بين التلقين والعقاب.. يٌنتج العنف والكراهية

15 نوفمبر , 2014

المدرسة تلك الأداة الأخلاقية المستخدمة، في يد المجتمع لضبط سلوك الأفراد، ففيها تكتمل التنشئة من الناحية الاجتماعية و الحضارية ليتم إعداد أفراد صالحين للمجتمع، و ذلك بتعلم الأفراد أسس النظام. و الدور الذي تلعبه المدرسة في التنشئة الاجتماعية، يعتمد إلى حد كبير على شخصية المدرس الذي يمثل بالنسبة للطفل السلطة التي يجب أن يطيعها و في الوقت نفسه هي المثل الأعلى الذي يتمثل به.

في هذا التقرير، نعرض صورة من بعض مدارسنا العربية، التي يعم فيها و بكل آسف جهل المدرسين بالطبيعة البشرية و عجزهم عن فهم النفوس الناشئة و الشباب ففي وقت يكون فيه المعلم يلعب دور المربي و يمثل دور الوالدين في الأسرة بالطريقة التي يوجهون أو يصححون تصرفات الأطفال و هو ما يتطلب منهم إلمام بالعوامل الاجتماعية و النفسية لكي يستطيع معالجة المشاكل التي يتعرض لها الطالب، يكون أغلب هؤلاء المدرسين، و في حقيقة الأمر من أهم الأسباب في بوادر الانحراف التي تظهر لدى الأطفال في المدرسة و لاسيما بالنسبة لمخالفة القوانين الداخلية و النظام.ناهيك عن إنه قد يثبت أنهم من الأسباب و الأمور التي لها صلة وثيقة بجنوح الأحداث أو تهيئة الظروف لحياة الجريمة.

شبكة زدني، و في إعدادها لهذا التقرير، أطلعت على دراسة ميدانية أجريت في مدينة بعقوبة، بمحافظة ديالى، العراقية، و تقدمت بها الباحثة العراقية، “زينب عبد الله محمّد”، إلى جامعة بغداد، عام2005م. تبحث الدراسة في دور البيئة المدرسية في سلوك “العنف”.

 فتعاني المؤسسة التربوية في مجتمعنا العربي من مشكلات معقدة ذات أبعاد تاريخية متراكمة، فما زالت التربية في كثير من الدول العربية في وضعها التقليدي فهي لا تستجيب لمطالب التغير التي يفرضها العلم و تطبيقاته المعاصرة و هذا هو السر في تكامل البناء التربوي في البلدان المتقدمة صناعيًا، و أكثر مدارسنا لا تشعر بالمثل الأعلى الذي يجب عليها تحقيقه في تربية النشئ و حال بعضها في ذلك كحال الأفراد الذين يجهلون أهداف أعمالهم فكأن المدارس أشباح بدون أرواح.

و أن كثيرًا من المثقفين العرب و العراقيين يؤكدون على مسألة أن التعليم في الوطن العربي يستهدف تخريج موظفين أو إنه تعليم تلقيني شكلي، و في هذا يقول الدكتور هشام شرابي:”أن حياة العربي تبدأ و تنتهي بالتلقين و العنصر المشترك بين التلقين و العقاب هو أن كلًا منهما يشدد على السلطة و يستبعد الفهم و الإدراك”.

فمشكلة الموضوع، لا تكون بالضرورة مشكلة اجتماعية بل تكون ظاهرة سوية فهي تعود جذورها التاريخية إلى الموروثات الثقافية إذ كان العقاب أحد وسائل المجتمعات لضبط الانحرافات و خلق حالة من التماثل في السلوك غير أن المدرسة في الوطن العربي عمومًا و في العراق خصوصًا بدت بيئة ملائمة للعنف الذي تسوغه الثقافة السائدة التي قد لا تتطابق مع المرجعية العربية الإسلامية في التربية.

فالعنف المدرسي غالبًا ما يفسر بكونه ضرورة لتربية الطالب مع إنه في الواقع يعكس حالة من التقمص لنماذج في البيت و المجتمع المحلي فضلًا عن النماذج التي تقدمها وسائل الإعلام فقد بينت إحدى الدراسات العلمية بأن الأطفال يغيرون بالفعل أنماط سلوكهم لكي تتطابق و تتماثل مع سلوك مدرسيهم، و بينت أيضًا دراسة علمية أخرى بأن نسبة 70 % من المعلمين و المعلمات يمارسون العنف الجسدي ضد طلبتهم.

و يترتب على العنف ضد الأطفال في المدارس مجموعة من الآثار النفسية و الاجتماعية من قبيل العدوان و الانسحاب و السلوك غير الاجتماعي كعدم احترام الطلبة لمدرسيهم و من ثم كرههم للمدرسة و ما يترتب عليها من آثار سلبية على المجتمع.

إن هذا النقد يوجب دراسة المؤسسة التربوية و في مقدمتها المدرسة للتعرف على مشكلاتها و معوقات العمل فيها و مدى مناسبة مدخلاتها مع مخرجاتها و من هنا كان اختيار الباحثة العراقية، لموضوع دراستها في إحدى المحافظات العراقية، انطلاقًا من أهمية المدرسة في حياتنا اليوم و في رسم صورة مستقبلنا و ملامحه القادم في عالم يتسم بسرعة التغير و بانفجار معرفي هائل يجعل المجتمع العربي عمومًا في موقف لا يحسد عليه فضلًا عن دور المدرسة في تنشئة الجيل الصاعد تنشئة سليمة من خلال ما يقوم به المدرسون من أدوار مهمة.

لو تتبعنا الأحداث التاريخية للمجتمعات سوف نلاحظ في حالة تعرضها لمشكلات جمة إنها توجه جهودها كافة من أجل الخلاص من تلك المشكلات التي تعانيها و تبحث عن الوسائل اللازمة لحل تلك المشكلات و من أهم تلك الوسائل التربية فمثلًا المشكلة الاجتماعية التي واجهتها أمريكا منذ أوائل نشأتها كانت خطيرة جدًا لأنها هدفت إلى صهر نفوس جميع المواطنين الجدد في بوتقة واحدة بالرغم من تباين أصولهم و أديانهم فكان التغلب على هذه المشكلة عن طريق المدرسة.

و بما أن الغرض من المدرسة هو اجتماعي لذلك فمسؤولية المدرس تتجاوز طرق التدريس لتشمل القيم و الأفكار و المبادئ التي تكون الإطار الاجتماعي و هي تتوسع لكي تعمق العلاقة بين المعرفة و الحياة الاجتماعية.

و أن العنف الذي تمارسه الهيئات التدريسية يترك آثارًا خطيرة في سلوك الطالب فقد أصبح ظاهرة تقلق المجتمعات، و قد يصدر عن وعي أو غير وعي من بعض تلك الهيئة، فهو يولد حالات انفعالية سلبية كالعدوان و القلق و أن ضرب الطالب باستمرار و التعامل معه بقسوة و عنف يؤديان إلى ظواهر سلوكية غير مرغوب فيها كالهروب و العدوانية و عدم الامتثال إلى الأنظمة و التعليمات و الكراهية.

و قد أشار الباحثين إلى أن العقاب بدأ مع بداية التربية المقصودة عندما أصبحت الثقافة العقلية و الخلقية التي اكتسبها الإنسان على درجة من التعقيد و أصبحت التربية تتطلب نشاطًا أكثر ضغطًا و جهدًا لذلك استخدمت الوسائل العنيفة.

و لقد ذهب الدكتور، علي الوردي رحمه الله، إلى أن الطريقة البدويـة في تربية أبناء المدينة تؤدي إلى إنتاج جيل فيه الكثير من العقد النفسية و العنف هو أحد سمات الحياة البدوية و لعل أهم مصادره هو البيئة الطبيعية القاسية و الصراع الدائم من أجل تأمين مصادر الحياة فضلًا عن الصراعات من أجل اكتساب منزلات ذات سلطة مؤثرة، و أن الطفل البدوي يتعلم منذ بواكير حياته أن القسوة و العنف و الشدة هي أهم ملامح حياته.

 و يبدو أن المدارس في مجتمعنا تحمل إلى حد كبير هذا الطابع الصراعي إلى جانب أن مجتمعنا تعرض خلال العقود الثلاثة الأخيرة لعملية عسكرة واضحة شملت حتى المدارس و على نحو بدأ العنف “الرسمي” أحد عناصره إلى جانب ما شهده المجتمع من حروب و صراعات مع ضعف الرقابة على المواد الإعلامية سلوك العنف و لاسيما الأجنبية منها التي أصبحت متاحة عن طريق الأفلام و الـ (CD) و الستلايت و المجلات و فضلًا عما يحتويه الإنترنت من مواد مشابهة! فضلاً عن ضعف دور العائلة لانشغالها بتوفير متطلبات الحياة و استمرارها و فقدان كثير من العائلات لرب العائلة نتيجة للحروب التي مرت على الشعب العراقي.

و قد أظهرت دراسة أحد الباحثين بأن الأولاد في عمر (4-15) سنة كانوا أكثر خوفًا و قلقًا بعد الحروب و كانت تصرفاتهم تتسم بالعدوان الجسمي و اللفظي و العصبية كما ٍكانت ألعابهم التي يمارسونها تتعلق بموضوعات الحرب.

مهتم بأمور التعليم



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك