الصحافة الاستقصائية: وللتعليم جزء مقسوم!

26 أبريل , 2015

(هذا المقال هو جزء من تغطية فريق شبكة زدني ضمن مؤتمر منتدى الشرق الذي عقد في اسطنبول مابين 16 و 20 إبريل).

العراق، سوريا، مصر، وبلدان عربية أخرى، تمر اليوم بظرف تجعلها بعيدة كل البعد عن الفعاليات والأنشطة التعليمية التي تسعى لنقل العقل والفكر لمراتب أعلى. ضمن الندوات التي حضرتها في “منتدى الشرق” بإسطنبول برفقة فريق زدني للتعليم، تيقنت بأنه ومن المناسب أن نقوم كمهتمين بالتعليم وطلاب، وصحفيين، وهذا ما ينطبق ليس فقط على العراق وسوريا ومصر فحسب، بل ينطبق على دول المنطقة العربية أجمع، وهو أن نقوم بعمل تحقيقات صحفية، عن واقع التعليم في مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية على طول وامتداد وطننا العربي، ونكشف ما يدور خلف جدران المدارس وواقع الطلاب فيها!
تحدث الصحفي بقناة الجزيرة الإنكليزية (كلايتون سويشر)، في ندوة ضمن جلسات “منتدى الشرق” عن الصحافة الاستقصائية في عصر المعلومات. استفدت من خلالها من تجربة مهنية ساهم الصحفي بقناة الجزيرة من خلالها بالكشف والبحث في قضايا معقدة وغامضة قام بها; في قضايا عدة أبرزها التحقيق في قضية موت الرئيس الفلسطيني الراحل “ياسر عرفات”، والتي كشف من خلال تحقيقه الاستقصائي أن عرفات مات مسموماً.
بعد ما أفادت به الندوة، وكمهتم بأمور التعليم، وأعمل في المجال الصحفي، تيقنت بأن بلادنا العربية وخصوصاً تلك التي يعم فيها العنف والحرب، هي الأن ليست بحاجة إلى ندوات ومحاضرات في التعليم وأساليب التدريس بقدر ما هي بحاجة إلى توثيق ما يمر به الطلاب من معاناة يومية، وانتهاكات واستهداف شبه دائم، وذلك من خلال عمل تحقيقات وبحث واستقصاء فيما وصلت ايه تلك المدارس والمؤسسات التعليمية.
بعيداً عن الشرح في هذا الجانب، اخذكم في مثال كنت قد عايشته أواخر أيام دراستي، عام 2014، التي نجيت منها بأعجوبة، في الأنبار غرب العراق! وذلك عندما استهدفنا كطلاب في الجامعة في خضم الحرب الدائرة هناك.
في تقرير نشرته عبر شبكة زدني، بعنوان “الأنبار؛ طلاب على خط النار!” تحدثت لنا زميلة الشهيدة التي راحت ضحية لطلقة قناص وقلبها يعتصره الألم، وعيناها تذرف الدمع بالبكاء؛ الطالبة في كلية الزراعة شابة صغيرة في مقتبل العمر وتدعى سما، ولأن الحرب لا تعرف الرحمة، ولا تميز بين الصغير والكبير، ولا تعترف بقوانين الحرم العلمي والجامعي فقدت حياتها بطريقة وحشية وبشعة. لم تستطع حنين أن تكمل حديثها وغلب عليها البكاء وتمتمت بـ “حسبي الله ونعم الوكيل على كل ظالم! بأي ذنب قتلت؟”.
تلك اللحظات التي مر بها الطلاب في الجامعة هي أحوج ما أن تكون لتوثيق وتحقيق استقصائي يوثق ويكشف مجريات الحادث، فبين هرب الطلاب عند سماع أول ضربة قناص صَوب اتجاه ساحة كليتهم، وبين صراخ وعويل بعض الطالبات لفقد إحدى زميلاتهن جراء رصاصة اخترقت رأسها وهي تؤدي إحدى الامتحانات! كان حال الطلاب بين الخوف والحذر والرجاء! هكذا هي القصة باختصار، وكذلك هو الحال في كلية المعارف الجامعة الاهلية، إذ استهدفت الكليتين؛ الزراعة والمعارف بطلق قناص قُتلت بسببه الطالبة في كلية الزراعة، قسم الثروة الحيوانية، سما ليث مؤيد، وأصيب اربعة اخرون بجروح متفاوتة.


للاطلاع على التقرير كاملاً، اضغط هنا: الأنبار؛ طلاب على خط النار!


تُرى كم حالة اشبه بهذه لم تسجل ولم توثق في بلاد كثر فيها الهرج والمرج؟
ليس هذا فحسب، وليس استهداف الطلاب هو وحده ما يحتاج منا لتوثيق واستقصاء، بل هناك قضيا عدة يتوجب علينا توثيقها والتحقيق فيها، كعمالة الأطفال في الشوارع وكيف أن كل طفل يعمل في الشارع سيكون مشروع للجريمة مستقبلاً. وهو ما قمت بعمل تقرير مفصل عنه، يتكلم عن عمالة الأطفال في العراق والذي في جاء فيه، بأن التربويون يتفقون “على أن الاطفال العاملين في الشوارع مهددين بشتى أنواع الانحراف، ومؤهلين للانتقال من الانحراف إلى الجريمة بتلقائية، فهم طعم سهل لمحترفي الجريمة ومروجي المخدرات، وتتجلى الخطورة في كون هؤلاء الاطفال يجتازون مرحلة مصيرية في تكوين شخصيتهم، مرحلة ذات تأثير حاسم على مستقبلهم وتوازنهم العاطفي والوجداني، وتعتبر هذه المحطة الخطرة رحلة محددة للمراحل اللاحقة والتي بكل تأكيد ستكون نتيجة وسبباً لما قبلها وسيكون الحال اسوء مما سبق”.


للاطلاع على التقرير، اضغط هنا: عمالة الأطفال في العراق.. قسوة وحرمان


وعن مثال آخر، من زاوية أخرى! اطلعت على إحدى البحوث في جامعة بغداد، تتساءل فيه الباحثة العراقية “زينب عبد الله محمّد” حول قوانين وزارة التربية العراقية بما يخص العقاب المدرسي، وهل هي التي تشرع العقاب في مدارسنا أم أن ثقافة مجتمعنا قائمة على هذا المنظور؟
تقول: “لقد نصت المادة (43) من نظام المدارس الثانوية في العراق رقم (2) لسنة 1977 المعدل على (أن المقصود من التأديب هو التوجيه والتقويم ومنع العقوبة البدنية بأي شكل من الاشكال منعاً باتاً)! إلا أن كتاب وزارة التربية سري وشخصي (768) في 4/2/2000 م ينص على (اعطاء فرصة التوجيه والتأديب للمعلم والمدرس وأخذ كل حالة لوحدها عند التحقيق وهل كان ضمن حدود المقبول).
وتشير الباحثة إلى أن القارئ لهذا الكتاب يستنتج (بأن هناك إقراراً لنوع الاجراء ولا يفهم منه إلا قرار بالعقاب البدني). وتلفت إلى أن وزارة التربية عادت بكتابها المرقم 19 في 8/1/ 2004م وقررت منع العقاب البدني للطلبة منعاً باتاً. فهل مدارسنا تطبق هذا القانون؟
إن الواقع الفعلي لما يدور في مدارسنا هو عكس ذلك لأن وزارة التربية لم تضع قوانين حازمة ضد المعلم أو المدرس في حالة استخدام العقاب البدني. فالعقاب قد يكون وسيلة تـنفيـذيـة للسلطة التي في عدم كفايتها تشكل سبباً لفقدان الضمانة، فضعف السلطة يسهم في إضطراب دينامية الطفل العلائقية من الاضطراب الذي يربك عمليات التكيف.
الخلاصة من المثال السابق، وكل الأمثلة وصولاً إلى المثال الأخير، أن نبحث ونحقق ونستقصي الحقائق في قضايا تعليمنا العربي، وصولاً إلى التحقيق والبحث في القوانين الخاصة بالتربية والتعليم في مؤسساتنا التي تعنى به، ونقف على أبرز النقاط التي تسبب لنا ولأجيالنا عدداً لا بأس به من المشاكل!

منتدى الشرق – استشراف المستقبل2015



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك