تاريخ التعليم .. تعرف على الوسائل التعليمية الأكثر تأثيرًا وفاعلية على المتعلمين

10 ديسمبر , 2018

لم يكن التعليم منذ آلاف السنين له الأهمية نفسها والمكانة نفسها التي يحظى بها الآن في عالمنا المعاصر، بل إنه لم يكن بالمكانة نفسها منذ عدّة قرون، وهذا ما يشير إلى حقيقة أنه يزداد قيمة وتعمقًا وأهمية بمرور الوقت وإدراكنا لأعمق تفاصيل الأشياء، ويحركه رغبتنا في السيطرة على كل شيء، وذلك لن يحدث إلا بفهم تلك التفاصيل الدقيقة وكيفية استغلالها لصالحنا نحن البشر.

 

في البدء كان التعلم لأجل استمرار الحياة

منذ آلاف السنين لم يتخطَّ مفهوم البشر عن التعلم كونه محاولة نقلهم المعرفة السطحية حول الطبيعة، بعضهم لبعض؛ بهدف البقاء على قيد الحياة وتجنب المخاطر والحصول على الغذاء، فالصيد لم يكن حرفة في بادئ الأمر بل تجربة ناجحة وسط عدد كبير من المحاولات التي انتهت بالموت، بينما الحصول على الثمار كانت محاولة للبحث عن الغذاء أفضت بتجربة ثمار كان من بينها ثمار فاسدة لا تصلح وأخرى طيبة يمكن تناولها، أما عن الزراعة فهي المرحلة التي بدأ العالم حينها يُدرك أهمية التعليم ونقل الخبرات لأول مرة.

 

الوسائل التعليمية في العالم القديم

إن اختراع الزراعة، الذي بدأ منذ 10 آلاف سنة في بعض الأقاليم حول العالم نتج عنه ثورة ظهرت في تغيير طرق معيشة الناس. فقد كانت طريقة حياة الصياد وجامعي الثمار قائمة على حيازتهم لمجموعة مهارات بالتجربة والتناقل الشفهي بين الأسر والقبائل، ولهذا كانت تعد تلك الممارسة (الصيد) وجمع الثمار أنشطة قليلة العمالة ولا تحتاج لمعارف دقيقة حول الأمر لتكون ناجحة، مقارنةً بالزراعة.

فالزراعة في الأساس نشاط كثيف العمالة ويحتاج إلمامًا دقيقًا بالبذور ومواعيد الفيضانات والري الدوري للأرض ومتابعة نموها ثم الحصاد، وفي كل خطوة من تلك المراحل تحتاج لتكاتف عدد كبير من الأفراد فيما بينهم إضافة لمعرفتهم بالقياسات الزمنية والرياضية اللازمة لتنظيم عملية الزراعة والاستفادة منها أفضل ما يكون.. ولهذا وجب عليهم أن يكتسبوا معرفة واسعة بالنباتات، ويَسْعَوْا للاستقرار في مكان ثابت لمراعاة الأرض ومتابعة نموها، وهو ما كان.

 

بالتأكيد لم تكن عملية التعلم بالشكل المُعقد والمتنوع الذي نحن عليه الآن، بل كانت قائمة على عدد من الأسر والتجمعات التزاوجية في إطار اجتماعي بدائي يُعرف بالقبيلة، وكان يرأس هذه القبيلة أكبرهم سنًا وأكثرهم علمًا، وهو ما عُرف في ذلك الوقت بشيخ القبيلة.

 

واعتمدت تلك الفترة على نظام أشبه بالدولة الصغيرة وهذا الدافع الذي جعلهم يدركون لأول مرة قيمة التعلم وكيفية تحقيقه حتى وإن كان بشكله البدائي البسيط للغاية في ذلك الوقت وهو ما عُرف بالتعليم القصصي (التعلم الشفهي).

 

التعليم القصصي

التعليم القصصي هو أقدم أنواع التعليم ويُعرف أيضًا بالتعلم الشفهي وهو اكتساب المعرفة عن طريق الحكايات والمرويات القصصية، يقدمه كبار السن ذوي الخبرة للصغار بهدف إعطائهم معلومة جديدة تمكنهم من إدراك العالم حولهم بشكل دقيق ومساعدتهم في خطواتهم الأولى ليكون لهم دور في مجتمعاتهم.

 

 

 

كان الهدف من التعليم القصصي في بداية الأمر هو تأمين أفراد القبيلة من المخاطر المتوقعة وتأهيلهم لمسؤوليتهم المستقبلية برعاية النسل القادم، وهو ما تم فعلًا لمئات السنين، وقد بدأ بشكل عشوائي غير منظم من قبل معرفة البشر بالزراعة، ولكنه أصبح منظمًا بصفته وسيلةً تعليمية جماعية باستقرار البشر، وهو الذي صاحب اعتمادهم على الزراعة مصدرًا للغذاء واحتياجهم لبناء مساكنهم الخاصة وتكوين مجتمعاتهم الأكثر ترابطًا وتعقيدًا.

 

التعليم باستخدام وسائل غير شفهية

بمرور الوقت وتغير معطيات العالم وبزيادة أعداد البشر نتيجة للنمو الكبير للأسر وتقارب المجتمعات، احتاج البشر لزيادة رقعة الأرض المزروعة للاستفادة من ثرواتها الغذائية والتوسعية وإقامة مزارع ومساكن لهم، وهو ما جعلهم أكثر عُرضة للعديد من الظواهر الطبيعية التي أثرت على الأرض وقضت على حياتهم، فالفيضانات والسهول والزلازل دمرت الكثير من الأراضي ودفعت الأفراد للبحث عن بقاع أخرى يستوطنونها، وهو ما دفعهم لاستخدام وسائل لنقل معارفهم للأجيال القادمة في ظل وفاة الكثير من شيوخ ومُعلمي القبائل.

وهو ما حدث فعلًا ونتج عنه ظهور نوع آخر جديد من وسائل نقل المعرفة، عن طريق الكتابة واستخدام الرسومات الإيضاحية والنحت وغيرها من طرق إيصال المعرفة من شخص لآخر والحفاظ عليها ليتوارثها النسل القادم، ويُعد هذا النوع من أنواع المعارف الأكثر تطورًا من فكرة التعليم القصصي الذي كان يُعد هو الوسيلة البديهية الأولى لنقل خبرات الإنسان وتجاربه من شخص لآخر.

لم تكن وسائل التعليم التجريبية والتي تُعد أكثر وسائل نقل المعرفة حداثة بقديمة تمامًا بالرغم من أن التاريخ البشري يذكر أن هناك مجتمعات معينة أدركت فكرة التجربة والاستنتاج بشكلها البدائي في عصور قديمة مثل: الفراعنة، وفكرة الحساب بعد الموت، وقبائل الإنكا ونظرتهم للظواهر الطبيعية، وغيرهم من المجتمعات القديمة التي تعلمت بالمُعاناة..

ولكن المؤكد أن إدراكنا نحن البشر بمفهوم التعليم التجريبي (التعلم عبر التجربة) لم يأخذ شكله المنضبط والمُنقى من عيوب الوعي البديهي والمغالطات الاستنتاجية والمنطقية إلا بظهور تطبيقات عملية للفلسفة التجريبية.

 

الفلسفة التجريبية

هي توجه فكري يؤمن بأن كامل المعرفة الإنسانية تأتي بشكل رئيس عن طريق الحواس والخبرة. وترى أن تلك المعارف هي المعلومات الأكثر صحة ودقة من غيرها التي يتم تناقلها بلا إثبات فعلي أو دليل حقيقي عليها، ويُنسب للفلسفة التجريبية الفضل في وضعها حجر الأساس لفكرة العلم Science” الذي نُدركه الآن ونتعلمه ونتعمق فيه يومًا بعد يوم.

فالفلسفة التجريبية هي الفكرة التي تم منها اشتقاق المنهج العلمي الذي يُبني عليه الحقائق العلمية بعد تعريضها للاختبار والمراجعة مما يقودنا لحقيقة علمية رصينة تقبل التشكيك بلا خوف بمواجهة متكررة بدون فقدان مصداقيتها العلمية.

 

الوسائل التعليمية الأفضل:

 لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار أي وسيلة من تلك الوسائل أقل من غيرها بشكل عام ومطلق، ومع ذلك لا يمكن بأي حال من الاحوال اعتماد الوسائل القصصية و الوسائل الكتابية والرسومية فيما يخص شرح العلوم التجريبية فإدراكنا البديهي للأشياء دائمًا ما يدحض أي فكرة تبدو غريبة بالنسبة لنا، ولهذا يوجد تقسيم للوسائل التعليمية الأفضل طبقًا لطبيعة المعرفة المنقولة.

 

الوسائل القصصية تبدو مُلهمة للغاية في إعطاء فكرة عامة وتوعوية عن الأشياء لكنها ليست مؤهلة لشرح وتبسيط تفاصيل الحقائق العلمية والمعطيات المعلوماتية ولهذا تبرز أهمية تلك الوسائل في الإطار الأدبي من المحتوى المعرفي الذي لا يحتاج إلا إلى إطار روائي وكنايات بلاغية واستدراكات لغوية، وهو ما يتحقق بالفعل في المعارف الأدبية.

 

المُعادلة الأمثل للنظام التعليمي الأفضل

ويسير التعليم في مسار يهدف إلى أن يصبح أكثر مُتعة للطُلاب وذلك إما بإضافة الإطار القصصي عبر تأهيل “المُعلم” ليقوم بتلك الوظيفة وإتاحة التعليم التطبيقي الأكثر واقعية وشغفًا بالنسبة للشباب، وحينها سيقل احساس الأشخاص بصعوبة التعلم وتنخفض كثيرًا معدلات “التسرب من التعليم” والتي تُعد إحدى أكثر الظواهر الاجتماعية ضررًا من الناحية الجماعية على مستقبل المُجتمعات.

 

وعندما نتخلى تمامًا عن أساليب التعليم الإجبارية القائمة على القسوة أو العنف حينها يمكننا القول أننا نخطو بالفعل تجاه عالم يكون فيه التعليم مُثمرًا بحق وإيجابيًا على الدوام وفعّالًا لكل شخص على حدى، طبقًا لمواهبه وتطلعاته وقدراته وتلك المعادلة هي ما تسعى إليها  المؤسسات والمنصات العلمية كافة حول العالم.

 

ما الذي سيصبح عليه التعليم في المُستقبل؟

يبدو أننا سنشهد مُستقبلًا يتغير فيه شكل العملية التعليمية إلى ما هو أكثر تطورًا، فقد ظهرت “منصات تعليمية غير تقليدية” وانتشرت في آخر 10 سنوات بشكل ملحوظ “الكورسات” كبداية لانتشار التعلم عن بُعد (التعليم الإلكتروني) الذي يعتمد على حافز شخصي داخل نفسية المُتعلم ومحتوى معرفي مُبسط مناسب، وتكنولوجيا أصبحت متوفرة في معظم دول العالم حاليًا.

ويتوقع أن يتم الاستغناء تمامًا عن “التعليم التقليدي” وهذا لما يتصف به (التعلم عن بُعد) من تخصص وفاعلية وانخفاض تكاليفه مقارنة بغيره من النظم التعليمية.

 

المصادر:

A Brief History of Education

the history of education

Experiential education



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك