امتحان بين أروقة السجون

6 سبتمبر , 2016

ذات يوم يُذكر بيوم الرابع والعشرين من ديسمبر لعام 2013 ذهبت خمس طالبات بالأزهر الشريف لجامعتهن كباقي زميلاتهن لكن لم يصادفهن الحظ، فكانت الجامعة آن ذاك مكتظة بالأحداث الدامية، وكان المنظر السائد هو الكر والفر بين الطلاب والطالبات من جهة وأفراد من الأمن على الجهة المقابلة.

حدث ما أوقف عقارب الساعة لدى الطالبات الخمس وهن (أسماء وآلاء ورفيدة وعفاف وهنادي)، فكان الغاز المسيل للدموع كالهواء بين طيَات أبنية الجامعة! كانت الاعتقالات بصفوف الطالبات بجامعة الأزهر فرع مدينة نصر بالجملة، لا تسأل لماذا اعتقلت ولا تتخيل كيفية اعتقالك!، حدث ما قد حدث فالطالبات الخمسة أصبحن قيد الاعتقال.

سرعان ما تم وضعهن في العديد من القضايا الملفقة وضمهن للقضية رقم 7332 جنح ثان مدينة نصر لعام 2013 فكانت التهم الموجهة إليهن تظاهر بدون إخطار مع حمل أسلحة وغطاء الوجه واستخدام القوة والعنف وبلطجة وسرقة بالعنوة وإتلاف ممتلكات خاصة وعامة بُالرغم من شهادة زملائهن بحسن الخلق والتفوق الدراسي!.

فالطالبة “أسماء حمدي عبد الستار” تبلغ من العمر اثنين وعشرون عامًا طالبة بكلية طب الأسنان قد تم الاعتداء عليها بالعصي والأخشاب وبها مسامير فضلًا عن التعذيب الذي تعرضت له بسجن القناطر مع بقية الطالبات!.

أسماء منذ دخولها المعتقل وهي لم تمتحن قط وذلك بعد رفض كليتها التام لأدائها الامتحانات داخل السجن لأنها كلية تعتمد على التدريب العملي، وتركت الكلية القوس مفتوحًا لها فلا هي فصلتها ولا سمحت لها بحقها في استكمال دراستها!

وأيضًا الطالبة “هنادي أحمد محمود “طالبة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية تعرضت هنادي هي أيضًا أثناء اعتقالها للضرب المبرح والسحل من قبل قوات الأمن، وقد أجرت عملية جراحية في وقت سابق، حيث قامت قوات الأمن بوضع القيود في يدها بعد إجراء عملية الزائدة الدودية مباشرة في مستشفى “دمنهور” في حراسة مشددة وقبل استفاقتها من البنج.

خاضت هنادي امتحانها لعامها الأول بالجامعة بقسم ثاني مدينة نصر بعد مذاكرتها لسائر موادها الدراسية داخل أروقة السجن، وقامت أيضًا بإعادة الفصل الدراسي الأول للفرقة الأولى مرة ثانية في العام القادم، ثم شعرت باليأس وكأنهم لا يريدون لها النجاح فقررت عدم خوض الامتحانات إلى أن يُخلى سبيلها.

لم تكن الطالبة “رفيدة إبراهيم أحمد علي” صاحبة الاثنين والعشرون عامًا والطالبة بكلية التجارة جامعة الأزهر غائبة عن المشهد فقد تم الاعتداء عليها بالضرب المبرح من قِبل أمن الكلية أثناء اعتقالها!.

يذكر أنه أثناء اعتقالها في قسم ثاني مدينة نصر، كانت رفيدة معتقلة مع الجنائيات في زنزانة واحدة، حيث كانت الجنائيات تقمن بتدخين السجائر وتعاطي المخدرات مما أثر بشدة على تنفسها، فضلًا عن العدد الكبير في الزنزانة الواحدة وعدم قدرتها على النوم وذلك لعدم وجود أماكن إلا للوقوف داخل الزنزانة.

أصيبت المعتقلة بحساسية في الصدر كما عانت من آلام في ظهرها استمرت معها منذ أن تم التعدي عليها في القناطر، وأصيبت كذلك بحساسية جلدية “جَرَب” بسبب الحشرات والمكان غير النظيف في سجن دمنهور، كما أنها تعاني أحيانًا من حساسية في عينها كما ذكرت لي رفيقة حبسها والتي خرجت من السجن مؤخرًا.

أدت رفيدة امتحان أول عام دراسي لها بقسم ثاني مدينة نصر ثم بعدما تم ترحيلهن لسجن دمنهور أصبحت لجنة امتحانها بسجن القناطر للنساء، وهي حاليًا بالفرقة الرابعة بعد عناء طويل من الدراسة داخل أجواء السجن البائسة.

كما أن “آلاء السيد محمود عبد الرحمن” التي تبلغ من العمر عشرين عامًا والطالبة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بقسم الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وهي طالبة منتقبة اختطفت من أمام كليتها واقتادها الأمن لقسم ثاني مدينة نصر، وفي القسم جردت من ملابسها تحت مسمى التفتيش الذاتي! ومن القسم إلى سجن القناطر، تعرضت للضرب من الجنائيات، ثم الصعق بالكهرباء من قوات فض الشغب، ثم رُحّلت -عقابيًا- لسجن دمنهور بالأبعادية.

أدت آلاء امتحان أول عام دراسي لها بقسم ثاني مدينة نصر ولكنها لم تنجح نظرًا لظروف السجن التي لا تصلح للدراسة ولا للعيش، حيث المكان الغير آدمي والسَجن مع ذوات الأحكام الجنائية! وبالفعل أعادت آلاء العام الأول لها ثانيةً ولم يقدم لها أهلها للالتحاق بامتحانات العام السابق مقدرين الوضع السيء الذي تمر به ابنتهم.

وها هي “عفاف أحمد عمر حسين هادي” والتي تبلغ من العمر اثنين وعشرون عامًا والطالبة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعه الأزهر، تم اختطافها من قِبل أمن برداء مدني أثناء ذهابها لأداء امتحانها ثم قام بتسليمها للشرطة ومُنعت الطالبة من دخول الامتحان!، وأدت امتحان أول عام لها بالسجن بقسم ثاني مدينة نصر وبعدما تم ترحيلها لسجن دمنهور سيء السمعة أصبحت تؤدي امتحاناتها بسجن القناطر، وهي حاليًا بالفرقة الرابعة بقسم الشريعة والقانون بكلية الدراسات الإسلامية والعربية.

الطالبات الخمس صدر ضدهن حكم بالحبس خمس سنوات ومائة ألف جنية غرامة في إبريل لعام 2014، وتم تأييد الحكم عليهن في ديسمبر للعام ذاته، قدمن الكثير والكثير من النقض والاستشكال على هذا الحكم الذى رأوه كما رأته صديقاتهنّ وكل من تعامل معهن حكمًا جائرًا، وظلت الطالبات يكتبن على جدران زنزانتهن الضيقة عبارات يراودن بها قلوبهن اليائسة من حلم الخروج من عتمة السجن: “أيا قلبُ صبرًا فالمستقبل ينتظرنا خلف تلك الجدران”، إلى أن زُفت إليهن البشرى: فأخيرًا قُبِل النقض على الحكم الصادر ضدهن بالحبس خمس سنوات ومائة ألف جنيه في الخامس والعشرين من مايو للعام الجاري، ومنذ ذلك التوقيت حتى يومنا هذا وهن ينتظرن تحديد موعد إعادة محاكمتهن ولم يحدد بعد!.

وبهذا الحال الذي يكسوه الأسى تواجه الطالبات الخمسة مصيرًا مجهولًا بعد مُضي أكثر من عامين ونصف على اعتقالهن وحرمانهن من استكمال دراستهن.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك