التدبير المنزلي” علم الحياة المهمل!

24 سبتمبر , 2018

هل تتذكر أمهات اليوم حصة التدبير المنزلي التي مررنا عليها جميعًا، وكتاب التدبير المنزلي المبهج بما به من صور وأشغال يدوية ووصفات أغذية ومعلومات طبية واقتصادية أيضًا.

تلك المتعة عندما نذهب لشراء مريول المطبخ وأدوات الحياكة والتطريز لـحصة الاقتصاد المنزلي.

وذلك الفخر المبكر بأننا لم نعد أطفال بعد، بل أصبحنا شابات كبيرات نتعلم تدبير أمور منازلنا ومساعدة أمهاتنا ورعاية حوائجنا.

نصنع أول قالب حلوى في معمل التدبير المنزلي بالمدرسة، فتملؤنا السعادة.. تُزِينُه لنا المعلمة وتطلب من أكثر الفتيات أناقة بيننا أن تأخذه إلى مديرة المدرسة لتتذوق صنع أيدينا.

تلك الابتسامة التي نراها على وجه المديرة تشعرنا بالفخر؛ فلقد نجحنا اليوم ونحن سعداء حقًّا.

قد نغفل عن فضل تلك الأيام، ولكن عندما نحيك اليوم أغطية لفراش في منزلنا بعد أن أصبحنا أمهات ومسؤولات نتذكر أن تلك الوردة التي نحيكها قد تعلمناها في مدرستنا.

وتلك الطريقة لحفظ الخضراوات أطول وقت ممكن قد تعلمناها من معلمتنا في يوم دراسي صاخب، التي اجتهدت وهي تشرح لنا كيف نفرق بين الثمرة الناضجة والأخرى الفاسدة.

اليوم عندما نتحدث مع فتيات المرحلة التعليمية المتوسطة نجد أن حصة التدبير المنزلي لا تشكل لديهم أي شيء بالفعل.

وفي بعض المدارس قد تم إلغاؤها أو الاستبدال بها مناهج دراسية أخرى.

قد لا يكون للأمر أهمية عاجلة في مراحل عمرهم الصغيرة.

ولكن تعلم فن التدبير المنزلي وإدارة المنزل لا يقل أهمية عن أي علم آخر.

كان علم الأسرة والمستهلك معروفًا سابقًا في الولايات المتحدة باسم الاقتصاد المنزلي home economics”، وغالبًا ما تم اختصاره إلى “home ec” أو “HE”. في عام 1994، تبنت العديد من المنظمات، بما في ذلك الرابطة الأمريكية لعلوم العائلة والمستهلك American Association of Family and Consumer Sciences، المصطلح الجديد علوم العائلة والمستهلك لتعكس حقيقة أن المجال يغطي الاقتصادية والحياتية خارج الحياة المنزلية.

كاثرين بيتشر تعد من أوائل المعلمات التي حثت على ضرورة تعليم تدبير أمور المنزل مادةً دراسية.

بالإضافة لكونها واحدة من أوائل المناضلات لتعليم الفتيات من الأساس.

بدأت حركة الاقتصاد المنزلي مع إلين سوالو ريتشاردز Ellen Henrietta Swallow Richards، التي كانت أول امرأة تدرس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأصبحت فيما بعد أول أنثى تدرس من خلال أبحاث الكيمياء، ثم أصبحت خبيرة في جودة المياه، وبدأت فيما بعد في التركيز على تطبيق المبادئ العلمية على المواقف الحياتية اليومية، في معرض شيكاغو العالمي في عام 1893م، صممت مطبخًا Rumford، الذي كان مطبخًا صغيرًا يقدم وجبات مغذية لآلاف من رواد المعرض، إلى جانب جرعة بسيطة ميسرة من المعلومات الصحية والغذائية القيمة. وقالت إنها تتجاهل دعوة للمشاركة في مباني ونوادي النساء، حيث قالت إن أيًا من أبحاثها لم يكن خاصًّا بالمرأة وحدها، وإنما هو معلومات وعلم متاح للجميع.

برز الاقتصاد المنزلي حركةً لتدريب النساء على أن يكونوا مديري أسر أكثر كفاءة. في الوقت نفسه بدأت الأسر الأمريكية تستهلك الكثير من السلع والخدمات أكثر مما تنتج؛ لتوجيه النساء في هذا التحول، كان للاقتصاد المنزلي هدفان رئيسان:

– تعليم النساء تولي أدوارهن الجديدة بصفتهن مستهلكات بشكل جيد.

– وإيصال احتياجات ربات البيوت إلى المصانع وإعطاء الأمر أهميته من الناحية السياسية والاقتصادية.

تطور العلم بوصفه حركةً تعليمية ومصدرًا لخبرات المستهلكين، كان الهدف الإضافي هو ترشيد العمل المنزلي، استنادًا إلى نظرية مفادها أن الأعمال المنزلية يمكن، بل يجب أن تكون متقنة من الناحية الفكرية مع النساء المنخرطات فيها.

وهنا يتضح لنا أهمية التدبير المنزلى ليس فقط لأجل الأسرة الواحدة، بل لأجل اقتصاد المجتمع ككل.

في القرن التاسع عشر كان الهدف من دروس الاقتصاد المنزلي هو إعداد الشابات لواجباتهن في المنزل في البيئات الصحية. تم تقديم الدروس لأول مرة في الولايات المتحدة وكندا وألمانيا وبريطانيا العظمى، تليها أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. وقد شاركت منظمات دولية مثل تلك المرتبطة بالأمم المتحدة في بدء برامج الاقتصاد المنزلي في جميع أنحاء العالم.

خلال الأربعينيات من القرن العشرين، كانت كلية ولاية أيوا Iowa State College (الجامعة في وقت لاحق)، أول من يمنح درجة الماجستير في علوم المعدات المنزلية. ومع ذلك دار هذا البرنامج حول ما يجب أن تحصل عليه المرأة من المهارات العملية، ولكن أيضًا على فهم علمي لكيفية عمل التكنولوجيا في المنزل. على سبيل المثال طُلب من النساء تفكيك آلات المطبخ ثم إعادة تجميعها حتى يتمكنوا من فهم العمليات الأساسية وكذلك إصلاح المعدات. من خلال القيام بذلك، قامت ولاية آيوا بإنشاء أشكال من الفيزياء والهندسة مقبولة من الناحية الثقافية للنساء في عصر لم تكن هذه المهارات والخبرات متاحة له بشكل عام للنساء.

وفي عام 1959 في أونتاريوOttawa, Ontario” تم إنشاء أول فصل دراسي في الاقتصاد المنزلي لتعليم الطهي.

وَجد علمُ التدبير المنزلي وعلوم إدارة المنزل… جمهورًا متقبلًا بين العديد من عضواتها الشابات اللواتي وجهن اهتمامهن بالتعلم عن كيفية تحسين منازلهن، وقضاء وقت فراغهن، واتخاذ قرارات حول ما يجب شراؤه، وما يصنعونه في المنزل، حتى الكتب التي عليهن قراءتها. و على الرغم من تشجيع مشاركة الرجال في برامج الاقتصاد المنزلي، إلا أنه لم يتم توظيفهم بنشاط مناسب، وفي الدورات الدراسية المستقبلية في الجامعات مثل كورنيل Cornell”، أصبحت أدوار الرجال محددة في دورات مثل إدارة الفنادق في قطاع الضيافة.

في الوقت الحالي هناك أهمية لدراسة الأولاد اذكور الاقتصاد المنزلي؛ فإدارة المنزل لم تعد مقتصرة على الفتيات فقط، كما أن إدارة الموارد والمدخرات وأسس الشراء والبيع تهم الرجال كما تهم النساء أيضًا، وربما لا تقل أهمية تعليم الأولاد صناعة أطعمة صحية عن تعليمها للفتيات؛ فما العيب في أن نتعلم ما نأكل حتى نتدبر أمورنا بسهولة ويسر!

يقع الاقتصاد المنزلي في العلوم الإنسانية، وهو يعتمد على مجموعة من التخصصات لتحقيق حياة مثالية ومستدامة للأفراد والعائلات والمجتمعات. من الناحية التاريخية، كان الاقتصاد المنزلي في سياق المنزل والأسرة، ولكن هذا امتد في القرن الواحد والعشرين ليشمل البيئات المعيشية الأوسع نطاقًا حيث نفهم بشكل أفضل أن قدرات وخيارات وأولويات الأفراد والأسر تؤثر على جميع المستويات، تتراوح من الأسرة الواحدة إلى المجتمع المحلي والعالمي. يهتم الاقتصاديون المحليون بتعزيز وحماية الأفراد والأسر والمجتمعات؛ والمتخصصون في الاقتصاد المنزلي هم من المدافعين عن الأفراد والأسر والمجتمعات.

محتوى الاقتصاد المنزلي يأتي من توليف التخصصات المتعددة. هذه المعرفة متعددة التخصصات ضرورية؛ لأن ظواهر الحياة اليومية وتحدياتها ليست عادةً ذات بُعد واحد. قد يختلف محتوى دورات الاقتصاد المنزلي، ولكنه يشمل بالأساس:

– الغذاء والتغذية والصحة.

– التنظيف والأساسيات الصحية.

– إدارة الموارد الأسرية والتخطيط.

– المنسوجات والملابس.

– المأوى والسكن.

– النزعة الاستهلاكية وعلم المستهلك وإدارة الأسرة.

– التصميم والتكنولوجيا.

– الضيافة والتنمية البشرية والدراسات الأسرية.

– الاتصالات والإرشاد والتعليم والخدمات المجتمعية.

 

من بين أمور أخرى. القدرة على الاستفادة من المتاح والتطوير الذاتي حسب إمكانيات الفرد ودخله وتمويله.

ورغم إدراج حصص التدبير المنزلى ضمن جداول الدراسة في المدارس وما له من أهمية وتغطية لأمور حياتية كثيرة وهامة.

نجد أن إهماله أصبح سمة عامة في كافة المدارس كما نجد أن معامل التدبير المنزلي تنقصها الإمكانيات والتحديثات.

والغريب أن الفتيات أنفسهن أصبحن يرين أن تلك الحصص هي مضيعة للوقت وإرهاق لا طائل منه.. تلك النظرة المخيبة إلى حد ما؛ لما سيكنَّ عليه من أمهات وربات منازل في المستقبل.

في الواقع اللوم لا يقع عليهن وحدهن، ولكن هناك دورًا للمعلمات والمدرسة بإبراز أهمية هذا العلم والفن النافع الجيد.

في كتاب “نجمات وكواكب في سماء الاقتصاد المنزلي، يطرح المؤلفان د.علي راشد عبد المؤمن ود.منال كمال هذا السؤال:

لماذا لا ندعم الاقتصاد المنزلي في مدارسنا؟

ويسترسلان: في فنلندا مادة الاقتصاد المنزلي هي مادة أساسية في مراحل التعليم الأساسي، وهناك من يربط بين تحسن الصحة والعلاقات الاجتماعية في فنلندا بمواد الاقتصاد المنزلي.

وفي بريطانيا أيضًا الاقتصاد المنزلي مدرج في التعليم الأساسي وأحيانًا يذهب الطلاب في استضافة مطاعم ومصانع الأغذية، ليتعلموا فيها ومنها.

وفي اليابان الاقتصاد المنزلي مدرج داخل مناهج التعليم منذ عام 1993 وهناك مدارس حرة لتعليم تدبير المنزل للأزواج والزوجات.

والعكس بأمريكا التي أهملت علوم الطهي والتغذية؛ فأصبحت السمنة وأنظمة الطعام غير الصحية فيها هي القاتل الأول .

هل نرى الآن أهمية الاقتصاد المنزلي؟

كانت رائدات الاقتصاد المنزلي في مصر في الثلاثينيات وما تلاها من خريجات المعاهد البريطانية، وأسسوا هذا العلم المنسي، وكنَّ يذهبن إلى القرى للتوعية الغذائية والصحية،

وتحسين ظروف الأسر البسيطة وإصلاح مفاهيمهم في تدبير شؤونهم الحياتية.

ربما حان الوقت لنعيد النظر في هذا العلم المنسي وعلينا ألا نغفل أهميته.

المصادر:

كتاب نجمات وكواكب في سماء الاقتصاد المنزلى: رائدات الاقتصاد المنزلي

 Home Economics Archive: Tradition, Research, History (HEARTH)



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك