العلم في خدمة الإعاقة والكمبيوتر يحرك الأطراف المشلولة

15 نوفمبر , 2018

منذ سنوات، والأطباء عاكفون على البحث عن وسيلة تمكّن المقعدين بالشلل من استعادة الحركة من جديد. وبينما أثمرت محاولة في ” لندن ” لتنبيه عضلات المشلولين بالتيار الكهربائي، فإن محاولة جريئة تأتي من الولايات المتحدة وتهدف إلى استعادة القدرة على الحركة بالاستعانة بالجهاز السحري: الكمبيوتر!

على السطور التالية ننظر إلى تلك المحاولات، ونتعرف على مدى النجاح الذي حققته حتى الآن.

 

التنبيه بالتيار الكهربائي:

كـان العـالم الإيطـالي “لويجي جالفاني Luigi Galvani”، أول من لفت انتباه الأوساط العلمية والطبية إلى أن عضلات الجسم يمكن تحريكها باستخدام تيار كهربائي ضعيف! وقد أجرى تجربة بسيطة لإثبات ذلك، فقام بتمرير تيار كهربائي ضعيف في أعصاب ساق ضفدعة – بعـد تشريحها – فاستجابت عضلات الساق بالحركة!

 

 

من منطلق هذه الحقيقة التي كشف النقاب عنها ” لويجي جالفاني ” في القرن الثامن عشر، حاول أطباء القرن الحادي والعشرين تحريك العضلات في سـيقان المصابين بالشلل النصفي، بتمرير تيار كهربائي ضعيف في أعصاب الساق! وغني عن الذكر أن تطبيق التجربة على ضفدعة بعد تشريحها في المعمل، أمر مختلف تمامًا عن تطبيقها على إنسان حي. بتعبير آخر، فإن نقل الفكرة من حقل التجريب على الحيوان في المعمل إلى حقل التطبيق على الإنسان في الحياة، احتاج إلى بحث متطاول من ناحية، وإلى تقدم تكنولوجي يجعل التطبيق ممكنًا من ناحية ثانية.

 

المشلول إنسان انقطعت الصلة بين أعصاب أطرافه وبين مخه، بحيث لم يعـد ممكنًا تحريك تلك الأطراف. (المقصود بالأطراف في هذا السياق، الطرف العلوي ويتكون من الكتف والساعد والذراع واليد، والطرف السفلي ويتكون من الفخذ والساق والقدم).

وسواء أكان الشلل في نصف طولي من الجسم ( Hemiplegia ) بحيث يشمل طرفًا علويًا وآخر سفليًا في الجانب الأيمن أو الأيسر من الجسم، أو كان الشلل في النصف السفلي من الجسم (( Paraplegia  بمعنى أن يشمل الطرفين السفليين الأيمن والأيسر، أو كان الشلل في الأطراف الأربعة ( Quadriplegia ) فإن النتيجة النهائية واحدة، وهي انعدام الحركة انعـدامًا تامًا في الطرف المصاب بالشلل.

ويترتب على انعدام الحركة ضعف الدورة الدموية في الطرف المشلول وضمور العضلات، فضلًا عن جمود العضلات بمرور الزمن وفقدان ليونتها الطبيعية.

ونظرًا لصعوبة استعادة الصلة بين الأعصاب في طرف مشلول وبين المخ، فإن الأمل في تحريك عضلات الطرف المشلول يتوقف على تنبيه الأعصاب في ذلك الطرف بالتيار الكهربائي. ولن نستطرد هنا إلى استعراض الأسباب والعوامل والأمراض التي يمكن أن تؤدي إلى الشلل، وإنما سنقصر الكلام على الجهود المبذولة لتحريك أطراف المشلولين.

 

في ” لندن ” تصدى الطبيب ” ج. س. بريندلي G. S. Brindley “، أستاذ علم الأعصاب في جامعة لندن، لمحاولة تحريك أطراف المشلولين المصابين بشلل النصف السفلي من الجسم. ومع الفريق المشترك في المحاولة، تمكن الأستاذ بريندلي من زراعة أقطاب كهربائية تحت الجلد يمكن توصيلها بتيار كهربائي من خارج الجسم. وفي مرحلة متقدمة من البحث، أمكن زراعة دوائر كهربائية كاملة حول الأعصاب الرئيسية في الأطراف المشلولة. وعن طريق هذه الدوائر أمكن تنبيه الأعصاب، وبالتالي إحداث حركة في العضلات.

 

 

وعلى الرغم من أن محاولة ” مجموعة لندن ” – كما تسمى – تعتبر محاولة متواضعة للغاية، إذْ لم ينتج عنها أكثر من تحريك عضلات الأطراف المشلولة حركة فردية غير متناسقة، لا يتمكن معها المشـلول من المشي من جديد، إلا أنها تعتبر محاولة جد ناجحة على صعيدين:

فعلى الصعيد الأول، أدت هذه المحاولة إلى صناعة دوائر كهربية من موادَّ خاصة لا تتآكل في الجسم مع مرور الزمن!  فقد صُنعت ” الأقطاب الكهربائية ” ” electrodes ” من الذهـب والبلاتين، بينما غُلفت اتصالات الأقطاب الكهربائية مع الأعصاب بغلاف من المطاط المصنوع من معـدن السيليكون. وإنتاج هذه المواد في حد ذاته يعتبر نجاحُا كبيرُا، إذْ يمكن استخدامها في كل محاولات المستقبل لتحريك أطراف المشلولين، مما يوفر كثيرُا من الوقت والجهد في البحث، ويختصر العمل ويوجهه إلى خطوة متقدمة.

على الصعيد الثاني، فإن زراعة الأقطاب الكهربائية في أطراف المشلولين جراحيُا، فتح الباب لمعرفة أفضل السبل الجراحية لزراعة تلك الدوائر في الجسم، فضلًا عن تحديد أفضل المواقع لها داخل الجسم، ومرة أخرى، فإن ذلك من شأنه أن يختصر الوقت والجهد ويوجه العمل إلى خطوة تالية.

وفضلُا عن النجاحين المذكورين، فإن محاولة مجموعة لندن تعتبر ومضة أمل في إمكانية استعادة الحركة في الأطراف المشلولة، مما قد يشجع باحثين آخرين للعمل على تحقيق الهدف المنشود.

 

محاولة جريئة:

بينما كان فريق البحث في ” لندن ” يقوم بعمله لتنبيه عضلات المشلولين باستخدام التيار الكهربائي، كانت تجرى في الولايات المتحدة محاولة جريئة لتمكين المشلولين من المشي من جديد باستخدام الكمبيوتر! وقد ولدت فكرة استخدام الكمبيوتر في هذا الغرض في رأس باحث يدعى ” جيرولد بيتروفسكي Jerrold  Petrofsky “. وهو رجل يحمل درجات علمية عليا في عدد من العلوم الطبية والتقنية، تؤهله للنهوض بالفكرة والخروج بها إلى حيز الواقع.

 

في جامعة ” رايت ستيت Right  State ” في ولاية “أوهيو Ohio” الأميريكية، حيث يعمل الطبيب العلامة “بيتروفسكي”، تكون فريق عمل من علماء ومتخصصين لا يقلون كفاءة عن صاحب الفكرة. وقد بدأ الفريق عمله وهدفه هو تمكين مصابي الشلل من المشي من جديد!

 

ربما يقفز هنا سؤال هو: ما دور الكمبيوتر في تحقيق الهدف المنشود؟! الإجابة على ذلك أن تحريك أي عضلة في جسم الإنسان، فضُلا عن تحريك مجموعات العضلات في أي طرف من أطراف الجسم، عملية بالغة التعـقيد يهيمن عليها المخ، وتحمل الأعصابُ أمرَ المخ إلى العضلة بالحركة، وعن طريق عمليات كيميائية بالغة السرعة والتعـقيد تنفذ العضلةُ الأمرَ.

والدور الرئيسي في هذه العملية المعقدة هو دور المخ. فهو يصدر الأمر، ويعـين مقدار الحركة واتجاهها وزمنها. ثم إن أي شعور بالتعب أو الإجهاد في العضلة يتم استقباله وتفسيره في المخ، وبناء على ذلك يعدل المخ أوامره أو يلغيها بالمرة! أما سلسلة الأحداث المترتبة على صدور أوامر المخ، من قيام الأعصاب بتوصيل الأوامر، إلى حدوث التغييرات الكيميائية في ألياف العضلة، وانتهاء بتنفيذ أمر المخ بالحركة، فكلها ثانوية. بمعنى أنه ما لم يكن هناك توجيه من المخ، فإن واحدًا من تلك الأحداث لن يقع. وبمعنى أنه إذا أمكن إحلال ” مخ صناعي ” يقوم بدور المخ الطبيعي، فإن سلسلة الأحداث ستتم إلى منتهاها!

وعلى ذلك فإن الدور المنوط بالكمبيوتر في هذا المجال هو القيام بدور المخ. فهل يمكن تحقيق ذلك؟!

للوهلة الأولى يبدو أنه من المستحيل تحقيق هذا الهدف البعـيد. فعضلات الجسم متصلة بالمخ بشبكة معقدة من الأعصاب، فضلًا عن أن مفاصل الجسم لها اتصالاتها الخاصة بالمخ لحفظ توازن الجسم أثناء الحركة! كما أن عمل الجهاز العصبي في الجسم قائم على أساس ” التغذية الاسترجاعية feedback “، بمعنى تبادل الرسائل العصبية في اتجاهين من المخ وإليه.

مثال ذلك إرسال أوامر بالحركة إلى مجموعة عضلات معينة في طرف معين. فعندما تتم الحركة، تصل إشارة إلى المخ بأن الحركة المطلوبة نُفذت وأن الوضع المراد اتخاذه من الحركة قد تحقق. وعندها ينقطع أمر المخ إلى مجموعة العضلات المعنية بالحركة، فتسترخي تلك العضلات في وضعها الجديد!

هل يستطيع كمبيوتر تحقيق هذا التناسق البديع بنفس السرعة والكفاءة؟! وكيف السبيل إلى ذلك؟!

 

برنامج الكمبيوتر:

بدأت تجارب فريق ” بيتروفسكي ” باستخدام كمبيوتر يزن سبعين كيلو جرامًا ( 70 كجم ) ويصل ثمنه إلى مائتي ألف ( 200,000 ) دولار. وكان الهدف من التجارب الأولية تحقيق درجة من ” التغذية الاسترجاعية ” بين طرف المصاب بالشلل وبين الكمبيوتر، على غرار ما يجري في الجسم. وللوصول إلى ذلك، زود حذاء المصاب بالشلل بأجهزة استشعار تنقل إلى الكمبيوتر معلومات مثل: هل القدم ملامس للأرض؟ وما هو مقدار الضغط الواقع على القدم؟ والسؤال الثاني يفهم منه ما إذا كان الشخص واقفًا أو جالسًا! وبالمثل أمكن تزويد العضلات في الطرف المشلول بأجهزة استشعار حرارية، وأجهزة استشعار موضعية – أيْ تبين الوضع الذي يأخذه الفخذ أو الساق نتيجة الحركة.

أما الإحساس بحركة المفاصل، فقد أمكن تحصيله باستخدام ” جايروسكوب gyroscope ” – آلة تستخدم لحفظ توازن الطائرة أو الباخرة ولتحديد الاتجاه – متناهٍ في الصغر، حصل عليه فريق البحث من وكالة “ناسا” لأبحاث الفضاء.

وقد أمكن زراعة ” جايروسكوب ” في كل واحد من مفاصل الطرف السفلي، وهي رسغ القدم والركبة و مفصل الفخذ.

أما تنبيه الأعصاب بتيار كهربائي، فقد أمكن تحقيقه – كما فعلت مجموعة لندن – بزراعة أقطاب كهربية تحت الجلد.

 

والتقدم الذي أحرزته “مجموعة أوهيو ” على مجموعة ” لندن ” هو أنها أضافت أجهزة استشعار ( sensors ) لقياس النشاط الكهربائي في الأعصاب والعضلات. وعن طريق هذا القياس يمكن أن يعرف الكمبيوتر ما إذا كانت العضلات مصابة بالإجهاد أم لا! إذْ كلما تعبت العضلات، كلما طال الوقت الذي تستغرقه للاستجابة للتنبيه الكهربائي.

 

على أنه لم يكن عمليًا بالمرة استخدامُ كمبيوتر يزن سبعين كيلو جرامًا لتحقيق الهدف المنشود. لذلك عمل فريق البحث طوال الوقت على اختزال حجم الكمبيوتر تدريجيًا، إلى أن أمكن تصغيره إلى حجم علبة صغيرة يماثل تقريبًا حجم الآلات الحاسبة الصغيرة! كذلك لم يكن عمليًا توصيل جسم المريض بشبكة معقدة من الأسلاك والتوصيلات، تربط بين الأجهزة المختلفة التي سبق ذكرها وبين الكمبيوتر. وقد جاء الحل في زراعة ” مُعَامِل صغـير  micro – processor ” في الساق، يقوم بدور همزة الوصل بين الكمبيوتر وبين الأجهزة المختلفة، فيرسل إلى الأجهزة أوامر الكمبيوتر، ويرسل إلى الكمبيوتر المعلومات الواردة من الأجهزة المختلفة!

ولكي تكون جميع الأجهزة المستخدمة عملية، جرى توفير جهاز صغير ببطارية قوية، لتزويد الأقطاب الكهربائية بالتيار اللازم للعمل. ولا توجد صلة مباشرة بين الأقطاب الكهربائية المزروعة في الجسم، وبين جهاز الإمداد بالطاقة، وإلا كان معـنى ذلك تزويد الجسم بعدد من الأسلاك تربط بين الجهازين. وإنما الصلة تأتي من ” هوائي aerial ” صغير يتصل بجهاز توليد الطاقة. ويمكن لصق الهوائي على سطح الجلد فيقوم بإرسال التيار الكهربائي من المصدر خارج الجسم إلى الأقطاب الكهربائية داخل الجسم، بنفس طريقة إرسال موجات الراديو!

إلى هنا يبدو أن مجموعة “بيتروفسكي” نجحت في تحقيق المعجزة وتمكين مصابي الشلل من المشي من جديد. لكن الحلم ما يزال بعيد المنال! فبعـد تخطي كل العقبات المتعلقة بابتكار الأجهزة اللازمة وتجريب صلاحيتها للاستعمال، بقيت عقبة رئيسية وهي برنامج الكمبيوتر!

كيف يمكن برمجة كمبيوتر صغير الحجم ليقوم بالعمل المتناسق البديع الذي يقوم به المخ؟! يجب أن يبرمج الكمبيوتر بحيث يكون قادرًا على إرسال واستقبال عدة إشارات معقدة في أكثر من اتجاه، لتستطيع العضلات أن تؤدي حركة المشي بالدقة المطلوبة.

هذه هي المرحلة التي وصل إليها مشروع ” بيتروفسكي ” الجريء. وعلى الرغم من أن فريق العمل – وعلى رأسه صاحب الفكرة – لم يفرغ بعـد من حل معضلة برمجة الكمبيوتر، إلا أن العمل يجري بمثابرة لاجتياز تلك العقبة.

 

وتستخدم الأجهزة المختلفة المتضمنة في البرنامج ( أو المشروع ) لعـمل تمرينات لعضلات المشلولين بنجاح كبير. وإلى الآن، فقد استطاع مريض واحد، وهي فتاة أميريكية في العشرين من عمرها، استخدام دراجة في الحركة، بفضل تلك الأجهزة. ويبدو أن اليوم الذي تتحقق فيه الفكرة، فيقوم الكمبيوتر بالعمل، لن يكون بعيدًا!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك