التعليم واشكالاته في الخطب الملكية بالمغرب..

13 أكتوبر , 2015

عرفت بعض الخطب الملكية في سنوات ما بعد الربيع العربي تغيرًا ملحوظًا، فبعد أن كانت السياسات العامة في مختلف المجالات مركزة في يد الملكي بالمغرب، لم تعد كذلك مع الدستور الجديد، حيث أضحى يتقاسمها مع رئيس الحكومة الذي تفرزه صناديق الاقتراع من الحزب الأول الفائز في الانتخابات، وهذا التغير في مضمامين الدستور حيث يربط المسؤولية بالمحاسبة ومن ثم السلطة التنفيذية هي المسؤول المباشر عن السياسات العامة، في المقابل احتفاظ الملك بالتوجهات والقضايا الاستراتيجية وحفظ التوازن بين المؤسسات، غير أن إفراز القوانين التنظيمية التي يتم من خلالها تنزيل الدستور وتطبيقه كانت خاضعة لمنطق التوازنات، إلى جانب تشبث المؤسسة الملكية بالكثير من الصلاحيات، فكان منطوق الدستور يدفع نحو دمقرطة النظام السياسي وإعادة رسم علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، في مقابل بقاء الممارسة السياسية عاكسة لحقيقة، مفادها استمرار الملكية التنفيذية، وهذا ما ظهر في خطب ملكية عديدة منذ قبل سنيتن، منها المتعلقة بموضوع التعليم الذي حصريًا من القضايا الوطنية المحتكرة من  أعلى سلطة في البلاد.
كيف حضرت القضية التعليمية في الخطب الملكية الأخيرة؟ وما هي أوجه الاعتراض على القلاقل التي يمكن أن يثيرها حفظ قضية التعليم ضمن المجالات؟
1) خطاب 20 غشت لسنة 2013
جاء الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الستين لثورة الملك والشعب، في سياق انقضاء العشرية الأولى على الميثاق الوطني للتربية والتكوين المفرز عن اللجنة التي تم تعيينها من طرف الملك الحسن الثاني وترأسها مستشاره مزيان بلفقيه، وهو الميثاق الذي تبين فشل تنزيله من البداية، فكان الاهتمام في آخر العشرية ببعث الحياة في النظام التعليمي بخطة إنقاذ حملها مخطط “البرنامج الاستعجالي”، وهو برنامج نظرًا لكونه يفتقد للتقيم الموضوعي لأسباب فشل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فإنه نظر إلى الأزمة في جانبها المادي واللوجيستي دون القدرة على تجاوز ذلك، فكان المخطط الاستعجالي بذاته خطوة عرجاء لم تتعرض بذاتها للتقيم ولا التوقف عن أوجه صرف ميزانية ضخمة رصدت لمعالجة الخلل الحاصل.
في هذا السياق الخاص بمنظومة التربية والتكوين والعطل الذي واكبها، حيث استمر النظام التعليمي سيره بدون وجهة، وبعد أن كان السياق السياسي مفرز لنخبة جديدة وضعت يدها على ملف التعليم، وأظهرت بعض الاختلالات السابقة، جاء الخطاب الملكي ليشخص وضعية التعليم بالمغرب، مشيرًا إلى بعض الإنجازات التي تحققت، في مقابل نقده اللاذع لعمل الحكومة الحالية كما ورد في الخطاب، أنه “لا ينبغي إقحام القطاع التربوي في الإطار السياسي المحض، ولا أن يخضع تدبيره للمزايدات أو الصراعات السياسوية، بل يجب وضعه في إطاره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، غايته تكوين وتأهيل الموارد البشرية، للاندماج في دينامية التنمية، وذلك من خلال اعتماد نظام تربوي ناجح”، معتبرًا أن النظام التعليمي فيما أصبح عليه الآن أصبح أكثر سوءً مقارنة بالعقود السابقة، ولم يتوقف النقد في هذا المستوى لبعض الجدل السياسي حول فشل منظومة التعليم، وتحميل الوضعية للمشرفين السابقين على قطاع التربية والتكوين، بل يضيف في فقرة تتضمن دعوة إلى الشراكة والتفكير البناء، وهذا إيجابي إذا اعتمد في التنزيل الذي تلى الخطاب في المجلس الأعلى للتعليم، وجانب سلبي يحاول إبعاد اللائمة عن بعض المسؤولين عن فشل قطاع التربية والتكوين وتجنيب السياسة التعليمية للدولة النقاش والمحاسبة، وذلك لاعتبار أن التعليم كان مهربًا من النقاش الوطني وغير متداول بشأنه، ونشير إلى الفقرة الدالة على ذلك، كما ورد في الخطاب الملكي “لا بد من اعتماد النقاش الواسع والبناء، في جميع القضايا الكبرى للأمة، لتحقيق ما يطلبه المغاربة من نتائج ملموسة، بدل الجدال العقيم والمقيت، الذي لا فائدة منه، سوى تصفية الحسابات الضيقة، والسب والقذف والمس بالأشخاص، الذي لا يساهم في حل المشاكل، وإنما يزيد في تعقيدها”.
إن الخطاب الملكي الذي خصص للقضية التعليمية في المغرب تشخيصًا ونقدًا من طرف الخطاب الملكي، خلص إلى”تفعيل المجلس الأعلى للتعليم في صيغته الحالية، عملاً بالأحكام الانتقالية التي ينص عليها الدستور، وذلك لتقييم منجزات عشرية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والانكباب على هذا الورش الوطني الكبير”، وهي الهيئة التي تشكلت السنة الماضية من حوالي تسعين عضوًا تحت إشراف “عزيمان” أحد مستشاري الملك ورفعت تقريرها إلى الملك في شهر ماي الماضي (وهو التقرير الذي سنعود له في مقالة أخرى)، والذي يتضمن حسب معديه رؤية استراتيجية لإصلاح التعليم على مراحل.
2) الخطاب الملكي لعيد العرش ….
عاد الملك في خطابه بمناسبة الذكرى 16 لعيد العرش، بتاريخ 30 يوليوز الماضي، ليشير إلى موضوع التعليم حين الحديث عن الإصلاحات التي ولجها المغرب، مستهلاً حديثه عن إصلاح التعليم بالقول “ما فتئنا ندعو لإصلاح جوهري لهذا القطاع المصيري، بما يعيد الاعتبار للمدرسة المغربية، ويجعلها تقوم بدورها التربوي والتنموي المطلوب، ولهذه الغاية، كلفنا المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتقييم تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وبلورة منظور استراتيجي شامل لإصلاح المنظومة التربوية ببلادنا.
ولفهم ما ينبغي أن يكون عليه الإصلاح، نطرح السؤال : هل التعليم الذي يتلقاه أبناؤنا اليوم، في المدارس العمومية، قادر على ضمان مستقبلهم ؟“، ليجيب عن التساؤل بالقول “الجواب واضح : لأنهم يبحثون عن تعليم جيد ومنفتح يقوم على الحس النقدي، وتعلم اللغات، ويوفر لأبنائهم فرص الشغل والانخراط في الحياة العملية”(انظر الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 16 لعيد العرش)، معتبرًا أن الانفتاح على اللغات لا يضر الهوية الوطنية، بل ينميها ويدفع للانخراط في مجتمع المعرفة والتواصل مع باقي الثقافات.
3)ملاحظات وتعليقات
إن نقد الخطاب الملكي لمنظومة التعليم محكوم بسياق سياسي، وهو انخراط لخطب ملكية ينبغي أن تبقى بعيدة عن الانخراط في الصراع السياسي، وإذا كانت من مسؤولية يتحملها أحد الأطراف عن التعليم بالمغرب وينبغي مناقشته فإنه حكر على الدولة التي يعتبر الملك ممثلها الأسمى.
_النقد الثا في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب، كان بغاية إيقاف نقد كان قد طال وزراء مسؤولين في عهد الحكومات السابقة عن قطاع التعليم، وعرفت تلك الفترات شبه فساد في تدبير ملف التعليم والإنفاق العمومي عليه، فكان الخطاب كما اعتبره البعض صرف للنقاش عن الوجهة التي كان يتجه إليها في محاسبة المسؤولين عن تنزيل المخطط الاستجالي وماليته وبرامجه، حيث اعتبر وزير التعليم محمد الوفا أن المخطط الاستعجال عرف اختلاله ومنحه تقييما سلبيا وأعلن وفاته، وهو ما أثار العديد من القلاقل داخل الدوائر الرافضة للتغير وإصلاح النظام التعليمي إلى جانب محاسبة المسؤولين عنه.
_إن إثارة القضية اللغوية في الخطاب الملكي بذكر عيد العرش، كان ترجيحًا لخيار على حساب آخر، ولم يقم بدور التحكيم، بل إن المغرب يعاني نظريًا وعمليًا في الإدارات وداخل نظم التعليم، من إقصاء اللغة العربية التي تعتبر اللغة الرسمية في الدستور، لكن واقع الحال يبقي النفوذ في الإدارة والإعلام والتعليم للوبي الفرنكفوني ومعه إبقاء التقدم للغة الفرنسية على حساب العربية في النظام التعليمي.
اا



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك