الاسترخاء الذهني ودوره في الرفع من مردود المدرسين

26 مارس , 2017

لا يكاد يمضي يوم تقريبًا، دون أن يشتكي أو يتذمر أحد المدرسين من التوتر والقلق المصاحب لهذه المهنة، نتيجة للضغط اليومي الذي يواجهه، مما يولد شعورًا بالضيق و الملل و يقلل بشكل واضح من المردود البيداغوجي للمدرس، فالقلق الناتج عن الاحتكاك باليافعين يتطلب صبرًا و دراية بفن الاسترخاء، والمعلم الذي لا يمتلك هذه القدرة قد يحول حياته إلى حلقة مفرغة تقتصر على تقديم المحتوى التعليمي بطريقة جافة روتينية.

ماذا نقصد بالاسترخاء الذهني؟

يقصد بالاسترخاء الذهني، تدريب الذهن على التركيز على اللحظة الراهنة، وعلى التسليم بالأفكار والمشاعر، بدون الحكم عليها، وعادة ما يتم الربط بين هذه المهارة، وبين التدريب على اللياقة الذهنية.

وثمة وسائل لا تحصى لممارستها، فمثلًا هناك طريقة بسيطة تتمثل في تركيز الانتباه على عملية التنفس، وإبقاء العينين إما مفتوحتين، أو مغلقتين، إن الفكرة هنا تتمثل في تدريب الذهن على التركيز بشكل حصري على عملية التنفس، وإعادة التركيز إذا تشتت الذهن، وهناك أسلوب آخر.. يتلخص في أن يركّز المرء على المدركات الحسية، فعلى سبيل المثال عندما يغسل شخص ما يديه، فإنه يمكن أن يركز شعوره بملمس بشرته وهي مبتلة وزلقة، وكذلك على صوت الماء الجاري.

يتميز الاسترخاء الذهني بفائدته للمعلمين والباحثين والأطباء..الخ، لأنهم يستطيعون ممارسته عندما يشعرون بالضيق، أو الإرهاق، ولا يتطلب ذلك معدات أو ملابس خاصة، كما لا يتطلب مغادرة مكان العمل، مثلما يحدث إذا ذهب المرء لممارسة رياضة العدو أو خرج لتناول قهوة على سبيل المثال.

يوصي الخبراء في هذا المجال من أمثال “ديل كارنيجي” الخبير في التنمية الذاتية والدكتور “فرنسوا لوليش” الطبيب الفرنسي الشهير، على ضرورة ممارسة هذا الروتين الصباحي بصفة منتظمة.

أكد لي أحد الزملاء الذين تبادلت معه أطراف الحديث حول موضوع الاسترخاء الذهني، و هو مدير أبحاث ما بعد الدكتوراه في إحدى الجامعات المرموقة، أنه أصبح بإمكانه أن يفكر بوضوح أكثر، و شعر بتحسن كبير، فعلى سبيل المثال لم يعد كفّاه يتعرّقان وهو يستعد لتقديم درس ما أو محاضرة هامة في أحد المؤتمرات، وكذلك لم يعد يشعر بالقلق، أو يتخذ موقفًا دفاعيًا، إذا ما احتدم النقاش بينه وبين أحد طلابه أو زملائه، يقول: “ساعدتني تلك الممارسة على أن أعيد النظر في جميع الأمور بهدوء، وألا أتسرع في الاستجابة لمشاعري”، أما الأيام التي لا يمارس فيها الاسترخاء الذهني، فإنه يشعر فيها بفارق كبير، حيث ترتفع لديه معدلات القلق، و تقل قدرته على التركيز.

إن الاسترخاء الذهني يعد من المهارات بالغة الأهمية للمدرسين، لدرجة تخصيص العديد من المؤسسات التربوية في أستراليا عام 2002 مثل جامعة موناش في ملبورن لبرامج الاسترخاء الذهني لمدرسيها، كما دعت جامعة ايرلندا الوطنية بجالواى في أحد مؤتمراتها السيد “جيولونج ثوبتن” وهو راهب بوذي ينتمي إلى التبت لإدارة العديد من جلسات الاسترخاء الذهني أثناء المؤتمر، وهو يقول عن تلك الممارسة: “يتخوف بعض الأشخاص من الاسترخاء الذهني، لأنهم يعتقدون أن ممارسة الاسترخاء الذهني يمكن أن تمنع المرء من التفكير، ولكننا لا نحاول التخلص من الأفكار، وإنما ندرّب عقلك، فنحن نركّز أنظارنا على الحاوية، وليس على المحتوى”.

مع ذلك.. لا تزال هناك شكوك بشأن كفاءة مهارة الاسترخاء الذهني، وهي تعود بشكل أساسي إلى ندرة البيانات التجريبية، وفي هذا الصدد، تقول “يوتا توبياس”، وهي عالمة نفس اجتماعية في كلية الإدارة بجامعة كرانفيلد بالمملكة المتحدة: “الأدوات المستخدمة في قياس الاسترخاء الذهني مثيرة للجدل بشكل كبير”، ويرى بعض الباحثين أن القياسات التي تمت بشأن الفائدة المرجوة من الاسترخاء الذهني لا تزال حتى الآن غير فعالة، وذلك يعود بصفة جزئية إلى طبيعة تلك القياسات، واعتمادها على التقارير الذاتية، إضافة إلى أنها تقيس المهارة من خلال قياس مدى الانتباه الذي لا تجمعه صلة وثيقة بالممارسة نفسها، ولذا.. يقال إن تلك الطريقة ليست صالحة للقياس، وبدلًا من محاولة قياس الاستغراق الذهني نفسه، يدرس البحث الذي تجريه “توبياس” حاليًا نتائج التدريب على الفن ذاته.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك