التعليم في المخيمات الفلسطينية: التحديات

27 نوفمبر , 2017

تحدثنا في الجزء السابق عن نشأة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفِلَسطينيين (الأونروا) وعن مجموع الخدمات التي تقدمها بشكلٍ عامٍّ والتعليم بشكلٍ خاص، ولعل ضخامة أعداد اللاجئين الفلسطينيين مقارنةً بمحدودية عدد المدارس التي تقدم الخدمات التعليمية لهم في المخيمات الفلسطينية التي يتواجدون فيها في أماكن لجوئهم، كان السمة الأبرز لتلك الإحصائيات الواردة في تقارير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في يناير للعام 2017.

مع ضخامة الأعداد للاجئين الفلسطينيين تبرز التحديات، التي تجعل من العملية التعليمية للاجئين الفلسطينيين في مدارس الوكالة شكلًا آخر من أشكال المقاومة للاحتلال الصهيوني وإثبات الوجود، تتنوع تلك التحديات فمنها ما هو متعلقٌ بالمكان؛ حيث تمتاز المخيمات الفلسطينية أصلًا بمحدودية المساحة نسبةً إلى العدد الكبير للسكان، الأمر الذي أدى إلى زرع تلك المدارس بين الأحياء السكنية وسط البيوت، بشكلٍ لا يترك لها حق التمتع بنوع من أنواع الخصوصية المعتادة للمدارس، والصورة أدناه خير مثال على ما نقول.

 

صورة جوية لمخيم البقعة شمال العاصمة الأردنية عمان تظهر الكثافة السكانية العالية وموقع مدارس ذكور البقعة الإعدادية وسط منازل السكان

 

يقودنا تحدي المكان إلى تحدٍ آخر عبر التساؤل عن كيفة استيعاب هذا العدد المحدود من المدارس لذلك العدد المهول من الطلاب والطالبات الذي يتزايد عامًا بعد عامٍ تبعًا لأرقام الوكالة وإحصائياتها؛ ففي الفترة الممتدة ما بين عامي 2008- 2009 بلغ معدل عدد الطلاب المسجلين من كلا الجنسين 479 ألف طالبٍ وطالبة، ليتجاوز معدل عددهم بعد ذلك وفي الفترة الممتدة بين عامي 2011- 2012 العدد السابق حيث بلغ 458,500 ألفًا من كلا الجنسين.

أما عن الفترة الممتدة بين عامي 2014-2015 بلغ معدل عدد الطلاب والطالبات المسجلين 493,500 ألفًا من كلا الجنسين، لتشهد بعد ذلك الفترة الممتدة بين عامي 2016- 2017 قفزةً نوعيةً في معدل أعداد الطلاب والطالبات المسجلين؛ حيث تجاوز معدل العدد المسجل عتبة النصف مليون ليبلغ تقريبًا 515,260 طالبًا وطالبةً مسجلًا تحتويهم جميعًا كما ذكرنا سابقًا 702 مدرسة وفقًا لأحدث الأرقام.

مع الغوص في الأرقام والإحصائيات أكثر فأكثر تطفو التساؤلات المشروعة على السطح: فهل حقًّا يمكننا الحديث عن طبيعة مخرجات العملية التعليمية التي تقودها الوكالة داخل المخيمات الفلسطينية بشكلٍ إيجابي؟ وهل يمكن أيضًا الحديث عن جودة التعليم ضمن هذه الظروف؟

يأتي الجواب غريبًا فجميع هذه المدارس تعمل على فترتين؛ الأولى صباحيةٌ تتناسب مع التوقيت المحلي لكل منطقة والثانية مسائية، بمجموع ساعاتٍ دراسيةٍ يوميٍّ لا يقل عن خمس ساعاتٍ لكل فترةٍ، وذلك يعني أن مدرسة الوكالة في المخيمات الفلسطينية تقوم مقام مدرستين في أماكن لا تتبع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ما يعني أن الوكالة والقائمين عليها حاولوا حل مشكلة السعة عبر خلق مشكلة أخرى هي مشكلة الوقت.

صورة من صف دراسي في مخيم البقعة في الأردن عام 1971

تمتد الحصة التعليمية الواحدة في مدارس الوكالة إلى خمسة وأربعين دقيقة بمعدل حصص تعليميةٍ يتراوح ما بين خمسٍ إلى ستة حصص، وهو وقت مضغوطٌ نسبيًّا بالكاد يكفي لكي يتمكن فيه المدرِّس أو المدرسة من تغطية متطلبات المنهاج التعليمي، ما يعني فعليًّا أن نسبةً كبيرةً من طلاب مدارس الوكالة وطالباتها محرومون من الأنشطة اللامنهجية التي تساهم في توسيع مداركهم وتعرفهم على العالم خارج الغرفة الصفية محدودة المساحة كثيرة العدد نظرًا لضيق الوقت، يتجاوز عدد الطلاب أو الطالبات في الغرفة الصفية الواحدة الأربعين، وهو عدد عند الْمُلِمِّينَ بمتطلبات العملية التعليمية الناجحة وعناصرها عددٌ كبيرُ جدًّا، ولو أردنا فهم مشكلة العدد الكبير للطلاب أو الطالبات على حدٍّ سواء في غرفهم الصفية أكثر، لقلنا باختصار أن لكل طالب ما مدته دقيقةٌ تعليميةٌ واحدة في كل حصةٍ وخمس إلى ستة دقائق تعليميةٍ يوميًّا، ما يدعو للسخرية والمرارة بكل تأكيد.

يضاف إلى تحديات المكان والزمان والعدد تحدٍّ آخر يتمثل في محدودية الموارد والإمكانيات التي تمخضت عن تقليص الخدمات المقدمة من (الأونروا) نظرًا لتقصير الدول المانحة، المسؤولة أصلًا عن نكبة الشعب الفلسطيني في تقديم الدعم المادي اللازم للوكالة بشكلٍ غير مبررٍ، قد يدعو إلى الشك والريبة في توقيته وماهيته التي قد تشير إلى محاولاتٍ تُحاكُ في الخفاء لتصفية القضية الفلسطينية وما يتعلق بها من قضايا أخرى كاللاجئين والعودة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بما تقدمه أيضًا؛ فلا شيء يخص القضية الفلسطينية يحدث عبثًا أو من قبيل الصُّدْفة، التحديات سابقة الذكر جميعها موجودةٌ وتتفاقم مع بلوغ الميزانية المخصصة للوكالة في العام 2017 ما قيمته 760 مليون دولار أمريكي وتخصيص أكثر من نصفها للعملية التعليمية ومتطلباتها.

الميزانية العامة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) للعام 2017

من المذهل حقًّا أنه رغم كل التحديات السابقة التي تنعكس بشكلٍ مباشرٍ على الطلاب والطالبات الفلسطينيين ومعلميهم، أن تبرز للعلن قصص نجاحٍ مدويةٌ، على مستوى عالمي سنتحدث عنها لاحقًا؛ ففي غرف مدارس الوكالة الصفية المكتظة حيكت الإنجازات، ومن طلبتها ومعلميها ثبت للعالم أجمع أن الشعب الفلسطيني رغمًا عن كل شيء ما زال مقاومًا قادرًا على تعليم الحياة للآخرين.

 

المصادر:

https://www.facebook.com/unrwa/photos/a.118302834882959.10295.105171192862790/1577177182328843/?type=3&theater



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك