التعليم بين طلقات الرصاص: كيف تؤثر الحروب على مستقبل أطفالنا؟

21 نوفمبر , 2018

الحرب.. كلمة تقشعر لها الأبدان ويخشاها العالم بأسره كبيره وصغيره. لا شك أنك حين تسمع كلمة حرب يدوي في آذانك صوت إطلاق النار وضجيج الطائرات المرعب، تتخيل المباني وهي تنهار لتصبح رمادًا، والشوارع تسبح في دماء ضحاياها، ترى الأطفال تبكي وتصرخ في حالة من الذعر والذهول مع محاولات أمهاتهم اليائسة لحمايتهم مما هو مُنتَظَر.

ومن المؤكد أنك سوف تتجنب تخيُل الأزقة حيث يحتشد بعض الناجين مع ما قدروا على تجميعه من أشلاء أقاربهم وذويهم وأحبائهم، أو تخيُل إحدى المدارس المُدمَّرة حيث دماء الأطفال الأبرياء تنتشر على كل ما تبقى من الطوب والكراسي والكشاكيل، وربما ترى هناك قصاصة ورق ناجية مدون عليها بـخطٍ طفولي أحبك أمي.

قد لا تكون عاصَرْت إحدى الحروب من قبل ولكنك تعلم جيدًا ما تحدثه الحروب في الدول والمجتمعات. كلمة واحدة لها وَقعٌ مُرعب على أذهاننا، فإن كنت تخشى تخيُل ويلات الحروب فما بالك بمن يعاصرها في حياته اليومية.

وبالحديث عمن يعاصر حربًا سنخوض في تفاصيل أكثر من ذلك بكثير. فالحروب لا تؤثر بدورها على شخصٍ واحد أو مجموعة بعينها ولكنها تؤثر على المجتمع بأسره؛ الدول المشاركة في الحرب بشكل خاص ومعظم دول العالم الأخرى بشكل عام.

لا شك أن تأثير الحروب على المجتمعات يختلف بدرجة كبيرة بناءً على العديد من المتغيرات؛ كالحالة العامة للبلاد قبل الحرب وسبب  قيام الحرب، وكذلك الدول المشاركة فيها ولصالح مَن تنتهي الحرب. كل هذه المتغيرات تجعل من الحرب حدثًا محمود العواقب عند بعض الدول بل أنه مصدر نفع كبير، وحدثًا مأساويًا عند بعض آخر، ولكن لا شك كذلك أن النفع أو الضرر لا يأتيان منفردَيْن فلابد أن يمتزجا معًا، وعلى حسب الغالب تأتي النتيجة النهائية بالنفع أو الضرر.

 

آثار الحروب على الدول والمُجتمعات:

قد تتعجب من هذا وتقول في ذهنك أي نفعٍ هذا الذي قد تحدثه الحروب؟!” ولكن هذه هي الحقيقة؛ فالحروب بشكل عام لها تأثير بالغ على المجتمعات فكريًا وسياسيًا وبالطبع اقتصاديًا؛ ومن ضمن الأمثلة على الآثار الإيجابية للحروب هو تأثير الحرب العالمية الثانية على المجتمع الأمريكي ككل حيث أدت الحرب إلى إنعاش الاقتصاد الأمريكي وساعدت على إخراجها من الكساد الكبير. كما أدت الحرب إلى زيادة الوطنية والتضامن في البلاد. وساعدت إلى حد ما على تحفيز الولايات المتحدة لـمنح الحقوق المدنية للأمريكيين الأفارقة.

وبالحديث عن الجانب الإيجابي من الحروب يأتي ذِكر العالِم والمؤرخ البريطاني إيان موريس الذي تناول هذا الموضوع في كتابه “?war! what is it good for  والذي ينوه فيه أنه بتتبع تاريخ العنف عبر آلاف السنين سنجد هناك أدلة كافية تثبت أن الحرب وعلى الرغم من أهوالها إنها تسببت في جعل العالم أكثر أمنًا وثراء على مدار ال10000 سنة الماضية، ويأتي بأدلة كثيرة على ما يقوله في هذا الكتاب كما يقول: 

إن العبرة من آخر عشرة آلاف سنة من التاريخ العسكري هي أن الطريق لإنهاء الحرب يأتي من خلال ضبطها والحد منها، وليس بمحاولة التخلص منها تمامًا.

وإذا أردنا النظر إلى الجانب السلبي للحروب فلن نحتاج إلى الكثير من التفكير أو التخيُل؛ فهو أمرٌ واضح ومفهوم. لا يقتصر الأمر فقط على هدم المنازل والمدارس والمستشفيات وغيرهم من مرافق الدولة ولا على هجرة المواطنين بحثًا عن ملجأ آمن ومعيشة صالحة؛ بل إن للأمر أبعادا أعمق من ذلك حاضرًا ومستقبلًا من الانهيار الاقتصادي والسياسي والتعليمي وكذلك النفسي على المجتمع.

عام الكارثة على التعليم في اليمن: 1300مدرسة مُدمرة!

آثار حالة الحرب على التعليم:

سوريًا نموذجًا..

سنأخذ مثالًا على أحد هذه الجوانب وهو التعليم. لا شك أن الحرب على دول مثل: سوريا وفلسطين كان لها آثار وخيمة على جميع جوانب الحياة ومن بينها التعليم، ففي مارس عام 2017 قامت لجنة الإنقاذ الدولية باختبار آثار الحرب على تعليم الأطفال بسوريا، وهنا ظهرت فجوة كبيرة في مهارات كثيرة من بينهم الرياضيات والقراءة والكتابة. حيث أظهرت تلك الدراسة أنه طوال فترة النزاع السوري تم تعطيل تعليم الأطفال بسبب النزوح وانعدام الأمن.

كما وُجد أن 5.8 مليون طفل ما بين سن الـ 5 و 17 سنة في سوريا يحتاجون إلى المساعدة في مجال التعليم. وحوالي 1.75 مليون طالب من الأطفال والمراهقين قد تركوا المدارس بالفعل، هذا بجانب الكثير من الأشخاص الذين يواجهون خطر الانقطاع عن الدراسة.

 

مدرسة في سوريا_ وكالة سبوتنيك

 

أكثر من 150000 العاملين في مجال التعليم قد تركوا المنظومة التعليمية بالفعل، وثلث المدارس مهدومة ومحطة وغير قابلة للاستخدام، وخلال الاختبارات التي أجرتها لجنة الإنقاذ الدولية وُجد أن:

59 ٪ من طلاب الصف السادس، و 52 ٪ من طلاب الصف السابع، و35٪ من طلاب الصف الثامن لم يتمكنوا من قراءة قصة بسيطة تتكون من  7-10 جُمل أي ما يعادل مهارات القراءة للصف الثاني.

64٪ من طلاب الصف السادس، 63٪ من طلاب الصف السابع، و 46 ٪ من طلاب الصف الثامن لا يمكنهم حل مسائل الطرح بالرياضيات أي ما يعادل مهارات الصف الثاني للرياضيات.

كما لوحظ تفوق الفتيات بشكل متكرر على الفتيان، وتبدو الاختلافات أوضح في الصفوف الدراسية الأكبر.

فنسبة فتيات الصف السابع والثامن اللاتي يمكنهن قراءة قصة في مستوى الصف الثاني تفوق نسبة الأولاد من الصف السابع والثامن (59٪ من الفتيات في الصف السابع مقارنة بـ 23٪ الأولاد، و 72٪ من الفتيات في الصف الثامن مقارنة مع 38 ٪ من الأولاد).

وفي الرياضيات تبدو نتائج الأولاد في الصف السابع أقل بشكل كبير من الفتيات  (19 ٪ طالب فقط قادرين على الطرح، مقارنة بـ 45 ٪ من الفتيات)، والصف الثامن (35 ٪ من الأولاد، مقارنة بـ 60 ٪ من الفتيات).

الطلبة السوريون في تركيا: المحذوفون من سجلات التعليم إلى أين؟!

 

فلسطين نموذجًا..

وبالنظر إلى فلسطين نجد أن الأمر يُرثى له، ففي السابع من يوليو عام 2014  قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بـهجوم على غزة والذي أطلق عليه اسم عملية الجرف الصامد واستهدف الجيش الإسرائيلي العديد من المدارس في هذا الهجوم تعرضت على إثره حوالي 138 مدرسة للقصف والتدمير من بينهم 89 مدرسة تديرها (وكالة الأونرو) التابعة للأمم المتحدة مع وجود أضرار لا تزال مجهولة، كما أصدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تقريرًا يوضح أن عدد القتلى من الأطفال يقرب من ال 330 على الأقل، و 2000 جريحًا.

في هذا الوقت نزح أكثر من 250 ألف فلسطيني يبحثون عن ملجأ في 90 مدرسة تابعة للأونرو، وأكثر من 15,000 في 19 مدرسة حكومية وخاصة ومنشآت أخرى، كان لهذا القصف المستمر تأثيرًا بالغًا في الحالة النفسية للأطفال والمجتمع أجمع وكان من المستحيل تخيل إصلاح هذه المدارس بعد تدميرها.

 

مدارس في غزة بعد القصف_ CNN

 

ويُذكر أنه قد قام الجيش الإسرائيلي بشن مثل هذه الحملة من قبل في نوفمبر 2012 وقع على إثرها كثير من الطلاب والمعلمين والمؤسسات التعليمية ضحايا لهذه العملية والتي سُميت بـ عملية عامود الدفاع والتي استمرت ثمانية أيام كلفت أرواح 11 طالبًا وأربعة مدرسين، وجرح 300 طالب، ووفقًا لتقرير OCHA لعام 2012. وأثناء الهجوم العسكري، تم تدمير حوالي 300 منشأة تعليمية (بما في ذلك رياض الأطفال والمدارس ومؤسسات التعليم العالي). اضطر الطلاب للغياب عن المدرسة ما لا يقل عن ستة أيام، وتعطلت الامتحانات.

وفي ديسمبر 2008 إلى يناير 2009 حيث تمت عملية الرصاص المصبوب وجدت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في نزاع غرة أنه قد قُتِل 250 طالبًا و 15 معلمًا، في حين أصيب 856 طالبًا و 19 معلمًا.

في هذا الوقت استخدمت 44 مدرسة تابعة للأمم المتحدة كملاجئ طوارئ لأكثر من 000 50 شخص، كما تم تدمير لا يقل عن 280 مدرسة ورياض أطفال. مرة أخرى تم إغلاق المدارس لأسابيع وتعطلت امتحانات الفصل الدراسي.

حتى قبل هذا الهجوم كانت حالة التعليم في غزة في ظروف عصيبة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الحصار الإسرائيلي المستمر. حيث يخنق الحصار نظام التعليم من خلال تقييد حركة الأشخاص والسلع الضرورية لضمان تلبية احتياجات الطلاب في غزة. حيث يُمنع دخول مواد البناء للمدارس والكتب المدرسية والكشاكيل والأقلام، مما يعرقل قدرة المجتمع الدولي على زيادة فرص الحصول على التعليم أو بناء المدارس المطلوب إنشاؤها والتي تعادل 250 مدرسة إضافية.

كما أدى نقص الوقود بالإضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي المتكرر عن قصد في عام 2012 إلى عجز ما يقرب من 95 بالمائة من طلاب المدارس الابتدائية والثانوية في غزة على إكمال واجباتهم المدرسية معظم الوقت. لذلك ليس من العجيب أن نصف الطلاب الفلسطينيين لا يستوفون نتائج التعلم الأساسية وفقًا للمعايير الدولية.

 

مُستقبل الطلاب تحت الحروب وفي ظل الحصار:

كما أن الفقر وانعدام الفرص الناتجة عن الحصار لهما آثار مدمرة على حياة الأطفال والشباب وقدرتهم ورغبتهم في الدراسة في غزة. حيث إن ما يقرب من 40% من السكان يعيشون تحت خط الفقر. وما يقرب من 40% من المجتمع يعاني من البطالة. ووفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية، فإن غالبية أطفال المدارس يعانون من فقر الدم. هذه نتيجة مباشرة لعدم كفاية الإمدادات الغذائية المسموح بدخولها إلى غزة تحت القيود الإسرائيلية.

 

مدارس غزة_ وكالة سبوتنيك

 

حتى الطلاب الذين يتغلبون على هذه العقبات لا يملكون إلا القليل من الخيارات وغالبًا ما يجدون أنفسهم مقيدين، فعلى سبيل المثال نادرًا ما يُسمح للطلاب الذين يرغبون في مواصلة التعليم العالي في الخارج بمغادرة غزة حتى لو كان ذلك في الضفة الغربية فقط. وعلى هذا النحو فإن مئات الطلاب يُمنعون كل عام من الدراسة خارج حدود غزة. هذه العوامل تسهم في حالة اليأس بين جيل الشباب حيث أن أكثر من ربع طلاب الجامعات يقولون إنهم ليسوا متفائلين بالمستقبل.

 

محاولات تقليل الخسائر:

وفي ظل كل هذا لا يمكننا إغفال مجهودات لجنة الإنقاذ الدولية ومنظمة حقوق الإنسان وكذلك الأمم المتحدة للتصدي لكل هذه المشاكل في سوريا أو فلسطين، حيث قامت لجنة الإنقاذ الدولية بدعم خمسة مدارس في شمال سوريا لكي تضمن حصول الطلاب المتضررين من الحرب علي التعليم. كما جمعت لجنة الإنقاذ الدولية البيانات التي توضح النتائج الحاسمة في مستويات القراءة والرياضيات للأطفال كي توفر لهم ما يلزمهم من خطة دراسية تدفعهم للتقدم من المستوى الدراسي.

وبالنسبة لفلسطين فتتكفل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة الفلسطينيين (أونروا) بدعم العديد من المدارس في قطاع غزة وتوفير المتطلبات الدراسية، بالإضافة إلى جهود هيئة الأمم المتحدة للحد من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وحماية التعليم من هذا النزاع وذلك عن طريق الحث على منع شن أي هجوم على المدارس والمؤسسات التعليمية وتبني العديد من القواعد والحدود الجديدة لحماية المنظمة التعليمية في فلسطين، والمطالبة برفع الحصار عن غزة وتوفير الموارد التعليمية المطلوبة للفلسطينيين وأخيرًا المطالبة بتوفير الدعم النفسي للأطفال وإعادة تأهيلهم لاستكمال مسيرتهم التعليمية والحياتية.

المصادر:

1- https://www.rescue.org/sites/default/files/document/1434/educationreportlearninglevelssyrianchildrenfinal.pdf

2- https://www.theguardian.com/books/2014/apr/20/war-what-is-it-good-for-ian-morris

3- https://childrenandarmedconflict.un.org/occupied-palestinian-territory-and-israel/

4- http://www.protectingeducation.org/country-profile/israelpalestine



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك