المسيري أستاذًا جامعيًّا.. العقل ليس كاميرا!

31 ديسمبر , 2017

لم يكن المسيري مُجردَ أستاذٍ جامعيٍّ يومًا، ولو كان كذلك لما سمعنا عنه، ولما قرأنا كُتبه؛ فلطالما حلم بالتغيير، وبدأه بنفسه؛ فيبدأ مُحاضرة من مساق “علم الحضارة” في محل للأَثاث كي يُحيي التاريخ في نفوس الطلبة، ثم لا يتورع أن يُعلن الحرب على طريقته الخاصة بمن يتهاون في تقدير العقل الإنساني وتشبيهه بآلة ماديَّة صمَّاء كما “الكاميرا” وهو ما يحصل في الكثير من الجامعات العربية حينما يُستهان بالتراث والذاكرة التاريخية؛ فتصبح الأبحاث العلميَّة مُجردَ مُحاولاتٍ فاشلة للحاق بالغرب، وفي خضم هذه المعركة يجد المسيري نفسه في معركة مع “ذئب الثروة” ليقرر أخيرًا .. أن يوظفَّ المال بدلًا من أن يوظفَهُ؛ فالمشاريع الفكرية وإن كانت بحاجة إلى المال.. إلا أنها إلى الحكمة أحوج!

 

في التقرير التالي نُسلط الضوء على شيء من ملامح سيرة هذا المُفكر والأستاذ الذي ترك بصمة حقيقيه على طُلابه.. وعلى كُل من قرأ وسيقرأ له.

 

الأثاث.. في شرح مادة الحضارة

بينما يكتفي بعض الأستاذة بإلقاء مُحاضرة مُبتكرة أو حتى إضفاء شيء من الإبداع عليها من خلال إضافة الصور التقليدية أو حتى الأفلام التعليمية، فإن المسيري لم يكن يرى هذا كافيًا لتدريس مادة كمادة الحضارة؛ حيث كان يصطحب طالباته معه إلى محلات الأثاث والمتاحف ليُدرِّسهن تاريخ تطوُّر الأطراز المختلفة، كتعبير عن تطوُّر الأفكار والأنماط الحضاريَّة.

 

فيقول:

“كان الهدف هو أن أجعل من دراسة تاريخ الأفكار شيئًا حيًّا، يستفِدْنَ منه في حياتهن، وليس مجرد شيء بعيد يستذكرنه وينسينه بعد الامتحانات”

 

ثم يُكمل مؤكدًا أن الأمر لا ينحصر في الفهم، فيقول: “نوع المعرفة التي كُن يكتسبنها بهذه الطريقة، يُمكن توظيفها في عملية اختيارهن أثاث منازلهن بدلًا من أن يشترين أثاثًا بشعًا ومكلفًا من بعض محلات الأثاث التي تخصصت في إفساد الأذواق”.

 

ولم يكن هذا ينحصر في درس مادة الحضارة؛ فكان يُخصص المحاضرة الأولى من معظم المقررات في المكتبة ليُخبر الطالبات بطرق الاستعارة وأنواع الكتب من موسوعات ومعاجم وكتب إرشاديَّة ومراجع وكتب فن، وكان هذا الأسلوب المميز يلقى إعجابهن، كما يُمكن النظر لهذه الأساليب المبتكرة، باعتبارها وجوهًا من وجوه حربه على أساليب التعليم التقليدية!

الحرب الكُبرى على “الموضوعيَّة الفوتوغرافيَّة”

في فصل “الموضوعيَّة المتلقيَّة والجامعة” يُقدم المسيري لقارئ كتابه “رحلتي الفكريَّة” خلاصة حربه مع ما يُسميه “الموضوعيَّة الفوتوغرافية” التي تنظر إلى العقل كما لو كان كاميرا، وظيفته رصد الحقائق والمعلومات دُون تأمل وتفكر وتدبُّر، وهو ما يحصل في جامعاتنا، حيث يكتفي الدارس برصد المعلومات وتسجيلها دون ربطها وتحليلها؛ فتزداد معلوماته دُون أي زيادة في المعرفة والحكمة!

 

ذات مُحاضرة اكتشف بأن طالباته لم يقرأن إحدى القصائد الإنجليزيَّة المطلوبة منهن، بل لم يعرفن معنى عنوانها: “لابيس لازولي“، فقرر أن يستغل الفرصة ليؤكد لهن خطورة أن يعتمد الطالب في تعلمه وفهمه على ما يُدرِّسه له أستاذه فقط، فبدأ يشرح العنوان بشكل يفترض أن يرفضه كل عاقل، حيث راح يتحدث عن اللازورد باعتباره صنف من الطيور الإفريقية يظهر كل مائة عام، ويعيش على ظهور التماسيح وإن أكله الإنسان لا يشبع البتة، وغير ذلك من خرافات راح يؤلفها من وحي خياله بينما انشغلت الطالبات بتدوين الشرح بعناية شديدة؛ فتوقف فجأة، وأخبرهن أنه كان يمزح وأن القصيدة تتحدث عن حجر “اللازورد”، ولكنه أرادهن أن يعلمن أن التسجيل بلا فهم يفقدهن المقدرة على التفاعل والحوار والحكم.

 

لم تكن حرب المسيري ضد نظام التعليم سهلة، فقد واجه الكثير من النقد من زُملائه، فقد سمح لطالباته أن يُحضِرنَ نصوص القصائد إلى الامتحان؛ فالهدف هو امتحان قدرتهن على تحليل القصائد ونقدها وليس حفظها؛ فوجد أن رئيسة اللجنة تعتبر هذا غشًّا، واضطر للعدول عن فكرته بعد إصرارها على أن هذا “غش”. وحينما كان يدرِّس في السعودية وجد نفسه يخوض حربًا ضروسًا مع الأساتذة الذين يكتفون بتدريس المواد بالطرق التقليدية التي يعرفونها، ويكتفون بالطريقة السرديَّة، وفي النهاية نجح بفرض مقرر تمهيدي يُكسب طلبة الماجستير المهارات اللازمة لتطوير نماذج تحليلة وتفسيريَّة، ولكن المؤسف – كما يذكر – أن المقرر تم إلغائه بعد رحيله عن السعودية.

 

أسرار.. فشل البحث العلمي!

يرى المسيري أن أكبر آفاق البحث العلمي في العالم العربي تكمن في انفصاله عن المعجم الحضاري الإسلامي، وهو ما يتجسد في محاولتنا الدائمة للحاق بالغرب، وكمثال فإن تدريس اللغات الأوربية يتم من خلال النظر لهذه اللغات من وجهة نظر أصحابها وحسب، وكأن لا أهمية لوجهات نظرنا وثقافتنا وتراثنا.

 

هذا اللحاق بالغرب يجعل مسألة إبداع الطالب العربي مسألة صعبة، كما يعتقد المسيري فيقول: “ينبغي على هذا الطالب العربي أن يصفي ذاته الحضارية تمامًا، أي عليه أن يقمع ذاكرته الحضارية؛ حتى يمكنه أن يبدأ في التحصيل والفهم بدلًا من أن تشكل أرضيَّة يقف عليها، ويفهم من خلالها الآخر بحيث يمكنه أن يستخدم تراثه الذي يطرحه في إدراك ما لا يعرف من خلال مقارنة نقاط الاختلاف والالتقاء.”

 

المُشكلة لا تنتهي هُنا – للأسف – فالمرض المعلوماتي هو كارثة من كوارث البحث العلمي التي ما زال العالم العربي يعيشها حتى اليوم، حتى بين الأساتذة الذين يضطرون لإنهاء كتاب حول موضوع معين كي يحصلوا على ترقية؛ فيكتب الواحد منهم كُتبًا عن مواضيع يتم اختيارها بالقرعة، ليُكتب عنها في مدة قصيرة، دون أي اهتمام بميوله الفكريَّة أو القضايا والإشكاليات التي يواجهها. وكأن المهم هو اختبار قدرته على حشد المعلومات بسرعة وإثبات أن أحدًا لم يساعده، ولهذا لا يستغرب المسيري من أن كلمة “أكاديمي” أصبحت تشير إلى شخص عديم الخيال يُلحق بحثه بقائمة طويلة من المراجع، ويشرح أطروحته بطريقة مملة.

 

المهم، هل هناك حل؟ لا شك أن هناك حلًّا، وليس معقدًّا، وكل ما يحتاجه من الأستاذ والباحث في بلادنا هو الانطلاق من منظور إسلامي عربي يمكن أن يساعده على اختيار موضوعات جديدة من وحي بيئته والإشكاليَّات التي يواجهها؛ فيترجم إبداعه من خلال أبحاث يعمل عليها بكُل اهتمام، بدلًا من أبحاث تختارها له “القرعة”!

 

أُوَظِّف المال.. بدلًا من أن يوظفني!

عندما عاد المسيري من الولايات المتحدة عام 1969 وقد حصل على الدكتوراه، وجد نفسه في مواجهة ثلاثة ذئاب شرسة ظلَّت تنهشه بعض الوقت، وهي: “ذئب الثروة وذئب الشهرة والذئب الهيجلي المعلوماتي” وهي ذئاب تواجه أكثر الناس في الواقع، وكثيرًا ما تنتصر عليهم مثل ذئب الثروة، الذي يجعل المرء يطمح أن يصبح ثريًّا مهما كان الثمن.

 

بالنسبة للمسيري كان التغلب على ذئب الثروة سهلًا بالمقارنة مع البقيَّة، حيث قرر أن أحلامه لا تحتاج للكثير من المال بقدر ما تحتاج إلى “الحكمة”؛ فوضع أمامه قاعدة واضحة جدًّا:

“أن أحصل من المال على ما يكفي لأن يحقق لي شيئًا من التحرر من تفاصيل حياتي اليومية ولأن أموِّل حياتي الفكرية وأنجز مشروعي المعرفي”.

 

ويُكمل: “قد نجحت إلى حد كبير في توظيف المال بدلًا من أن يوظفني. فلم أضطر قط إلى أن أقوم بعمل يتناقض مع مشروعي الفكري أو يعوِّقه، ولم أعمل إلا في وظائف أقوم بتوظيفها لخدمته؛ فكنت أقوم بإلقاء محاضراتي في كلية البنات ولم أزد، وقد نجحت في أن تكون هذه المحاضرات جزءًا من حواري الفلسفي مع نفسي، أي جزءًا من مشروعي المعرفي”.

 

من يقرأ للمسيري سيُدرك أنه يجيد نقد ذاته كما يجيد مدحها والافتخار بها، بل يفعل ذلك ببراعة تُشعر القارئ بأنه صادق إلى حد بعيد، وليس من الصعب تصديقه حين يقول: “حينما عُرِض علي أن أعمل في هيئة الأمم المتحدة براتب ضخم، آثرت البقاء في وظيفتي والتضحية بالراتب الضخم؛ لأن الوظيفة الجديدة كانت ستستوعب كل وقتي، كما أنها كانت تتعارض كليَّةً مع مشروعي الفكري!”.

 

الحمام الطقوسي.. لأن الفلسفة حياة!

ختامًا فإن هذه القطوف من حياة المسيري ليست إلا نبذة مُختصرة؛ فحياة المسيري كان تعج بالأفكار والكُتب والشخصيات، بل حتى الطقوس التي شكَّلت الكثير من ملامح شخصيَّته، والتي لا يستفيد منها الأستاذ فقط، بل التلاميذ وطلاب الجامعات وكُل إنسان، مثل طقس “الحمام الفكري” الذي كان يأخذه حينما تستعصي عليه فكرة ما؛ فيذهب لأخذ حمامٍ ساخن، والذي يتحدث عنه بحماسة إلى جانب أفكار أخرى تستحق منَّا الكثير من التأمل والتدبر.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك