المميّزات الخفيّة للتعليم المنزلي

8 يناير , 2017

يتعامل البعض مع التعليم المنزلي على أنه الدرجة الثانية من التعليم، كونه يحرم الطفل من الاحتكاك بأقرانه، كما يُنشّئُه في بيئة اجتماعية يكون الوالدن فيها هما رفقاء الدرب. ترى إلى أي مدى تغدو هذه الظنون في محلها؟ قبل أن نجيب على هذا التساؤل بالإيجاب أو النفي، سنقوم باستعراض المدرسة كبيئة “اجتماعية” لأطفالنا.

يلتقي الطفل في المدرسة بعشرين طفلًا (يتفاوت العدد حسب مساحة الحجرة الدراسية)، ولكن سواء زاد العدد أوقل فهذا لا ينفي أنهم يتشاركون نفس المستوى الثقافي وغالبًا الاجتماعي، فلا مجال حقًا لتبادل الخبرات أو الارتقاء بالمستوى الفكري، وإن وُجد المجال فهو محدود للغاية على عكس المساحة التي توفرها مجالس الكبار، والذي ننهى عنها صغارنا بحجة أنهم لا يفهمون أو يستوعبون ما يقال، وهذا لم يكن من شيم حبيبنا المصطفى –صلى الله عليه وسلم- حيث روى سهل بن سعد رضي الله عنه:

قَالَ: “أُتِيَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم -، بِقَدَحٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ، أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: يَا غُلاَمُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدا، يَا رَسُول اللهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.”

فلم يسمح الرسول – صلى الله عليه وسلم- للطفل بجلوس في المجلس وحسب بل استأذنه في تمرير القدح لمن هم أكبر منه سنًا، ثم احترم قراره بالرفض.

وهذا داهية العرب عمرو بن العاص رضي الله عنه، وقد مر على حلقة من قريش فقال: “ما لكم قد طرحتم هذه الأُغيلمة؟ لا تفعلوا! أوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه؛ فإنهم صغار قوم أوشكوا أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم فأنتم اليوم كبار قوم”.

إذن فالمدرسة ليست بالأساس البيئة الاجتماعية الوحيدة كما يعتقد البعض.

ولا حتى التعليمية، حيث اعترفت الحكومة البريطانية مؤخرًا بالتعليم المنزلي كنظام تعليمي معتمد بحيث صار يضاهي أو يفوق أحيانًا التعليم النظامي ويمكنك الاطلاع على البيان الذي نصت عليه الحكومة من هنا.

ولكن السؤال هنا كيف نحول التعليم المنزلي لعملية اجتماعية وتعليمية وترفيهية متكاملة، هذا ما سنتعرض له بالتفصيل في هذه النقاط:

المرح قبل كل شيء

image003

تحدثنا سابقًا عن تلعيب التعليم Gamification في مقال مُفصلّ، فنحن هنا لسنا بصدد طرح الموضوع، وإنما أكتفي بالإشارة إلى أهمية ألا يتحول التعليم المنزلي إلى تجربة روتينية تختلف عن المدرسة في المكان فحسب، بل يجب أن تختلف كذلك في طريقة تناول الدروس، تقول الدكتورة دعاء صادق بعد عام كامل من التعليم المنزلي: أؤمن أن روعة التعليم المنزلي هو بالتركيز على الاستمتاع بالعملية التعليمية نفسها، وليس بنتائجها، فيوم كامل من اللعب و المرح ينتهي باكتساب معلومة واحدة يرغب طفلي باكتسابها، هو أفضل مئات المرات من يوم مليء بالضغط العصبي سعيًا وراء الإنجاز والكمال”.

ويمكنكم الإطلاع على تجربة الدكتورة كاملةً من هنا.

حوّل الدرس إلى تجربة لا مثيل لها:

image005

إن ترديد عواصم البلدان عشرات المرات لن يؤدي إلى حفظها في النهاية، بل قد يؤدي إلى انفعالك على طفلك بعد قضاء كثير من الوقت في محاولة حفظها معه وذلك عوضًا عن صنع تجربة قد تؤدي إلى تقوية العلاقة بينكما، وتكوين ذكرى لطيفة لدى طفلك، وقضاء وقت ممتع لكليكما ينتهي بتحقيق الهدف المنشود.

ويقترح أستاذ تيسير حرك، منسق حركة التعليم المرن لعبة مثيرة للتغلب على ملل درس الجغرافيا، فمثلًا يمكن لولي الأمر القيام برحلة مثيرة عبر الصحاري والجبال، كما يمكنه هناك أن ينظم مسابقة أو أنشطة مختلفة، من شأنها أن تعين الأطفال على حفظ واستيعاب الكثير من الأماكن والتضاريس الجغرافية، كما يمكن لولي الأمر اختيار الأحداث والمخاطر في اللعبة بناءً على خصائص البلد الجغرافية كذلك، فالطفل الذي تأخرت عربته في السباق بسبب العواصف الرملية في الصحراء، غالبًا لن ينسى تلك العواصف وأسبابها بسهولة، كما أن الطفلة التي فازت بسبب مساعدة أهل واحة سيوة لها في اللعبة، لن تنسى خصائص تلك الواحة المضيافة، وهكذا يمكن لاولياء الأمور الإتيان بمزيد من الألعاب والطرق الإبداعية لكسر الرتم وتقوية الرابطة بينهم وبين أطفالهم.

شاورهم في الأمر:

image007

كثيرًا ما تتحول رحلة التسوق في المركز التجاري إلى مشهد درامي، يصور الصراع الأزلي بين رغبات الطفل ومعارضة الأهل، وتنتهي غالبًا ببكاء الطفل في مشهد حزين مع إحساس أهله بالندم، والتصرف الصحيح يكمن في الحرص على شرح سبب عدم شراء سلعة معينة للطفل، سواء كانت العلة في ارتفاع الثمن أو ضرر السلعة الصحي، وذلك بدلًا من الاكتفاء بنهي الطفل عن الشراء، كما يُحبَّذ أخذ رأيه والاستماع لما يقوله ليس فقط فيما يريد، ولكن في أغلب ما يشتريه الأهل، وبذلك تتكون لديه مهارة نقدية ورغبة في المشاركة وفهم لما يحيط به، كما يمكن تحويل نزهة التسوق إلى درس طريف في الرياضيات يفيد منه الطفل ويستمتع!

وأما عن التشكيك في قدرة الطفل على الفهم أو الاستيعاب، فأرى أن الواجب يقع على الآباء في ضرورة أن يرتفعوا بمستوى تفكير الطفل ويرتقوا به، كما يمكنهم اللجوء إلى حكاية القصص وضرب الأمثلة، ليصلوا إلى قلوب وعقول أطفالهم الصغيرة.

ومهما اختلفت أماكن التعليم، بل والوسائل والطرق والتقنيات المستخدمة، تظل إرادة الطفل، وتشجيع الوالدين وحرصهما هي المعول الأكبر والأهم، فكم من طلاب برعوا تحت وطأة الفقر أو الحرب، وكم من مرفهين في بيوتهم فشلوا!


المراجع :

https://goo.gl/uqvf1Y

https://goo.gl/EOciDx

https://goo.gl/Oxzwyi

https://goo.gl/r3xybW

https://goo.gl/PgX9zp



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك