المتنبي وقاسم.. والمكتبة

11 يونيو , 2015

شارع المتنبي واحد من أهم المحطات الثقافية والمعرفية في العراق، وفيه تباع الكتب القديمة والجديدة. يرتاد الشارع مثقفون؛ من كتاب ورسامون ومصورون بأعمار مختلفة، ومن كلا الجنسين. وتقام في أروقته الندوات الشعرية وتعقد الفعاليات الثقافية والفنية. وهو جوهر الثقافة العراقية الأصيلة. ويمتلك الشارع جمالية كبيرة تدفع الشباب لزيارته بين الحين والآخر، ففيه صورة نمطية للحياة العراقية عموماً، والبغدادية خصوصاً.

ويعد المتنبي فضاء العراق الثقافي، يجمع بين أصالة الماضي والحاضر في قالب فريد، وككل شيء في العراق؛ متأثر في السياسة والحرب دون أدنى شك، إلا أن تأثيرات المشهد السياسي تكون ردود فعالها أدبية في أروقة هذا الشارع.

يستذكر حيدر، (30 عامًا) مشهد استهداف أخيه قاسم وهو في طريقه إلى مكتبته وسط شارع المتنبي في العاصمة العراقية بغداد، ويقول إن أخيه يهوى جمع الكتب ومطالعتها، ولدية مكتبة عامرة بأنواع الكتب، ورواده من الشباب العراقي المثقف، وينظم دوريًا ندوات عن الثقافة العراقية والوعي الشبابي، وعن الحرية والتعبير والفكر النير ونبذ الفرقة.

“قاسم محمد سبهان” ولد في بغداد، عام 1987، تخرج من كلية الآداب، قسم اللغة العربية، ناشط وباحث في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة، منظم للعديد من الندوات في ذلك الإطار، ويهتم في ندواته بحقوق الطفل والمرأة.

عام على رحيل قاسم، فهو اغتيل صباح السبت، 12 تموز 2014 في شارع المتني بإطلاق ناري استهدفه، ليكون ضمن قافلة شهداء الثقافة العراقية بشارع المتنبي، والذين اختلطت دماؤهم بحبر دواتهم وكتبهم.

كان لقاسم، وكما يقول شقيقه “حيدر”، موعد مع الكتب والندوات كل يوم، ويكون يومه المميز الجمعة، فهو يختلف عن غيره من الأيام، بمواعيده الثقافية، مع مختلف الأجيال الذين يقصدون المتنبي زائرين ومتجولين في أروقته، لينهلوا من محتواه الثقافي.

لقاءات ثقافية شبابية تجمع “قاسم” مع أصدقاءه ورواده المثقفين، في مشهد يجسد معنى من معاني الثقافة العراقية. ويقول “حيدر” بأن الشباب العراقي عادة ما يجتمعوا في شارع المتنبي مع أخيه، وفي مناطقه التراثية وحدائق “القشلة” المتاخمة له والواقعة على نهر دجلة مكانًا لتجمعاتهم، وهناك يطرحوا مختلف القضايا على طاولة المقاهي، ويناقشوا هموم العراقيين المتعلقة بالشأن السياسي والثقافي في عموم العراق والوطن العربي.

وعن دور قاسم الثقافي بشارع المتنبي، يقول حيدر إنه كان يحاول ومثقفو ورواد الشارع، حل بعض مشاكل المشهد العراقي الثقافية، التي عادة ما يكون مسرح المتنبي الثقافي مفتوحاً لها ولهموم، فتجدهم ينظمون فعالياتهم لمعالجة قضية ما، مستخدمين شعرهم الشعبي وكلامهم الأدبي، وذاكرتهم الثقافية لطرح المشكلة والحل معاً.

المثقفين والأدباء أصدقاء قاسم وبحسب ما يقول حيدر، لم يصدقوا استهداف أخيه، فكان بعيد كل البعد عن السياسة، وكان رجلًا فقيرًا مسالمًا. ويلفت حيدر أن أخيه قبل كان يناقش ويصدح ويحث ويشجع دائمًا على الحرية ونبذ الطائفية في العراق، وتوحيد كلمه الصف العراقي، وهي ما يعتبرها حيدر ثمنًا باهظاً أودى بحياة أخيه.

قاسم الذي استهدف واغتيل على يد جماعة مسلحة مجهولة، دونت قضيته “تحت مجهول”، أحرقت مكتبه بعد عدة أيام من استشهاده كما يقول حيدر، وهو ما فوجئ به ذويه ومقربيه من المثقفين والادباء.

ويذكر حيدر بأن صباح اليوم الذي اغتيل فيه قاسم، وما تلاه من احراق مكتبه، جعل الشارع يعم بالهدوء، وهو ما دفع بأغلب النقاد والأدباء للاختفاء لأيام من الشارع، ليعودوا بعدها لمزاوله أعمالهم اليومية.

وبالرغم من وجود كل أسباب ومسببات اليأس المحيطة بالعراق والعراقيين، يعتبر شارع المتنبي، المكان الثقافي العريق الذي يحتفي برواده من المثقفين، ويعتبر فضاءهم الرحب. فوسط بغداد موقعه، وفي عموم العراق ونفوسهم وذكريات أجيالهم مكانته. فهو المحطة الثقافية الأبرز للعراقيين عموماً، ولأهالي بغداد خصوصاً. فكما تعد بغداد عاصمة العراق الجغرافية والروحية، يعد المتنبي رمزاً من رموز العراق الثقافية البارزة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك