الدين والعلم: ارتقاء بالإنسان وبناء للحضارة الراشدة.. مقاربات ونماذج (2)

9 ديسمبر , 2015

3) علي عزت بيغوفيتش وثنائية العبادة والأداة أو الثقافة والحضارة

الدين والعلم إحدى الثنائيات التي حكمت المفكر البوسني عزت بيغوفيتش أو بحق المفكر الإنساني العالمي في رؤيته المعرفية لتفسير الكثير من الظواهر الاجتماعية والوجودية، معتمداً في ذلك عدة من المفاهيم والمقاربات التي قام بتطويعها من أجل فحص وترتيب كل ما يخدم الإنسان والمجتمع في بعده الجواني، والذي يجد ضالته في كل من الدين والفن بمختلف تلويناته (موسيقى رقص معمار…)، والأدب، وهذه الأشياء جميعها تنتظم في سؤال الثقافة الذي يعد خصيصة إنسانية بامتياز يمتد إلى العبادة الأولى التي مارسها الإنسان الأول، وهذا النزوع في الإنسان هو فطري يشكل الدين والتدين أرقى نماذجه، بحيث يرسم البوصلة الوجودية للإنسان ويحقق ذاته الجوانية من خلاله، ويشكل الإسلام أرقى تلك النماذج التي تحقق هاته الغاية والمطلب ضمن باقي النماذج التي درسها بيغوفيتش بعناية.

ويقارب بيغوفيتش مفهوم العلم بوصفه الأساس الذي ترتكز عليه الحضارة التي تعني التقدم المادي، ويقدم بيغوفيتش النموذج المادي المعاصر باعتباره نقيض للإنسان والإنسانية ذات الأصالة في طابعها الديني، وهو الذي قام عليه الأنموذج الحضاري المعاصر؛ وبذلك يقدم بيغوفيتش نقداً مبطناً لعلاقة العلم بالدين في السياق الغربي، وهي العلاقة التي انبنت على فصام وصراع يؤدي إلى إلغاء أحدهما الآخر، وبالقدر الذي كانت الكنيسة تمارس الحجر على التفكير العلمي بقدر حجر العلم على الدين المتمثل في التفكير الكنسي، بل وصل إلى حد اعتبار كل الدين جزء من مركب التخلف والتعبير البدائي للإنسان، الذي يمكن تجاوزه من خلال عقلانية مادية أو علم تجريبي لم يقتصر على العلوم الدقيقة، وإنما تم تصدير كل مقولاته لمختلف المجالات المعرفية.

4) طه عبد الرحمن: تخليق العلم

يعتبر المشروع الفلسفي النقدي للفيلسوف طه عبد الرحمن أهم المشاريع الفسلفية النقدية التي توسلت مختلف آليات النقد والتفكيك لمقولات الحداثة في أفق تركيب أنموذج متسم بالتكامل، ولعل نقده في “سؤال الأخلاق”، ينتقد توجه الحضارة الغربية نحو تقديس العقل، معتبراً إياها حضارة لوغوس، في مقابل الحضارة الإسلامية التي عنت بالجانب الروحي حيث يمكن أن توصف بأنها حضارة “إيتوس”، والإنسان في حقيقته وماهيته “كائن متدين”(انظر كتاب روح الدين إلى جانب سؤال الأخلاق)، ولذلك نجد عند طه عبد الرحمن اهتمام بالجانب الأخلاقي في كل أطروحاته النقدية المتعددة، باعتبار الأخلاق جوهر الدين وأساسه، فعاب على المقاصديين اعتبارهم الأخلاق في ذيل الترتيب الثلاثي لتقسيم المقاصد، واعتبر أن أمة قال نبيها “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” لا يمكن أن يضع علماؤها البعد الأخلاقي في بناء الشخصية الإنسانية وتوجيه العقل المسلم فيما دون الضروريات، وعلى هذا الأساس أعاد النظر في تقسيم العلماء للمقاصد (ينظر كتابه تجديد المنهج في تقويم التراث)، وهكذا نهج في كل كتبه، حيث نجد خلاصاته متصلة أشد الصلة بالجانب التزكوي للإنسان إلى جانب الانفتاح النقدي على الحداثة الغربية.

ختاماً.. إن إشكالية الدين والعلم منذ أن أثيرت في عصر النهضة، ظلت مثيرة للكثير التفاعلات النقدية بين رؤى متعددة، وقد كان التأسيس لمثل هاته الثنائيات قائم على أساس الصراع وليس التكامل في السياق الغربي، حيث احتكرت الكنيسة الحديث باسم الدين وصارت ممثلة له، وبتحالفها مع الإقطاع وعلاقتها مع النظم الحاكمة، فإنها كانت تنظر لاكتشافات العقل في مختلف صنوف العلوم والمعارف باعتبارها تمرداً على سلطتها وخروجاً على الحدود المرسومة، خصوصاً إذا كان التفكير العلمي يؤدي إلى التشكيك في مقولات كنسية أو يتناقض معها ويهدد شبكة علاقاتها السياسية والاجتماعية، فلم تكن العلوم الحقة وحدها مصدر تهديد، وإنما كل الإنتاجات في العلوم الإنسانية والاجتماعية والآداب والفنون، ويكفي الإشارة إلى أن قاعدة النهضة الأوربية كان مستهلها متصلاً بالإصلاح الديني الذي سيفتح منفذا للعقل والتفكير الأوربي للخروج من سلطة الكنيسة في مجال الفكر والأدب ثم تليها الثورة التكنولوجيا، وكل هذا التطور في المعارف الذي انطلق من تحرير التفكير من سلطة الدين في الكنيسة سيليه إحداث حالة من التناقض الحاد بين الدين والعلم، فتطور العلم على أنقاض التفكير الكنسي.

إن هذا الأنموذج في صيرورة الثنائيات داخل الفكر الغربي، ستنتقل مع أول احتكاك له مع العقل المسلم إلى البيئة الإسلامية في نهاية القرن 19 عشر وبداية القرن العشرين، مع المستشرقين ثم البعثات العربية التي درست بالغرب، ويؤرخ لنا نهاية القرن 19 سنة 1883 المناظرة الشهيرة بين بين المستشرق إرنست رينان ورائد النهضة الإسلامية المعاصرة وموقظ الأمة من سباتها العميق كما وصفه مالك بن نبي، صاحب فكرة الجامعة الإسلامية الإمام جمال الدين الأفغاني ، وقد كان عنوان المناظرة (في الأصل محاضرة لرينان بجامعة السوربون فرد عليه الأفغاني وجرى حوار بين العلمين سنخصه بمقالة خاصة) الإسلام والعلم، والتي نظر فيها رينان إلى الإشكاليات المتعلقة بها، باعتبارها قائمة على التضاد بين هاته الثنائيات من منظور الصراع بين الدين والعلم في السياق الغربي، بينما اعتبر الأفغاني العلاقات هي تكاملية كما شهدته الحضارة الإسلامية وينظمه التفكير داخل العقل المسلم، ومنذ ذلك الحين ونحن نجتر ذات التقاطب بين تيارين في علاقة الدين بالعلم، والحقيقة أن الرؤية الإسلامية لتلك العلاقة بين المفهومين قائمة على أساس التكامل، فالقرآن يرشد التفكير العلمي من خلال قيم كما التفكير والتفكر في سنن الله وخلقه وإدراك القوانين التي يعمل وفقها الوجود وتسير على منوالها الحياة في تكامل بين الغيب والعقل، وذلك هو الكفيل بتحقيق الاستخلاف والعمران الرشيد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

يحيى عالم
يحيى عالم منذ 5 سنوات

تحية طيبة لك سي عماد على تفاعلك الكريم ومتابعتك للمقالات..مسألة العقل والدين اخي الفاضل المثارة أعلاه في المقال..ينبغي ان تكون تكاملية الطابع..اما الصراع فهو حادث مع الأنموذج الغربي في النهضة الحديثة..ويجوز ان نقول ان الصدام بين العقل والدين اتى في مرحلة ثانية بعد الاصلاح الديني..يعني ان القاعدة التي انبثقت منها النهضة الحديثة الاصلاح الديني اولا الذي حاول التشكيك وحذف المقولات التي تناقض او لا يقبلها العقل..وكل الحضارات تاريخيا كان الدين عاملا اساسيا فيها..فتوجه الانسان للماورائيات اصيل فيه..الدين فطري في الانسان..وقيل يمكن ان تجد مجتمعات بدون مسارح او مدارس..لكن تاريخيا لم يوجد مجتمعات دون معابد..فالانسان في حقيقته كائن متدين واخلاقي بمعنى اخر .. ولذلك التكامل بين الدين والعقل هو الكفيل بترشيد الحضارة الانسانية..لان اطلاق عنان العقل دون بعد اخلاقي يعني خراب البشرية واندحارها..

Avatar
عماد علالي منذ 5 سنوات

جميل استاذ يحيي .. انا اتابع مقالات باستمرار .. حيث تفكك فيها مجموعة من الظواهر المنتشرة في عالمنا العربي وغيرها … انا اردت اعلم من خلالك هل توجد علاقة تكاملية بين العقل والدين في اي من الحضارات عبر التاريخ .. فحسب المقال هناك فقط علاقات الصراع وفي الدين الاسلامي هناك تاسيس لعلاقة تكامل لا صراع لكن في الواقع لا السابق ولا الحالي هناك علاقات صراع .. يعني لم نتمكن من اجرأة علاقة التكامل تلك فهي فقط ظلت في كتا المثقفين ومواقف بعضهم … ولعل حالة العلم والعلماء الان خير داليل على ذالك … وفقنا الله واياك للخير

أضف تعليقك