اللاجئ المتفوّق: كيف يرفع العلم بيوتًا لا عماد لها؟

2 نوفمبر , 2016

رحلة اللجوء لا تُشبه الرحلات السياحيّة أبدًا، حتى لو كُنت ستلجأ إلى ألمانيا أو السويد فإن النجاح لن يكون حليفك إلا بالجد والاجتهاد ودراسة اللغة والتفوّق فيها. وبغير ذلك ستجد نفسك تعيش على هامش المُجتمع، وليست حكاية نور قصّاب وهيثم أسود بالحكايات النادرة، فقصص تفوّق اللاجئين كثيرة جدًا، وهي موجودة حتى في لبنان والأردن مثل حكاية فاطمة العلي وغيرها، ومهما اختلفت الظروف في دول اللجوء فإن القاسم المشترك بين كُل هؤلاء المتفوقين أنهم تركوا كُل شيء خلفهم ولم يحملوا معهم إلا “العلم”، وبه حاربوا غُربتهم والعنصرية، وبه يرفعون بيوتًا لا عماد له!

نور قصاب

لا تُنكر الطالبة السورية المتفوقة أن بداية دخولها المدرسة الثانوية كانت صعبة جدًا، حيث كان يتوجب عليها أن تدرس المواد التي يدرسها زُملائها وبالإضافة إليها كان عليها تعلّم اللغة الألمانية التي استطاعت بفضل زميلاتها الألمانيّات أن تتقنها في فترة قياسية، حيث تبدو نور وهي تتحدث اللغة الألمانية مع التلفاز الألماني وكأنها “ألمانية” لا تختلف عن زميلاتها في شيء إلا من حيث أنها ترتدي الحجاب، وهو ما لم يشكل أي عقبة بالنسبة لها.
المثير في الأمر أن كل ذلك لم يستغرق إلا 3 أعوام تقريبًا، استطاعت فيها نور أن تدرس اللغة الألمانية، ثم النجاح والتفوق في امتحانات الثانوية العامة الألمانية “أبيتور”، وحصلت على العلامة الكاملة 1.0 التي تؤهلها للحصول على مقعد في كليات الطب الألمانية. ومن الجدير بالذكر أن نور أبدت مهارات في التمثيل والدراما إلى جانب تفوقها في الرياضيات واللغة الإنجليزية، وهو ما جعل مُعلمتها الألمانية تؤكد بما لا يدعو للشك أن نور طالبة مُميزة، وهو ما جعلها أهلاً للحصول على جائزة التفوق التي تقدمها إحدى شركات النفط الألمانية وقيمتها 1200 يورو!

هيثم أسود

وليس هيثم عن نور ببعيد، فقد تفوّق كذلك في مرحلة الثانوية في فرنسا، ولمع بشكل خاص في مادة الرياضيات. وفي مقابلة له مع صحيفة “الليبراسيون” بعد أن حصل على قبول في إحدى المدارس العليا الفرنسية، التي لا تقبل إلا عددًا محدودًا جدًا من الطلاب على مستوى الجمهورية الفرنسية، تحدث هناك عن الفروقات في التعليم بين سوريا وفرنسا مؤكدًا أن المدارس الفرنسية ليس فيها تحفيظ، كما أنها تسعى إلى خلق فكر نقدي عند الطلاب من خلال دروس الفلسفة، كما أشار إلى أن المدارس الفرنسية لا تدرس موادًا مثل مادة “القومية” التي كان يدرس فيها كيف يمجد عائلة الأسد.
الأكيد أن هيثم حظي بتغطية إعلامية واسعة جداً في فرنسا، حتى ذُكر بأن هناك كتابًا كُتب عن قصته ونجاحه وانتماءه للثورة السورية، ولكن الأجمل من كل هذا أن هيثم يؤكد بأنه ليس السوري الوحيد المتفوق في دراسته في فرنسا، وأن هناك كثيروي مثله وإن لم ينالوا حظهم في الإعلام مثله!

 

فاطمة العلي

بخلاف هيثم ونور لم تضطر فاطمة إلى دراسة لغة أجنبية كالفرنسية أو الألمانية، إلا أن الظروف التي واجهتها عائلتها في رحلة اللجوء من درعا إلى الأردن كانت صعبة جدًا، فوالدها بالكاد يحصل على عمل، هذا غير تكاليف علاج أخيها الذي يُعاني من وضع صحي سيء. ولكنها رغم كل هذا وجدت والدتها تدعمها، مؤكدةً أنها مستعدة لبيع كُل ما تملك من أجل أن تتم ابنتها دراستها.
وبالفعل فقد واصلت فاطمة مسيرة تفوقها رغم كل الظروف الصعبة، حيث عاشوا لثمانية أشهر في مخيم الزعتري قبل انتقالهم إلى “حورة” قرب إربد، ودرست هناك الثانوية العامة فتفوقت لتحصل على المرتبة الثانية على مستوى الأردن في الفرع الأدبي بمعدل 91.8%، وقد اختارت أن تدرس في كليّة القانون أملًا في الدفاع عن قضايا شعبها مستقبلًا!

اللاجؤون والطموح!

بالنسبة لميشائيل شترنغر Michael Stenger الذي يُدير مدرسة لتأهيل اللاجئين في ألمانيا، فإنه لا يرى أن تفوّق اللاجئين أمرًا غريبًا، بل على العكس من ذلك فقد أكد في تقرير تلفزيوني بعنوان “التعلّم من أجل ألمانيا Lernen für Deutschland ” أن اللاجئ القادم من ظروف قاسيّة وصعبة جدًا في بلاده وفجأة يرى بصيص أمل، سيتقدم نحو ذلك الأمل بكل عزم ونشاط، ولكن المشكلة برأيه تكمن في كثير من الأحيان في السياسات المتبعة تجاه اللاجئين، كتهديدهم بالطرد بعد فترة أو التعقيدات التي تصحب استقبالهم، ولهذا فإنه يدعو إلى المزيد من احترام اللاجئين والنظر إليه باعتبارهم بشرًا لهم حقوق متساوية، وهذا لن ينهض بمستقبل اللاجئين فقط، ولكنه يؤكد أن ذلك سينهض بألمانيا نفسها!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك