الفلسفة للأطفال: نموذج ماتيو ليبمان (1)

21 مايو , 2016

الفلسفة للأطفال

انتشر مفهوم “الفلسفة للأطفال” في أمريكاَ ثمّ أوروبا منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث أسّسه أوّل مرة “ماتيو ليبمان” الفيلسوف والاختصاصي في علوم التربية، ويُقصد به جميع المُمارسات التعليمية التي تهدف إلى تطوير التفكير الإبداعي والنّقدي لدى الأطفال من كلّ الأعمار، وهذا عن طريق نقاشات ديمقراطية ومناهج تعليمية تعتمد على أسلوب الرواية.

انتقل هذا المفهوم لنطاقات أوسع حتى شمل العالم، وأصبح يشكّل تيّارًا في حد ذاته، ونقطة تقاطع بين علوم التربية والفلسفة والبيداغوجيا.

عن أي فلسفة نتحدث؟

إن ما يُقصد بالفلسفة للأطفال ليس تلك النماذج الفلسفية التقليدية التي يتم تلقّيها في المؤسسات التعليمية الكلاسيكية، أي أن فلسفة الأطفال ليست استعراضًا للفلاسفة وفلسفاتهم، بل إنها تجربة إبداعية من نوع خاص، تنطلق من المفاهيم العادية التي يستعملها الأطفال للتعبير، ومن أفكارهم البسيطة التي يملكونها حول موضوعات الحياة، ثمّ تحاول مساعدتهم على تطوير أساليب التفكير شيئًا فشيئًا إلى أن يصلوا إلى الهدف الذي هو إدراك طُرق الاستدلال والبرهنة والتفكير المنطقي، ثمّ الإبداعي والنّقدي.

إن الهدف إذن من هذه الفلسفة ليس هوَ تلقين الأطفال إجابات جاهزة، بل دفعهم إلى طرح الأسئلة، لأنها أهمّ ما يمكنه أن يسمح لهم بتطوير آفاقهم في التفكير، وأهم حتى من الأجوبة التي تجعل تفكيرهم محدودًا بشكل كبير فيما يتلقّونه.

تتم العملية عن طريق تَوليد الأسئلة والمُناظرة، ومحاولة جعل الأطفال يستأنسون بالشّخص الرّاشد الذي وظيفته هي تسهيل المُهمة لكي يصبحوا أكثر انفتاحًا للتعبير عن كلّ ما يجول بخاطرهم. وكلّ هذا عن طريق التعرف على أفكار غيرهم من الأطفال، ومحاولة مُجابهة الأفكار فيما بينها لكي يصلوا للخلاصات والإجابات بأنفسهم.

 على طريقة سُقراط

كان “ماتيو ليبمان” أوّل من عمِل على تطوير التفكير المنطقي والعقلاني لدى الأطفال عن طريق استعمال رواية فلسفية مُوجهة للأطفال، مثل رواية Harry Stottlemeier’s Discovery  التي تُعتبر أوّل أشهر رواية فلسفية للأطفال، نُشرت سنة 1974 بالولايات المتحدة الأمريكية، وتستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10 و 11 سنة، كما تهدف إلى تبسيط الاستدلال المنطقي للأطفال دون الابتعاد عن مُحيطهم اليومي البسيط من خلال شخصيات الرواية التي هي مجموعة أطفال تمارس فعل التفكير والاستدلال. 

إن نموذج “ماتيو ليبمان” يعتمد في الأساس على الطريقة السُقراطية في تعليم الفلسفة، لأنه من المعلوم أن هذا الفيلسوف اليوناني القديم كان يقوم بتعليم الفلسفة للعامة من الناس عن طريق طرح الأسئلة، أو ما يُسمى توليد الأسئلة، وعبر العديد من الأسئلة كان يتمكّن من نقل المعرفة الفلسفية، حيث إن كلّ سؤال هو بداية لسؤال آخر، وعلى هذا الأساس قام “ماتيو ليبمان” بتطبيق النموذج السقراطي أثناء تطويره لعملية تدريس الفلسفة للأطفال.

يبدو إذن أنه رغم كون الفلسفة للأطفال لا تتعلق بتدريس أسماء الفلاسفة وفلسفاتهم، إلاّ أن “ماتيو ليبمان” قامَ بتخصيص روايته الأولى للمنطق الأرسطي ولكن على الطريقة السّقراطية!

النّقاشات الديمقراطية

تتمّ المناقشات مع الأطفال في جوّ ديمقراطية يسمح للجميع بالتعبير عن آرائه وأفكاره كيفما كانت، ودون قيود.

يقوم الأطفال بإدارة النقاشات وحدهم، حيث تتشكّل كلّ حلَقة نقاش من :

رئيس الحلَقة: وظيفته تقتصر على ضمان سيرورة النقاش وفقَ القواعد التي تسمح لكلّ عضو بالتعبير مع احترام الآخر وعدم مقاطعته، ولا يتدخل في النقاشات ومُحتواها.

منشّط الحلقة: يتدخل لأجل التذكير بقواعد النقاش إذا استدعت الضرورة ذلك. كما أنه يحاول تنشيط النقاش وإدارته عن طريق لفت الإنتباه للأسئلة الأكثر أهمية للتفكير فيها، وصرف الإنتباه عن تلك التي قد لا تؤدي لأية فكرة مفيدة.

المسؤول عن إعادة الصياغة: دوره الأساسي هو التفكير في ما تمّ عرضه من طرف كلّ مشارك، وتفسير العلاقة بين الأفكار التي قد تتشتت في لحظات كثيرة. كما أنه يشرح تكامُل الأفكار المطروحة فيما بينها أو تناقضاتها.

المسؤول عن التركيب: يقوم بمراقبة النقاشات من الخارج، دون أن يتدخل في الحوار. ووظيفته الأساسية نقل ما يُقال خلال الحوار حسب الترتيب الزمني.

هذه الأدوار تُوزّع بطريقة تسمح بتبادل الأدوار أحياناً نظراً لتعقيدها. كما أن النقاشات تكون مراقبة من طرف مختصّين يقومون بتقديم خلاصاتهم في النهاية.

خلاصة

كان هذا الجزء الأول من سلسلة قصيرة سنحاول أن نتناول فيها موضوع تدريس الفلسفة للأطفال من جوانب مختلفة باختصار يسمح بفهم هذه التجربة الإبداعية النادرة في العالم. في الجزء الثاني سنحاول أن نتحدث عن تدريس الفلسفة للأطفال في بعض دُول العالم، خصوصاً أمريكا وفرنسا. لأنها أدّت إلى نتائج مُذهلة هناك.

 

المراجع المُستعملة: الموسوعة الحرّة ويكيبيديا

جامعة واشطن: مركز الفلسفة للأطفال

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك