الفلسفة للأطفال: التجربة الفرنسية (2)

10 يونيو , 2016

بدأ التفكير فعلاً في تدريس الفلسفة للأطفال في فرنسا منذ نهاية السّتينيات، حيث اهتمّ المختصون في علوم التربية والتعليم بمسألة تدريس هذه المادة للأطفال والتلاميذ قبل المرحلة الثانوية لعدّة أسباب تعود أهمّها إلى كون سياسة التعليم الفرنسية قبل ذلك الوقت قد بدأت تضع الطّفل في محور اهتماماتها، وبالتالي كانت الفلسفة ردّ فعل تلقائي جعل المهتمين يفهمون بأن الطريق نحو فهم الطفل وضروراته ونظرته للعالم والأشياء من حوله لن تتمّ خارج نطاق الفلسفة. لأنها قبل أن تكون كُتبًا فكرية وفلسفات معقّدة، هي فنّ طرح الأسئلة وتمرين الدماغ على التفكير قبل كلّ شيء.

دعم من “اليونسكو”

اتبعت بعض دول العالم الأخرى نفس الفكرة منذ الثمانينيات، غير أن فرنسا لم تخطُ خطواتها العَملية الأولى في طريق تطبيق الفكرة إلا في نهاية التسعينيات.

كان الأفراد الذين قادوا هذه المبادرة في البداية مُدرّسين تخرجوا من تخصص الفلسفة (مثل: آن لالان، باسكال سونزونيه أو جون شارل بيتييه) برفقة بعض أساتذة معهد تكوين المعلّمين (مثل: مارك بيلول، إيمانويل أورياك بيرونيه)، والذين حاولوا بعد اكتشافهم لنموذج “ماتيو ليبمان” (الذي تحدثنا عنه في الجزء الأول أن يخصّصوا دورات تكوينية مستمرة للمعلّمين في مادة الفلسفة. ثم بدأ الاهتمام يتزايد حتى وصل لبعض الحركات التربوية الفرنسية وأصبح الموضوع يُعتمد كفكرة أساسية في أبحاث الدكتوراه، ثم انطلق بعض النّاشطين في تطبيق الفكرة على أرض الواقع.

في الوقت الحالي تُعتبر هذه الفكرة منتشرة بما يكفي في أوساط المهتمّين ومطبّقة في العديد من المدارس الابتدائية أو رياض الأطفال التي تخصص ورشات للفلسفة مع الأطفال.

قامت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بدعم هذه الشبكة من المهتمين سنة 2006 بما أن الاجتماع السنوي كان يدور حول موضوع اليوم العالمي للفلسفة. حيث أكدّت المنظمة أن مسألة تدريس الفلسفة للأطفال تعتبر إحدى أبرز أولوياتها الحالية.

ميزة التجربة الفرنسية

عكس الطريقة المتبعة في تدريس الفلسفة للأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية، تتميز التجربة الفرنسية باختلاف النماذج المُعتمدة.

هناك نموذج ماتيو ليبمان الذي يتطلب قراءة مقاطع من روايات فلسفية مخصصة للأطفال في مجموعات، ثم السماح لهم بطرح الأسئلة والتركيز على سؤال واحد للمناقشة معهم، فلا يتدخل المؤطّر إلاّ لإعادة طرح النقاش أو السّهر على البقاء في نفس الموضوع.

النموذج الثاني المعتمد في فرنسا هو نموذج جوزيف ليفين الذي يترك للأطفال وقتًا كافيًا للنقاش فيما بينهم ثم يتدخل المؤطّر في النهاية للعودة إلى أفكار كلّ طفل على حدة.

النموذج الثالث هو نموذج ميشيل توزي الذي يتطلب اختيار موضوع وترك فرصة التعبير للأطفال، ثم التحكم في النقاش بطريقة جزئية فقط. وهنا يتم التركيز على 3 قُدرات يجب تنميتها لدى الأطفال:

  1. القدرة على إنتاج المفاهيم.
  2. القدرة على وضع الإشكاليات.
  3. القدرة على البرهنة والإقناع.

وأخيرًا يُستعمل نموذج أوسكار برينيفر المُستلهم من طريقة الفيلسوف اليوناني القديم سقراط، والذي يؤكد على التدخل الكامل للمؤطّر في النقاش حتى يتمكن من جعل الطفل قادرًا على تحديد أفكاره بدقّة كبيرة.

الفلسفة منذ سنّ الرابعة

التجربة الفرنسية تعتمد على هذه النماذج المختلفة منذ سنوات، وتحاول تطبيقها في بعض المدارس ورياض الأطفال منذ سنّ الرابعة. لكن أليس هذا مبكّرًا جدًا؟

يؤكد ماتيو ليبمان على أن الفلسفة هي تعلّم التفكير بشكل جيد، ولهذا يُعتقد بأن العُمر المبكر (4 سنوات) مهمّ جدًا لترسيخ هذا الأسلوب في التفكير.

خلال ورشات الفلسفة التي تُقام بشكل أسبوعي، يتمكن الأطفال من التعبير عن كلّ ما يدور بأذهانهم دون رقابة، وهذا يجعلهم يطرحون أفكارًا وجد الباحثون أن معظمها مصدره الأفكار المسبقة التي يتلقّونها من المجتمع.

ولهذا من الخطير دومًا أن يكبر الطفل مع هذه الأفكار المسبقة التي تكون خاطئة في معظم الأحوال.

نتائج التجربة

بما أنه يتم تدريس هذه الفلسفة خارج البيت فإن أول مكان يمكن أن يخطر ببالنا أن نبحث فيه عن نتائج هذه التجربة هو البيت نفسه.

يُؤكد الوالدين في هذه الحالة على التغير الذي يحدث مع أطفالهم على عدّة مستويات. عندما يتم طرح أسئلة عليهم فإن طريقتهم في الإجابة تتغير بدرجة كبيرة عن السابق. كما أن تلقّيهم للأمور الجاهزة يصبح محدودًا للغاية.

وهكذا يصبح بإمكان الطفل أن يسأل والديه بطريقة مختلفة عن السبب الذي يجعلهما يمنعانه من اللعب أصدقائه طيلة الوقت، أو عن سبب جعله يرتدي ملابس شتاء لا يحبّها،  وفي بعض الأحيان يبدأ الطفل في مناقشة مواضيع الساعة التي تعرضها شاشة الأخبار!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك