المسيري طالبًا جامعيًا.. بين الماركسية والدكتوراه إلى الحب والإيمان!

4 نوفمبر , 2017

كما كانت حكايتُه مع المدرسةِ تمامًا، فإن حكاياتِ المسيري أيام دراسته الجامعية لم تكن تقليدية، وهي أبعدُ ما تكون عن سيرة طالب حَبَسَ نفسه في غرفة وراح يَدْرُس ويَدْرُس حتى حصل على امتياز، ثم نال الماجستير فالدكتوراه، وتخرج وصار أستاذًا.. لا أَلْبَتَّة، فقد عاش تخبطات اختيار التخصص كما عاشها الكثير من الطلبة، ثم ذاق مرارةَ السقوطِ في الامتحانات كما فقد “توزُانَه” حين طُلب منه قراءة قائمة “مستحيلة” من الكُتب خلال دراسته في أمريكا، إلا أنَّ حياتَهُ طالبًا كانت غنيَّةً بالنشاطات السياسيَّة والفكريَّة؛ فلم يضيِّع على نفسه أيَّ فرصةٍ لاكتشاف الثقافة الأمريكية وزيارة دور السينما والمسارح والمتاحف، والأهم لربما أن الحُب والزواج لم يمنعه يومًا من طلب العلم، بل كان أفضلَ مُعينٍ له.

 

في التقرير التالي سنُلقي الضوء على أبرز هذه المواقف والتجارب:

بين الفلسفة واللغة العبريَّة

من يقرأ للمسيري لا بد أن يلاحظ وَلَعًا بالفلسفة والعلوم الاجتماعيَّة، وتعمُّقٍ غير مسبوقٍ -على المستوى العربي – باليهود واليهوديَّة والصهيونيَّة، التي كتب فيها موسوعةً ضخمة من 8 مُجلدات عَكَفَ عليها حوالي 25 عامًا، مع أنه لم يدرس لا الفلسفة ولا حتى اللغة العبرية كما يُمكن أن يتخيَّل مَن يقرأ له كتاباته عن الصهيونيَّة، وكيف لا نتخيل ذلك ونحن نسمع دائمًا:  “يجب أن تدرس ما تُحب.. وأن تتبع شغفك!”.

يقول المسيري في “رحلتي الفكريَّة” عن سر دراسته الأدب الإنجليزي بدلًا من الفلسفة، أن أحد “عباقرة مصر” وهو الأستاذ محمد البسيوني الذي تتلمذ على يديه الكثير من مثقفي الإسكندريَّة هو الذي نصحه، وكان البسيوني قارئًا وناقدًا حاذقًا ولم ينشر شيئًا، إلا أنه كثيرًا ما كان ينقد كتابات المسيري بشكل مُحترف، وقد نصحه أن يدرس الإنجليزيَّة بدلًا من الفلسفة، لأن اللغة الإنجليزيَّة – بحسَب رؤيته – هي النافذة التي ستمكِّن المسيري من الإطلاع لا على الفلسفة فقط، وإنما على العالم ككل، وهكذا فعل المسيري.

درس المسيري الأدب الإنجليزي في جامعة الاسكندريَّة، وانطلق ليُكمِل دراسته في هذا المجال في الولايات المتحدة في “الشعر الرومانسي”، إلا أنه وجد نفسه أمام عوالم وأفكار لم يعتد عليها، أهمها أن إسرائيل ليست مجرد “بلد تقطنه عصابات صهيونيَّة يُمكن للقوات العربية القضاء عليها في أي لحظة”، كما كانت تروِّج “الدعاية العربية” في خمسينيات وستينيَّات القرن الماضي، وهنا قرر أن يتخصص في الصهيونية، وبالفعل كتب للملحق الثقافي المصري بكُل براءة وحماسة لأن يحوِّل دراسته إلى اللغة العبريَّة والصهيونية، ليرجع إليه الملحق بمُكالمة هاتفيَّة خلاصتها: “بطَّل هبالة!”.

في حديثه عن الصهيونيَّة، التي درسها بجهود ذاتيَّة، يكشف المسيري في كتابه “رحلتي الفكرية” كيف استغلَّ دراستَه للشعر الرومانسي في تطوير نماذج تحليليَّة وتفسيريَّة ساعدته على فهم الصهيونية، وكانت النواة الأولى لموسوعته.

 

آهات الدراسة.. ورحابة الفكر

دراسة الأدب الإنجليزي لم تكن بالمسألة السهلة بالنسبة للمسيري، وفي بداية مشواره في جامعة الاسكندريَّة قام بحبس نفسه في غرفة لمدَّة شهر لا يفعل شيئًا إلا سماع الإذاعات الإنجليزية ومُطالعة الصحف والمجلات الإنجليزية، وقد نجحَتْ تجربته بشكل أدهش أساتذته، إلا أنه مع ذلك يعترف أنه قام بتجربة “مجنونة” أخرى حين حاول أن يقرأ رواية جرمينال لإميل زولا (570 صفحة تقريبًا) مرَّة واحدة ليشعر بها “ككل عضوي متكامل” فيقول:

“جلست لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال أقرأ وأقرأ وأقرأ دون أن أنام ونَجَحَتِ التجرِبة”

 

ولكنه يؤكد مُعقبًا على تجربته: “ولكنني لم أزدد حكمة!”.

الأكيد أن المسيري لم يبق في غرفته طيلة سنوات الدراسة، بل كان ناشطًا ماركسيًا في الجامعة، ولم يكن نشاطًا منحصرًا في تنظيم النشاطات كالرِّحْلات والمسرحِيَّات وإصدار المجلات، بل كان يترجم بعض الكتب الماركسيَّة إلى العربية، كما تمت ترقيته في الحزب حتى صار مسؤولًا حزبيًّا، وقد نجح في تنظيم إضراب للعمال بمصنع في الإسكندريَّة، وللعلم فقد استمر نشاط المسيري حتى في الولايات المتحدة حيث قام مع صديقه بتأسيس “المنتدى الاشتراكي”، الذي لم يكن ينشط فيه أحد بانتظام غيره هو وهذا الصديق، إلا أنه استطاع أن ينظم نشاطات مؤثرة ضد الصهيونية، بالأخص بعد حرب 67، وتمكن بفضل نشاطه من التعرف على الكثير من الحركات الثوريَّة في الولايات المتحدة.

 

الامتحانات الأمريكيَّة .. وعمليَّة شبه انتحاريَّة!

 في عام 1963 بدأ المسيري رحلته الدراسيَّة في الولايات المتحدة، ومع وصوله وجد نفسه مُضطرًا لإجراء امتحانٍ لتحديد مستواه الثقافي واللغوي، وكانت الْمُشكلة أن الامتحان كان على طريقة أسئلة “نعم أو لا”، ليجد أن معظم الأسئلة لا يُجاب عنها لا بنعم ولا حتى لا، وكانت النتيجة: “فشل ذريع بنسبة رسوب لا نظير لها”، وكان يُفترض بسبب رسوبه أن يتعلم اللغة الإنجليزية لمدَّة عام، بيد أنه رفض وراح يقنع الطاقم أن المشكلة ليست فيه وإنما في “الامتحان”.

الْمُثير أن المسيري وجد هناك، أن الامتحانات في الإسكندرية كانت أفضل منها في أمريكا، حيث كانت الأسئلة تتطلب إجابة يُعمِل الإنسان فيها عقله وخياله لا أن يجتَرَّ ما قاله الأساتذة من قبل، ويؤكد أن الأساتذة في الإسكندريَّة لم يعرفوا التهاون في الدرجات، وكانوا يُجبرون الطلبة على الاجتهاد، بل يفتخر المسيري أنه لاحظ في جامعة كولومبيا أن مستواه كان أفضل من كثير من زُملائه الأمريكان.

رغم ذلك يعترف أنه واجه الكثير الكثير من المصاعب، بالأخص مع مصطلحات الأساتذة الأمريكان، ولكن الأطرف من ذلك حكايته مع قوائم المراجع (بالإنجليزية Reading list)  التي لم يصدقها لأول وهلة، ففوجئ بالأستاذ يُخبره بكل صرامة: “عليك أن تقرأ كُل ما ورد فيها!”، ولكن المسيري وجد ذلك مستحيلًا، فقدم طلبًا للحصول على علامة “غير كامل” وهكذا منحه الأستاذ فرصة لحين الانتهاء، فما كان من المسيري إلا أن استأجر غرفة في فندق رخيص قرب المكتبة، ليتفرغ للقراءة، فقرأ كُل المطلوب، ولكنه اكتشف بعد ذلك أنه الطالب الوحيد الذي قام بهذه “العمليَّة شبه الانتحاريَّة”، إذ اكتفى الآخرون بقراءة الْمُلخصات، فذاع صيته ليبدأ بإلقاء دروس خصوصية على أصدقائه.

 

كُل هذه التجارِب جَعَلَتْ المسيري يكرر في أكثر من موضع سخطه من المنظومة التعليمية، فهو يؤكد تارة أن “إيقاع الدراسات العليا لا تسمح بأي إبداع حقيقي” وتارة يُهاجم هذا الإيقاع أنه الجنون بعينه، وهذا كلام قد يُكرره بعض الطلبة، إلا أن الفارق أن المسيري كان عنيدًا في حربه ضد المنظومة، فقد قدم في إحدى “معاركه” طلبًا للجامعة بألا يدرس أكثر من 3 مقررات في الفصل، لأنه كان يرى أن العقل يستحيل أن يستوعب 100 صفحة يوميًّا، ولا يُمكن للطالب أن يشعر بأي متعة في القراءة، والأهم أنها تفقد المرء القدرة على الإبداع، ولهذا كان يجتهد أن يقرأ كتبًا لا علاقة لها بما يكتب عنه، حتى يظل خياله خصبًا، والأهم أنه كان يفعل كُل ما يفعل لأنه يؤمن أنه لم يحضر من مصر للتسليَّة!

 

فن النقد ..!

صحيح أن اجتهاد المسيري ساقه إلى الامتياز في امتحاناته، حتى حصل في الامتحان الشفهي الشامل “شرط الدكتوراه” على علامة لم يحصل عليها أحدٌ من قبله وهي “الامتياز”، حيث العلامة هي “نجاح” أو “سقوط” فقط، وكل ذلك بفضل نقده لأساتذته بشكلٍ جعل بعضهم يصفه بأنه “عبقري”.

هذا “العبقري” لم يتورَّع أن يعترف لمن يقرأ رحلته الفكريَّة حكاية “بهدلة محترمة” عَلَّمَتْه الكثير، يوم قام بإجراء بحث عن كتابٍ لأرسطو، وما إن قرأ بحثه على الطلبة حتى بادره المحاضر بشكل ساخر: “مستر المسيري كلنا نعرف أنك ذكي للغاية، بل نعرف أنك تفوق أرسطو علمًا، ولكن فَلْتُحَاوِلْ دائمًا أن تفهم قبل أن تصدر أحكامك”، ويعلق المسيري على أستاذه بأنه مُحق، فكل طالب يُمكن أن يعرف من المعلومات أكثر بكثير من أرسطو، ولكن من ناحية المقدرة على التحليل والرؤية النقدية فالأمر مختلف تمامًا، ويؤكد المسيري أنه تعجَّل في اطلاق حُكمه “الماركسي” على أرسطو باعتباره منحازًا للأسياد ضد العبيد، دُون أن يسبق ذلك بعملية فهم حقيقيَّة، وقد تعلم المسيري الكثير من هذه “البهدلة”، وكان يؤكد دائمًا أن الأولى للعرب أن ينشغلوا بفهم الصهيونية قبل شجب إسرائيل وشتمها دُون أي أساس من الدراسة والمعرفة!

 

الحُب الأول والأخير!

طيلة رحلة المسيري مع الكُتب والامتحانات والجامعة، لم يكن يعيش حياته وحيدًا، كان هناك جنديٌّ يقف خلفه ويدعمه وهي زوجته د.هدى حجازي، التي “قرأت له كُل ما كَتَبَ وحاورته كما لم يُحاوره أحد”، فقد كانت زميلته في الحزب الشيوعي، ثم كانت حُبَّه الأول وسِرًّا من أسرار تحولاته الكُبرى من “بساطة المادِيَّة إلى رحابة الإنسانيَّة والإيمان”، بالأخص حين استشار مسؤولًا في الحزب الشيوعي بأمر زواجه منها، فما كان من المسؤول إلا أن نصحه بالابتعاد عنها لأنها فتاة من عائلة برجوازيَّة، فلم تُعجبه الإجابة فراح وعَرَضَ الأمر على والدته، فقالت له ببساطة: “هل يشعر قلبك بالفرح حين تراها؟” وبالفعل تزوجها بعد أن سمع نصيحة والدته، ضاربًا بتحليلات صديقه الماركسي للزواج عرض الحائط، وكانت هذه أُولى الهِزَّات الفكريَّة التي عاشها، مُشككًا بقدرة النماذج الماديَّة على تحليل وتفسير الظواهر الإنسانيَّة كالحب والزواج.

 

حُب المسيري لزوجته لم يكن “طبيعيًّا”، ويعترف أنه لم يكن يُطيق فراقها أيام الجامعة في مصر، ثم حين خرج للدراسة في الولايات المتحدة سافرت معه وعاشت معه في غرفة صغيرة في فندق “مهترئ” قُرب مكتبة جامعة كولومبيا عام 1963. كما أنها عاشت معه حياة متواضعة كانا يغتنمان الفرصة فيها لحضور الأنشطة الثقافيَّة المجانية و”الرخيصة”، فكثيرًا ما كان يفتخر المسيري بالعثور على تذاكر رخيصة لدخول المسرح والسينما، فيذكر مثلًا كيف كان يغتنم فرصة دخول قاعة السينما بدولار واحد قبل الساعة الثالثة، فيذهب هو وزوجته قبل الثالثة ويأخذان معهما الطعام والشراب فلا يتركان دار العرض إلا الساعة التاسعة مساءً، وهم يترنحون من فرط الإعياء.

 

خُلاصة

أخيرًا لم يكن المسيري مُعجبًا بالنظام الجامعي كثيرًا، بل انتقده في أكثر من موضع وحاربه في أكثر من معركة، وأحد أبرز معاركه حين حاول الحصول على منحة دراسيَّة ففشل أكثر من مرَّة، ولكن – كعادته- لم يستسلم، بل حارب وحارب وكانت النتيجة أن حصل على منحة للدراسة في أمريكا بعد 3 سنوات، من عام 1959 حتى عام 1962، لن نذكر هذه الحكاية هنا، فالعبرة منها في تفاصيلها الدقيقة كما يرويها المسيري من ص 88 إلى ص 90 في فصل “حروبي الخاصة ضد المؤسسات” في كتابه ذائع الصيت: “رحلتي الفكريَّة في البذور والجذور والثمر”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك