العنف المدرسي

12 نوفمبر , 2014

كثيرًا ما نتكلم عن العنف دون أن نحدد معانيه بدقة، و قد تختلط تلك المعاني بمفاهيم مثل العدوان، و استخدام القوة و الإيذاء و يزداد الأمر تعقيدًا حين نلحظ أن الباحثين صاروا يصنفون العنف إلى أصناف عديدة كالعنف السياسي والديني و الأسري و أخيرًا العنف المدرسي.

و في الحديث الشريف، عن النبي محمد صلى الله عليه و سلم، بأن “الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”.

شبكة زدني، تفتح ملف العنف المدرسي بأوجهه المتعددة، و توضح بالتفصيل كل ما يتعلق به، و ذلك عبر سلسلة تقارير تنشر تباعًا عبر صفحاتها. الشبكة و في إعدادها لهذه السلسلة أطلعت على دراسة ميدانية أجريت في مدينة بعقوبة محافظة ديالى العراقية، و تقدمت بها الباحثة العراقية “زينب عبد الله محمّد” إلى جامعة بغداد عام2005م، و تبحث الدراسة في دور البيئة المدرسية في سلوك “العنف”.

ترى الباحثة العراقية زينب عبد الله أن أهداف المدرس في استخدام العنف ضد الطالب لا تتطابق مع استخدام العنف ضد الطالب الآخر فالمدرس قد يسوغ فعله على أساس أن العنف هو أسلوب أو آلية لابد منها لضبط سلوك الطالب و تربيته، أما الطالب فإنه حين يستخدم العنف ضد الطالب الآخر فإنه ينطلق من مصالح ذاتية تختلف في مضامينها عن أهداف المدرسة.

لذلك فإن خصوصية العنف المدرسي تنعكس على العملية التربوية، فقد لاحظ كثير من العلماء و الباحثين أن (المعلم – المدَّرس) يشكل في سلوكه  (60% ) من نجاح العملية التربوية بينما تكمل المناهج و الكتب و الأنشطة المصاحبة و الإدارة المدرسية ( 40% ) من الباقي، و مع ذلك فإن المعلم لا يبتكر السلوك العنيف بل هو في مجتمعنا جزء من مرجعيته التربوية على الرغم من أن هذه المرجعية قد لا تكون متطابقة مع المرجعية الإسلامية التي حثت على الرفق بدلاً من العنف كما إن مرجعية العنف قد لا تكون عقلانية بالضرورة حتى إذا كان الفاعل يعتقد أن فعله العنيف عقلاني لأن العنف المدرسي قد يؤدي إلى نتائج معكوسة أو تناقض ما تستهدفه التربية من بناء للشخصية و التدريب على الأدوار الضرورية للحياة الاجتماعية.

فالعنف المدرسي هو “ذلك الفعل الذي يقع في إطار البيئة المدرسية التي تضم أطرافاً عدة لعل في المقدمة منها المدرس و الطالب”.

و العنف سلوك لا اجتماعي تتضافر على تشكيله عدة عوامل مركبة منها اقتصادية، سياسية، اجتماعية، ثقافية، تربوية.

و هذه العوامل تتفاعل و تترابط و تؤثر بعضها على بعض سلبًا و إيجاباً، إلا أن تأثير هذه العوامل ليس واحدًا و يختلف من مجتمع لآخر تبعًا للتركيب الاجتماعي و الثقافي و السياسي و الاقتصادي و ما يكون طبيعيًا و مقبولاً في مجتمع ما يكون غريبًا و مرفوض في مجتمع آخر.

و قد حظي موضوع العنف بإهتمام الباحثين في الآونة الأخيرة، كالعنف الأسري، و العنف الديني فضلاً عن العنف السياسي و الاجتماعي و الإعلامي و أخيرًا العنف المدرسي.

فالعنف المدرسي أصبح ظاهرة تقلق المجتمعات و خصوصًا النامية منها فالطفل ينشئ على ثقافة معينة يكون من الصعوبة تغيير ثقافته في فترة قصيرة دون وجود مؤثرات تجعل من التغيير أمرًا سهلاً و يسيرًا.

إن الحديث عن موضوع لا ينبغي أن نقف عند رصده و إنما ينبغي الغوص به و وضع المعالجات له خصوصًا و إنه يهم شريحة مهمة في المجتمع ألا و هي الأطفال التي باتت منطلقًا و غاية لأية عملية تنموية بشرية و إنسانية لأن التنمية أساسًا هي من أجله فالتحسن في وضع الطفل ينعكس على جميع مجالات الحياة في المجتمع و من ثم يقترن مؤشر التنمية في أي مجتمع بوضع الطفل أي أن المجتمع سيكون بخير طالما الطفل بخير، خاصة أن تقارير المنظمات الدولية حول وضع الطفل في العالم عامة و في الدول النامية خاصة و منها منطقتنا العربية لا تبشر بخير.

و في خضم هذه الظروف تبرز أهمية المدرسة لأن الغرض منها اجتماعي بالدرجة الأولى فضلاً عن دورها الحيوي في العملية التربوية و يصبح دورها سلبيًا إذا كانت بيئتها تتميز بالعنف مما تسهل على المتعلم اكتساب هذا النوع من السلوك خاصة و أن مسؤولية المدَّرس تتجاوز طرق التدريس لتشمل القيم و الأفكار و المبادئ التي تكتسب أثناء عملية التعلم الاجتماعي خاصة إذا كانت غير تربوية مما يؤدي إلى نشوء ظواهر سلوكية غير مرغوب فيها كالعدوانية و الهروب و القلق و الخوف و ضعف التكيف مع المحيطين به و قد أشار إلى ذلك الدكتور علي الوردي حين قال: بأن أهم مصادر العنف هو البيئة القاسية.

 كان الهدف من البحث هو الكشف عن تأثير كل من الموروث الثقافي و الحالة الاقتصادية و الحالة الانفعالية و الخبرة التعليمية على ممارسة المدرسين لسلوك العنف مع الطلاب، و ما مدى تأثير ذلك السلوك على إحباط الطلاب و إنخفاض المستوى الدراسي و تدمير الممتلكات المدرسية و ما مدى تقليد الطلاب لذلك السلوك.

و أشارت الدراسة الميدانية إلى تأثير الحالة الانفعالية و الخبرة التعليمية و العامل الاقتصادي في ممارسة المدرسين لسلوك العنف فضلاً عن تأثير القوانين و التعليمات في الحد من سلوك العنف ضد الطلاب.

 في حين جاءت نتائج الدراسة المتعلقة بالطلاب بأن لسلوك العنف الذي يمارسه المدرسون تأثير على إحباط الطلاب و انخفاض المستوى الدراسي و تدمير الممتلكات المدرسية، في حين لم تكن هناك فروقًا دالة إحصائيًا بين سلوك العنف للمدرسين و تقليد الطلاب لهذا السلوك ألا أن نسبة تأثيره كانت 23%.

هذا و إن دور المدرسة يأتي بالدرجة الثانية بعد البيئة الأسرية في تشكيل شخصية الطفل و تصبح نسبة كبيرة من حياته خاضعة لها و لثقافتها و يتعامل يوميًا مع الكثير من المعلمين الذين ينتمون إلى ثقافات و بيئات متباينة تؤثر في سلوكه المستقبلي و قد أشار أحد المربين إلى أهمية المدرسة بقوله: “هناك خمسة مؤسسات رئيسة تتولى أمر الحضارة و هي البيت، المدرسة، الدولة، مؤسسة الدين، مؤسسة العمل”.

و يكتسب الطفل خلال تفاعله مع البيئة المدرسية كثيرًا من السلوكيات خلال عملية التعلم الاجتماعي منها سلوك العنف، فبدلًا من أن تكون المدرسة طاردة لسلوك العنف قد تكون حاضنة له و قد يصدر سلوك العنف من بعض المدرسين عن وعي أو غير وعي و من المؤكد أن المدرسة ليست المسئولة الوحيدة عن تفشي مثل تلك الظاهرة السلوكية و لابد من أن تلعب دورها في التصدي لها و منع استفحالها و ذلك باستقصاء كل ما من شأنه أن يوفر البيئة و الجو المساعد على ظهورها.

عن كل هذا، و بتفاصيل دقيقة في سلسلة تقارير، تبدأ شبكة زدني بنشرها تباعًا، و كلها أمل بأن تعم بيئتنا المدرسية أجواء الرحمة و المودة بعيدًا عن العنف و سلوكياته.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك