بين التعليم الخاص والعمومي أين المفر ؟

22 يونيو , 2015

لطالما يتم التطرق لموضوع الصراع المستحدث بين التعليم العمومي ونظيره الخصوصي، بسبب الهوة العميقة بينهما والمشاكل المختلفة التي يعاني منها القطاعان على السواء، لكن مناقشة هذه المسألة تتطلب النظر إليها من وجهين إثنين، مرحلة التعليم الإبتدائي والثانوي، ومرحلة التعليم العالي، نظراً للاختلاف الكبير والجوهري بينهما.

مع مرور الوقت، بدا أن إلحاق الأبناء بمدارس خاصة في مرحلة التعليم الإبتدائي ضرورة ملحة، نظراً لما تقدمه هذه المدارس من خدمات راقية وتوفرها على موارد بشرية متمكنة نوعاً ما على المستوى البيداغوجي، وارتباطها بصورة نمطية (قد تكون في الواقع مغلوطة وبعيدة عن الحقيقة) عن الجودة والتميز الذي ينشده الآباء لأبنائهم. وهكذا تجد أن الكثيرين يجازفون بدفع مبالغ طائلة نظير تعليم أبنائهم، حتى لو أرهق ذلك كاهل ميزانيتهم، وحتى لو لم يكونوا أصلا منتمين لطبقة اجتماعية ميسورة قادرة على تحمل تلك المصاريف، والسبب الواضح هنا هو ذلك “الهروب الجماعي” من المدرسة الحكومية التي فقدت مكانتها مع مرور الوقت وأصبحت غير قادرة على مواكبة التطور التعليمي والتكنولوجي الحالي، بل والأسواء من ذلك، إذ يبدو جلياً أن الدولة تتعمد إبقاء المدرسة العمومية على هذه الحالة قصد رفع يدها عن القطاع بشكل تدريجي في إطار ما يعرف بسياسة “الخوصصة”، ودفع المواطنين دفعاً نحو المدارس الخاصة، وما الاعتراف الصريح لوزير التربية الوطنية رشيد بلمختار بكون 80% من تلاميذ السنوات الأربعة الأولى من التعليم الإبتدائي لم يتقنوا بعد القراءة والكتابة إلا دليل على ذلك، وقد يكون هذا الاعتراف دعوة مبطنة لترك المدرسة الحكومية التي لم يعد يثق بها حالياً سوى أبناء الطبقة الفقيرة جداً، التي يكافح معيلوها أصلا لتأمين قوت يومهم، فما بالك بتحمل مصاريف إضافية للتعليم، ما يجعل الفرق واضحاً في المستوى التعليمي بين تلميذ تلقى تعليمه في مدرسة عمومية تفتقر أصلاً لأهم المرافق الضرورية وآخر في مدرسة خاصة قاعاتها مكيفة وسيارات نقلها مريحة (مع أن المنتسبين لها يدفعون دم قلبهم حسب تعبير الإخوة في مصر)، وقد كنت شاهداً على هذا الاختلاف أثناء مشاركتي كباحث في الإحصاء العام للسكان والسكنة بالمملكة المغربية أواخر صيف العام الماضي، نظراً لتكليفي بمنطقة تضم على السواء عائلات ميسورة وأخرى تعاني من الفقر المدقع.

لكن عندما يتعلق الأمر بمرحلة ما بعد الباكالوريا، وعوالم التعليم العالي بكل دهاليزه وأسراره، فالمسألة هنا مختلفة بعض الشيء:

صحيح أن الدولة تحاول تشجيع التعليم الجامعي الخاص، في وقت نشهد فيه تناسل الكثير من هذه المدارس في مختلف أنحاء البلاد والتي تختلف بين من تكتفي بتكوين من سنتين معادل لشهادة تقني، أو أخرى تقدم تكويناً مدته خمس سنوات يتخرج الطالب بموجبه بشهادة مهندس دولة أو ماستر، وهذا في إطار محاولة لاستنساخ ما قلناه أعلاه عن التعليم الإبتدائي، لكن المتتبع بشكل دقيق للشأن الجامعي المغربي سيدرك أن الإقبال على هذه المدارس يبقى محتشماً ومحدوداً لسببين أساسيين، أولهما المقابل المادي الباهظ جداً الذي لا تستطيع سوى العائلات الميسورة تحمله، والثاني ازدواجية المعايير التي تقدمها الدولة في هذا الشأن، فهي تشجع إنشاء هذه المدارس وفي نفس الوقت تضع مجموعة من العراقيل أمام الطلبة المنتمين لها، وتبقى أبرز هذه المشاكل متعلقة بقضية “المعادلة” وعدم اعتراف الدولة بشهادات تلك المدارس، وبالتالي استحالة تمكن طالب من منتسبيها من ولوج سوق الشغل العمومي وإجباره على البحث عن مستقبله في القطاع الخاص الذي يعيش أصلاً مجموعة من الإكراهات والصعوبات، وهكذا نجد أن أغلب الجامعات ممتلئة عن آخرها بآلاف الطلبة الذين يفضلونها بكل مشاكلها العارمة طمعاً في تلك الشهادة الجامعية التي تعترف بها الدولة، رغم أن الجميع أصلاً يدركون أن أحضان البطالة تنتظرهم بعد التخرج، لكن هذا موضوع آخر…



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك