المُتعلم الجاهل.. متى يكون اللقب الجامعي عارًا على صاحبه؟

24 نوفمبر , 2018

لم يَعُدِ الحصولُ على الشهادة الجامعيَّة أمرًا صعبًا في أيامنا.. بل كَثُرَ حملةُ الشهادات، كما كَثُرَتِ الدراسات والأبحاث،  بَيْدَ أننا على الرغم من كُل هذا ما زلنا نفتقد إلى المتعلم الذي يسعى إلى خدمة مجتمعه والنهوض به.. فهل المُشكلة في المتعلمين أم في المدارس أم أنها أعمق؟

في هذا التقرير سنرى مجموعة تفسيرات مُختلفة تصب في المعنى نفسه– تقريبًا-، من “التعليم التقني” إلى “القابلية للاستعمار” ثم “فصل العلم عن الفِكر” وحتى “الموضوعية الفوتغرافية” التي تُريد للعقل أن يكون كما لو كان “كاميرا”.

كيف تكون إنسانًا صالحًا؟

قد نفترض أنه لا بُد للطالب قبل التخرج من المدرسة أو الكلية أن يميّز بين الخير والشر والحق والباطل وكيف يتعامل مع من حوله باحترام أو كيف يخدم مجتمعه، ولكننا في كثيرٍ من الأحيان نجد أن “بتوع المدارس” يتصرفون بشكل لا يختلف كثيرًا عمَّن لم يعرف المدرسة، ولم يطلب العلم يومًا، وفي تفسير هذه الظاهرة يقول المُفكر البوسني علي عزت بيغوفيتش في حديثه عمَّا يُسميه “التعليم التقني”:

” في هذه الأيام من الممكن جدًا أن نتخيّل شابًا قد مر بجميع مراحل المدرسة الابتدائية حتى الكُلية دُون أن يكون قد ذُكر له ضرورة أن يكون إنسانًا صالحًا وأمينًا، فهو يتعلم أولًا أن يكتب ويحسُب، ثم يدرس الطبيعة والكيمياء وعلم الأعراق البشرية والجغرافيا والنظريات السياسية وعلم الاجتماع وعلومًا أخرى كثيرة. إنه يجمع عددًا هائلًا من الحقائق، وعلى أحسن الفروض يتعلم كيف يُفكر ولكنه لم يستنر ثقافيا أو روحيا“.

يضيف بأن الهدف من هذا النوع من التعليم هو تعلم كيفية السيطرة على الطبيعة، بينما هو يُشير إلى تعليم آخر “التعليم الكلاسيكي” الذي يُركز على الروح و”يبدأ عند الإنسان وينتهي عند الإنسان” ويحث على التفكّر والتأمل في الطبيعة والإنسان.. بدلًا من محاولات السيطرة عليهم باعتبارهم مُجرد “أشياء” يسهل التحكم بها.

 

المُتعالمون

إذا كان “بيغوفيتش” يعيب على التعليم التقني حرمان الطلاب من الاستنارة الثقافة والروحيّة، فإن مالك بن نبي كان في نقده أكثر لذعًا ضد من أطلق عليهم مسمى “مثيقفون” أو “مُتعالمون” أو حتى “مهوسون فكريًا” – بالفرنسيّة intellectomanes – وهي فئة من حملة الشهادات العُليا تمارس الجهل على الناس من خلال تفسيرها مُعظم المشاكل باعتبارها مشاكل سياسية، دُون أخذ الاعتبار بالبُعد الحضاري، وهو ما اعتبره بن نبي مُخادعة للناس كما كان يستخدم كلمة تهكمية” أخرى في الحديث عن هذه الفئة وهي “بوليتك” وهم يُخططون لسياسات غير مُجدية، في ظاهرة تدعو إلى الإصلاح بينما هي في الواقع تُهمل إصلاح ما بالأنفس، وتبتعد عن المجهود التربوي. ولذلك كان بن نبي يُفضّل الأميين الذين بقَوا على الفِطرة ومتأثرين ببقايا الثقافة الإسلامية على حاملي الشهادات الرافضين التخلص من “قابلية الاستعمار” والمُخادعين لشعوبهم بحيلهم “السياسيّة”.

 

لا شيء!!

إذا كان بن نبي يمتعض من “المثيقفين” و”المتعالمين” وبيغوفيتش يحزن على من حرموا من  الاستنارة الروحية والثقافية من روّاد “التعليم التقني” فإن المُفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه النباهة والاستحمار كان أشد وأشد، حتى وصل به الأمر اعتبار المتعلم الذي لا يعرف هموم مجتمعه وزمانه بأنه “لا شيء فكريًا” فيقول:

“قد لا يفكر الأستاذ، أو الفيزيائي، أو المؤرخ، أو الفيلسوف، أو الأديب، أنه يمكن أن يكون لا شيء من الناحية الفكرية، وأنه في مستوى أقل العوام شعورًا، وحتى الأمي الذي لا يحسن الخط مثلًا، قد يكون أرقى منزلة في الدراية الشخصية وفي معرفة الزمان والمجتمع. إن بقاء المتعلم جاهلًا، والمثقف فاقد الشعور، وإعطاء كلٍ منهما ألقابًا بارزة، كالدكتور والمهندس والبروفيسور، لهي حالة مؤلمة جدًا.”

 

ويقول أيضًا:

“إن خطر بقاء المتعلم جاهلًا يمثل خطرًا كبيرًا على المجتمع؛ لأنه يشعره بحالة من الشِّبَع والاستغناء عن تلقي العلم، أو عن الاحتياج للجوع الفكري.. حيث إن المتعلمين في هذه الأيام ينظرون إلى قضايا العلم منفصلة عن قضايا الفِكر”.

 

غياب الحكمة وانعدام الخيال

إن نظرة الكثير من المُتعلمين للعلم هي التي أسهمت وتُسهم في خلق المزيد من الجهلة من حملة الشهادة، هذه النظرة أو الفلسفة في التعليم يُمكن أن نسميها الموضوعيَّة الفوتوغرافية التي كتب عنها المُفكر المصري د. عبدالوهاب المسيري في كتابه رحلتي الفكريَّة حيث لخص حربه مع هذه النظرة إلى العقل كما لو كان كاميرا، وظيفته رصد الحقائق والمعلومات دُون تأمل وتفكر وتدبُّر، وهو ما يحصل في جامعاتنا، حيث يكتفي الدارس برصد المعلومات وتسجيلها دون ربطها وتحليلها؛ فتزداد معلوماته دُون أي زيادة في المعرفة والحكمة!

هذه الإشكاليّة تنعكس على التخلف العلمي العربي بحسب المسيري حيث نجد الكثير من الأساتذة الذين يضطرون لإنهاء كتاب حول موضوع معين كي يحصلوا على ترقية؛ فيكتب الواحد منهم كُتبًا عن مواضيع يتم اختيارها بالقرعة، ليُكتب عنها في مدة قصيرة، دون أي اهتمام بميوله الفكريَّة أو القضايا والإشكاليات التي يواجهها. وكأن المهم هو اختبار قدرته على حشد المعلومات بسرعة وإثبات أن أحدًا لم يساعده، ولهذا لا يستغرب المسيري من أن كلمة أكاديمي أصبحت تشير إلى شخص عديم الخيال يُلحق بحثه بقائمة طويلة من المراجع، ويشرح أطروحته بطريقة مملة.

الشهادات ليس مقياسًا

ختامًا.. إذا تأملنا سير العُلماء والعظماء سنجد بلا شك من هم من حملة الشهادات العُليا من أمثال المُفكرين الذين استشهدنا بأفكارهم أعلاه، ولكن؟ هل الشهادة هي المقياس الأكيد أن هم أنفسهم يؤكدون بأن الشهادة لا يُمكن أن تكون مقياسًا كما أننا لو تأملنا الواقع سنجد أن نسبة لا بأس بها من الشخصيات العظيمة التي كان لها بصمة عظيمة في حياتنا الفِكرية والأدبية في العصر الحديث لم تكن تحمل أيّة شهادات.. مثل المُفكر عباس محمود العقاد، مثل الداعية مالكوم اكس والأديب مصطفى صادق الرافعي والمجاهد عُمر المختار والقائمة تطول ولكننا نكتفي بهذا القدر.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك