التعليم الدامج صورة مشرقة للعدالة.. فهل تتحقق في البلاد النامية؟!

5 أكتوبر , 2018

بحسب إحصاءات الأمم المتحدة فإن 650 مليون نسمة تقريبًا أي ما يقرب من 10% من سكان العالم يعيشون مع نوع ما من الإعاقة ومنهم 80% في الدول النامية.

ومع أن التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2017، قد أشار إلى انخفاض نسبة الطلبة المتسربين من المدارس خلال الأعوام القليلة الأخيرة؛ إلا أنه أكد أن هناك 264 مليون طفلاً وشابًا ما زالوا غير مقيدين بالمدارس. وما من شك أن العديد من هؤلاء يعانون من إعاقات أو صعوبات في التعلم، تحول دون التحاقهم بالمدارس لأسباب اجتماعية وثقافية، وعدم توفر المدارس الجاهزة لاستقبالهم ومشاركتهم وتعلمهم.

ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع

بهذه العبارة المزدحمة بالمفاهيم المتعلقة بالتعليم والتعلم واستدامتهما كحق بشري، حددت الأمم المتحدة مسؤولية الدول نحو مواطنيها في مجال التعليم، كهدف أساسي من أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.

 

وأوضحت الغايات الفرعية لهذا الهدف الأممي على أن ذلك يشمل: التعليم كمًا ممثلًا بالبنية التحتية والتجهيزات والمرافق المناسبة للجميع، ونوعًا ممثلًا بالمناهج الجدية والمعلمين المدربين والبيئات التعليمية المحفزة والصديقة، مع التأكيد نصًا على عدم استثناء أية مجموعات من الطلبة لأسباب تتعلق بالإعاقات أو الصعوبات أو الجنس أو الإثنية أو غيرها من العوامل. 

يواجه التطبيق العملي لنص الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، وما جاء قبله، وما يليه من مواثيق وقوانين دولية تتعلق بالتعليم، صعوبات تتعلق بالموارد المالية والبشرية والإرادة السياسية والثقافة المجتمعية والحوكمة والإدارة. ولعل الأشخاص المعاقين وذوي الصعوبات من أهم الفئات التي ما زالت تعاني من انتقاص حقها في التعليم كمًا ونوعًا.

على الرغم من أن “إعلان سلامنكا” المنبثق عن مؤتمر اليونسكو للتربية الخاصة، قد وضع الملامح العامة لمفهوم التعليم الدامج، إلا أن الممارسات والسياسات التعليمية في الكثير من الدول، ما زالت محبطة وبعيدة كل البعد عن استحقاق المعاقين لحقوقهم. والذي عبرت عنه اليونسكو في 2001:

ففى بعض الدول، ما يزال ينظر إلى نهج التعليم الدامج كأسلوب لخدمة الأطفال ذوى الإعاقات داخل محيط التعليم العام، بينما يتسع النظر إليه عالميًا، وبشكل متزايد، على أنه إصلاح يدعم ويرحب بالتنوع بين كل المتعلمين“.

التعليم الدامج هو الصورة المشرقة للعدالة في المجتمع، فالدمج بحسب أحدث الممارسات في الأنظمة التعليمية المتقدمة، هو: العملية التي تدعم تجاوز المعيقات والتحديات التي تمنع أي متعلم من حق الوجود في مؤسسة تعليمية، وحق المشاركة في ممارسات التعليم وأنشطته، ثم حق التعلم والتحصيل والتقدم. أما العدالة، فهي: ضمان اهتمام النظام التعليمي بكل المتعلمين، دون استثناء بل وبنفس القدر من الاهتمام.

لقد تجاوز الأمر تصنيفات مختلفة يوسم بها المتعلمين في قوائم وثائق النظام التعليمي (أنثى ريف، ذكر مدينة، معاق، متأخر دراسيًا، شديد الذكاء،.. الخ)، إلى حق أي فرد على الدولة بإجراء الترتيبات اللازمة، والظروف الملائمة ليتحقق التعلم في بيئة تعلم مشتركة، والتي تشير إلى الوسط التعليمي الذي يضم طلبة ذوي قدرات متفاوتة قادمين من بيئات وخلفيات مختلفة وقدرات متفاوتة؛ ليتعلموا سويًا في بيئة تعليمية دامجة.

وفي إطار الجانب المشرق من إنجازات العدالة والتعليم الدامج، تشير الإحصاءات إلى أن نسبة الدمج وصلت في أيرلندا إلى 99%، أي أن 1% فقط من 900 ألف طالب وطالبة في سن المدرسة يلتحقون في مدارس خاصة.

وتتمثل إحدى استراتيجيات التمكين المتبعة، أنه من بين كل خمسة معلمين يعين معلم إضافي، للطلبة ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة. ولأن العمل المنظم والمخطط له هو السبيل للتغيير والتطوير؛ فلابد من أن تكون النظرة لواقع سياسات وممارسات التعليم الدامج في أي نظام تعليمي، تشخيصية تقييمية لتحديد نقطة البداية ومسارات العمل، ضمن السياقات الاجتماعية والمؤسسية والمالية والتعليمية، ووفقًا لأعداد الطلبة وحالاتهم ودرجة إعاقتهم أو الصعوبة التي يعانون منها.

ماذا نحتاج لتطبيق التعليم الدامج؟

وقد أثبتت تجارب الدول التي قطعت أشواطًا كبيرة في التعليم الدامج في كافة مؤسساتها التعليمية أن هناك عناصر ومرتكزات رئيسة يجب العمل عليها بشكل متواز ومتوازن للوصول للوضع المثالي حيث المدرسة مكان يتعلم ويلعب وينمو فيه جميع المتعلمين.

تتمثل المرتكزات الرئيسة، في تحقيق التعليم الدامج في وجود الأطر الدستورية والتشريعية والقانونية المقرة من الحكومة؛ لتحديد حق الجميع في التعليم، والالتحاق بالمدارس النظامية بما في ذلك الأشخاص الذين لديهم إعاقات وصعوبات. ثم الجزء المتعلق ببيئة التعلم والتعليم والمتضمن، تتضمن: الأبنية الصديقة للطلبة من ذوي الإعاقات المختلفة، ووسائل النقل، والمناهج القابلة للتكيف للحالات المختلفة، والامتحانات التي تراعي ظروفهم. والأهم من ذلك كله معلم مؤهل ومؤمن بأن رسالته المهنية والإنسانية لا تقتصر على فئة معينة من الطلبة، وإنما تشمل الجميع بغض النظر عن ظروفهم وقدراتهم، مع أهمية التأكيد على أن المعلم بحاجة لنظام دعم وإسناد نفسي أكاديمي مهني ليستطيع أداء هذا الدور، والرعاية الطبية والنفسية للحالات التي تحتاج لها.

ويتطلب منا الإنصاف أن نؤكد على أن توافر الشروط والظروف السابقة، لن يحقق الفلسفة من التعليم الدامج، إذا لم يكن الناس شبابًا وشيابًا وطلبة وأهالي، في البيت والشارع والصف والمدرسة والمقهى والمتنزهات وصالات الرياضة، مؤمنين أن للآخرين حقوق مثلهم في ممارسة الحياة والاحتفاء بها. 

“أنا لست نكرة أو صفحة مطوية في ذاكرة النسيان.. أنا من أصيب في عمل أو من مرض أو في حادثة أو وراثة فلم أضعف؛ ولست ممن استكان..

أنا القانوني والموظف والعامل والفني والتاجر والمزارع والطالب.. أنا طه حسين وروزفلت وبيتهوفن الفنان.. أنا من تخطى صعاب الحياة ومشى قدماً لتنمية العمران”

علينا دولة وجماعات أفرادًا ومجموعات أن نناضل لينال كل منا حقه في التعليم والتدريب والتنمية والعمل، وإن لم نكن نحنا لهذا الحق، فمن له؟ وإن لم نبدأ العمل اليوم، فمتى سنبدأ؟

اطلع على:

حق التعليم للطفولة في خطر.. سوريا.. اليمن.. فلسطين

 فاقدو البصر والتعليم الجامعي، غُبنٌ واضح!  



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك