقيلت فيه الآراء الكثيرة. فالثواب هو كل ما يبعث في الفرد الشعور بالراحة والرضا أما العقاب هو كل ما يبعث في نفس المتعلم في الفرد الشعور بالألم وعدم الراحة. فالعقاب هو اسلوب يحرم على الفرد نشاطات تدخل في باب المحرمات كما أنه يساعد على بناء قيمه ومعاييره واتجاهاته وعاداته السلوكية. وإن العديد من الباحثين يؤكدون أن المكافأة في حد ذاتها أكثر فاعليه من العقاب فالمكافأة والعقاب تكون بناءً على النمط السلوكي الذي يسلكه الفرد والتصرفات والحركات التي يسير في ضوئها ونطاقها.
وفي هذا التقرير، نعرض أهم وأبرز الاتجاهات النفسية لتفسير ظاهرة العنف المدرسي، شبكة زدني، وفي إعدادها لهذا التقرير، اطلعت على دراسة ميدانية أجريت في مدينة بعقوبة، بمحافظة ديإلى، العراقية، وتقدمت بها الباحثة العراقية، “زينب عبد الله محمّد”، إلى جامعة بغداد، عام 2005م. تبحث الدراسة في دور البيئة المدرسية في سلوك “العنف”.
اتجاهات نفسية تقليدية 
اعتمدت المؤسسات التربوية في بداية نشوئها في معالجة ظاهرة العقاب المدرسي (العنف) على النظريات التقليدية لعلماء القانون كنظرية الانتقام وهي من أقدم النظريات التي عرفها الانسان وإن كثيراً من الدول النامية ولاسيما العربية مازالت تستخدم هذه النظرية في معالجة تلك الظاهرة وهذه النظرية ليست لديها قيمة اجتماعية، وكان عقاب الطالب بدافع الانتقام والنظام يقوم على القمع والتأديب. 
ثم ظهرت النظرية الوازعه (الرادعة) وهي أول نظرية تتخذ معنى اجتماعياً والعقاب وسيلة لمنع الاخرين وردعهم فالعقوبة وسيلة تحوَّل دون الخروج عن القاعدة والهدف من عقوبة الطفل لكيلا يعود إلى العمل السيء ويمتنع الاخرون عن تقليده فوظيفة العقاب هي وقائية صرفه
والنظرية التي لاقت قبولاً لدى علماء الاجتماع والمربين هي نظرية الوقاية أو الحماية وتمثل مذهب المحدثين من علماء التربية الذين ينادون بالحرية أمثال جون ديوي ومنتسوري فالطفل الذي يعبث بالنظام ويمنع افادة زملائه من الدرس يجب أن يوضع في معزل عنهم كي لا يستطيع مضايقتهم ومعاقبة الطالب بالعزل والخروج من الصف، أما نظرية الاصلاح فإنها من أكثر النظريات تقدماً واستنارةً ويصفها، بروبيكر، بأنها النظرية المربية وتؤكد ضرورة مراعاة الفروق الفردية بالتعامل مع الطلبة، ومن الخطأ أن يستمر المدرسون بمعاملة الطلبة معاملة واحدة في العقاب وإن الغرض من العقاب هو الاصلاح ولا بد من استعمال الحكمة فيه بوزن 
والنظرية الاخيرة هي نظرية الجزاء الطبيعي ومن أبرز روادها جان جاك روسو، فهي تعتمد على الثقة في عدالة الطبيعة، فهو إذ يقول لا يصح مطلقاً أن توقع العقوبة على أنها النتيجة الطبيعية لما اقترفه الاطفال من اعمال سيئة ومن المؤمنين بهذه النظرية هربرت سبنسر إذ يرى أن خير سنه تتبع في تأديب الطفل هو أن يكون جزاؤه من جنس عمله إما ضربه وتوبيخه فإن ضررها أكثر من نفعها. 
ومن خلال تتبعنا لقوانين التربية والتعليم نلحظ تأثرها بكثير من النظريات تارة تأثر سلبي وآخر ايجابي للحد من العنف الذي يستعمل مع الطلبة. وقد لاقت هذه النظريات انتقاداً شديداً ولاسيما بعد ظهور الحركات الانسانية في القرن الثامن عشر والتي تزعمها بيكاريا وجيرمي بنشام ثم ظهور الحركة الخيرية التي أكدت على كرامة الانسان وعقلانيته وحملت المجتمع جزءاً من المسؤولية عند اساءة الفرد، ثم ظهرت اتجاهات حديثة اتبعها علماء النفس والتربية والتي سوف نتناول بعضاً منها.
اتجاهات نفسية حديثة 
1) نظرية التحليل النفسي  
     ويطلق عليها نظرية العدوان الفطري ومن أبرز روادها، فرويد ومكدوكل، وكانت وجهة نظرها تنبثق من رؤيا مفادها أن الانسان كالحيوان تسيطر عليه بعض الغرائز الفطرية كغريزة العدوان ولكي يشبع هذه الغرائز فهو يسلك سلوكاً عدوانياً فهذه الغريزة هي التي تدفعه إلى العدوان والمقاتلة. ويشير فرويد إلى أن الغرائز البشرية تتألف من غرزتين هما غريزة الموت وغريزة الحياة اللتان تمدان الانسان بالطاقة الحيوية.
  فغريزة الحياة أو التي ندعوها، بالغريزة الجنسية، هي المسؤولة عن كل رباط إيجابي والتقارب والتوحيد لتكوين وحدات أكبر، أما غريزة الموت فأرجعها فرويد إلى الدوافع العدوانية التي تقوم على التدمير و التخريب والعدوان الموجه نحو الاخرين وتهدف إلى إعادة الفرد إلى حالة الجمود وانعدام الحياة، ورأى ايضاً أنه لابد من تصريف العدوان الكامن في الانسان بإيجاد مخرج له بطريقة مقبولة اجتماعياً وإلا سيكون مدمراً للذات وللآخرين أو يتجه إلى سلوك عنيف أو يؤدي إلى أمراض نفسية كالعصاب والقلق، إن الطاقة العدوانية تتولد لدى الانسان بصورة مستمرة وإن السلوك العدواني هدفه تصريف هذه الطاقة سواء ضد النفس او ضد الاخرين. والتعبير عن المشاعر العدوانية يمنع الميول العدوانية ويطلق عليه “بالتنفيـس” وهنا يلتقي مع، جورج سيمل، بخصوص ما طرحه عن “صمامات الأمان” التي تعمل على تخفيف أثر الصراعات وتحويلها إلى صراعات وظيفية.
أما، ميغارجي، فيرى أن غريزة العدوان تدل على أن العنف هو الشكل الطبيعي الذي يتخذه السلوك العدواني ما لم توقفه قوى كابحة وفي هذا الصدد يؤكد، فرويد، على ممارسات التنشئة الاجتماعية الهادفة إلى تعزيز الكوابح المضادة للعنف.
وهنا يأتي دور المدرسة كونها إحدى وسائل الضبط التي تمارس أساليب ووسائل إما للحد من سلوك العنف أو وسيلة تسهل وتغذي هذا النوع من السلوك، علماً أن البيئة المدرسية تظم مدرسين وطلبة من بيئات إجتماعية متباينة وهنا يبرز دور المدرس الذي يمتلك وعياً تربوياً في كيفية امتصاص سلوك العنف عند بعض الطلبة وبأية طريقة يتم التنفيس عن هذا السلوك.
2)  نظرية الاحباط – العدوان   
تعد هذه النظرية من النظريات النفسية الاولى في دراسة العدوان ومن أبرز علمائها، جون دولارد وميللر. ربطت هذه النظرية بين العدائية والاحباط معتبرة إياه نتيجة من نتائجه وان حدوث السلوك العدواني يستلزم وجود الاحباط الذي يقود إلى شكل من اشكال العدوان.
وقد رأى كل من، دولارد، وميلر، أن العدوان إنما يأتي كرد فعل للإحباط الذي يتعرض له الفرد من البيئة الخارجية التي يعيش فيها والاحباط انما هو إعاقة الفرد عن تحقيق أهدافه وإنجازها.
ويرى، دولارد، أن العدوان يحدث إذا كان الاحباط متعمداً وأنه يندر حدوثه في حالة كون الاحباط عفوياً كما إن ظهور العدوان يتوقف على استعداد الفرد للعدوان وإدراكه لموقف الإحباط وتفسيره له إذ أنه يعتدي في حالة إدراكه أن الإحباط متعمد ولا يعتدي إذا أدرك أن الإحباط غير متعمد. والعدوان يزداد كلما ازداد الاحباط وهنالك علاقة طردية بين درجة العدوان ونوعه وبين شدة العقاب المتوقع، وتعد هذه النظريات ان ازاحة العدوان وسيلة للتقليل من اثارة العنف فالتهجم من الشخص المحبط على مصدر الاحباط او على هدف بديل يعتبر بمثابة تنفيس عن العدوان.
اما ميلر، فكان يرى بأن الاحباط لا يؤدي إلى العدوان لأن الانسان يمكن أن يستجيب للإحباط باستجابات مختلفة وقد رفض مبدأ أن الاحباط يقود دائماً إلى العدوان لكنه أكد ان العدوان لا يحدث بدون وجود مواقف محبطة إلا أن الاحباط حالة ضرورية له.
وبناء على ما تم عرضه سلفاً فإنه من الصعوبة إن لم يكن من المستحيل أن تسـتبعد العدوان عن المسائل الاجتماعية والنفسية فالعلاقات الاجتماعية بما تتضمنه من تفاعل إيجابي أو سلبي تؤثر في كل ما يتعرض له الفرد. وإذا ما اردنا أن نطبق كل ما تقدم على الظاهرة العنف المدرسي، فإننا نجد أن هذه النظرية يمكن أن تفسر ولو جزئياً طبيعة العلاقة بين المدرس والطالب فمثلاً الاحباط الذي يتولد نتيجة للرسوب والمعاملة القاسية التي يتلقاها الطالب من المدرس كالرفض الاجتماعي وعبارات التهكم والاستهزاء فهذه العوامل من شأنها أن تشكل خطراً على شخصية الطالب وتخلق لديه نوعاً من الاحباط الحاضن لسلوك العنف وفي هذا المجال أشارت دراسة (Buss) أن العقوبة تسـتثير قدراً من العدائية وإن العدائية تتكون نتيجة للعقوبات الكثيرة التي يتعرض لها الفرد من المجتمع مما ينشأ كراهية معممة للبشرية وميل لإدراك الأذى والالم.
3) نظرية التعلم الاجتماعي (النمذجة)      
أبرز من يمثل هذه المدرسة: (البرت باندورا، وولترز، وايدموندز) وتسمى أيضاً التعلم بالملاحظة أو بالمحاكاة وقد رفض روادها النظرية الغريزية في تفسير العدوان وركزوا على أهمية التفاعل الاجتماعي والمعايير الاجتماعية والظروف الاجتماعية في حدوث عملية التعلم وأن التعلم يتم في المحيط الاجتماعي، وكما قال ارسطو بان التقليد قد يزرع في الانسان منذ الطفولة.
تتلخص نظرية باندورا على أن السلوك العدواني هو سلوك اجتماعي متعلم عن طريق النمذجة أو محاكاة القدوة، فالأطفال يتعلمون من المدرسين والابوين والاصدقاء ومن متابعة ما تقدمه وسائل الاعلام الأساليب والمعلومات التي تمكنهم من ممارسته وحين يحصل على تعزيز نتيجة قيامه بالعدوان فأن غيره يميل إلى تقليده في سلوكه مما يؤدي إلى تعميم ذلك السلوك على اشخاص آخرين.
وإن التعلم يتمحور في جانبين أساسيين هما المحاكاة والتقليد لنماذج اجتماعية معينة ومبادئ التعلم كالتعزيز والعقاب والاطفاء والتعميم. وإن اكتساب القيم يتم من خلال ملاحظة نماذج اجتماعية معينة.
واكد باندورا، على أن تعليم السلوك يتم عن طريق مراقبة سلوك الاخرين وملاحظة نتائج أعمالهم وليس التعلم يكون فقط لنماذج كلية للسلوك ولكن ايضاً القواعد التي هي أساس السلوك.  وإن مفهوم انموذج التعلم بالملاحظة يعتمد على فرضية أن الانسان كائن اجتماعي يتأثر بسلوك الاخرين وتصرفاتهم واتجاهاتهم على اعتبار أن التعلم عملية اجتماعية. 
ويتحدث أنصار هذه المدرسة في ضرورة وجود عدة مبادئ لكي تتم عملية التعلم ومنها:
1. الأنموذج وخصائصه (المدرس، الوالد، الصديق، ابطال الافلام).
2. القائم بالملاحظة (الطالب). 
3. السلوك وخصائصه (جديد، متكرر، جماعة يرغب فيها).
4. نتائج السلوك (الثواب والعقاب). 
ولم ينكر باندورا، دور الإحباط والمكافأة في سلوك العنف الا أنه قلل من أهميته كونه الاساس ولابد أن يرتبط بملاحظة نموذج عدواني لكي يظهر السلوك العنيف. وركز منظرو هذه النظرية على دور الظروف البيئية التي تقود الفرد إلى اكتساب الاستجابات العدوانية وبقائها. 
وإذا ما أردنا ان نطبق اراء هذه المدرسة على موضوع العنف المدرسي، وبما أن التعلم عمليه اجتماعية وأن الانسان يتأثر بسلوك وتصرفات واتجاهات الاخرين فعندما يشاهد الطالب سلوك النموذج (المدرس) يُعنف طالباً آخر سواء كان لفظياً أم بدنياً ولاسيما إذا كان هذا الاسلوب هو الطريقة المثلى للوصول إلى الهدف فيتم اكتساب هذه الاستجابات بصورة غير مقصودة فيتعلم الطالب من الأنموذج المخزون لديه (المدرس) فيقوم بالدور نفسه مسـتقبلاً.
باحث ومهتم بأمور التعليم
Teaching methods.jpeg.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك