تاريخ التعليم: من رفاهيةٍ للأغنياء إلى حقٍّ كالماء والهواء!

29 أكتوبر , 2018

في البدء كان التعليم رفاهية وامتيازًا لا يُمنح لعامة الناس، والآن أصبح التعليم حقًا رسميًا اتفق عليه كل البشر، وما بين ذلك عَبر التعليم بالعديد من التحديات لينتقل من كونه امتيازًا خاصًا بالنُبلاء والأسر الأرستقراطية، إلى اتفاق عالمي بين البشر لصياغته في صورة “حق إنساني” يجب أن يحصل عليه الفرد خلال أي فترة من فترات حياته، بما يفيده ويعود بالنفع على المُجتمع ككل، وتم صياغة ذلك في بنود “الميثاق العالمي لحقوق الأنسان” وتولّت المنظمات الدولية بالإضافة إلى أجهزة “الأمم المتحدة” المنوطة برعاية هذا الحق المشاركة في تنفيذه وإفشاءه رسميًا في المُجتمع الدولي.

 

في هذا التقرير سنتحدث عن مسار التعلّم، منذ أن كان امتيازًا خاصًا لطبقة اجتماعية معينة، حتى أصبح فيما بعد حقًا إنسانيًا لا تمييز فيه، وما هي القفزات التاريخية والفلسفية التي جعلت العالم يُدرك حقًا أهمية التعليم، ويصمم على جعله ضمن المبادئ الأولى في ميثاق عالمي، ينظم الحقوق الأساسية اللصيقة بالإنسان.

 

تاريخ التعليم:

في الماضي ومنذ مئات السنين، لم يكن التعليم إلا ميزة خاصة بالنُبلاء والأغنياء فقط، ولم يتخطَّ كونه مجموعة المعارف الأساسية في علوم الطبيعة وبالتحديد الفلك والأخلاقيات والتجارة والعلوم اللاهوتية (الدين)، وهو ما ساد معظم دول العالم لفترات طويلة من التاريخ الإنساني إلا ان هناك مُجتمعاتٍ ودولًّا – لم تكن الدول كما نعرفها الآن – عرفت التعليم وخصوصًا التعليم المهني للأعمال السائدة في تلك العصور. مثل: الزراعة والتطريز والنحت والتدوين ..إلخ. وهو أيضًا ما يُعد أولى مراحل التعليم المنظم والذي يمكن وصفه بأنه تعليم بدائي، وذلك نظرًا لتطورات العالم الذي نشهده الآن.

 

تلك الفترة كانت هي المرحلة الأولى في تاريخ البشرية التي تأكدت فيها أهمية التعليم بشكل موثق وواضح، وذلك بعد عصر النهضة في أوروبا، وتحديدًا في القرن التاسع عشر، حيث أخذ التعليم طابعًا أكثر تطورًا وتنوعًا مما كان عليه قبل ذلك، وظهر ذلك في انتشار اقتناع وطني وقومي بدور التعليم وأهميته وتأثيره على الفرد وآثاره الإيجابية العائدة على المُجتمع، وكم إن تلك القيمة المُضافة للفرد عبر التعلم ستُثري المجتمع ككل، مما سيفيد الدولة أكثر إذا تم تنظيم عملية التعلم وقولبتها لتسري على عدد كبير من الأفراد.

 

أهمية التعليم

لا يُمكن القول إن العالم أدرك اهمية التعليم وفقًا لمفهومنا الحالي، لأن “التعليم” حينئذٍ لم يكن أبدًا حاجة بشرية تدفعهم للاختراع. وإنما كان نشاطًا وقائيًا يهدف لتجنب مخاطر وأفخاخ الطبيعة، وهي الأولوية للإنسان كغيره من الكائنات الحية، والدافع معلوم مسبقًا ألا وهي “غريزة البقاء”.

 

وتكتمل الصورة إذا علمت بأن الصيد كسلوك بدائي في الماضي اعتمد على التعليم، أو للدقة فلنقل اعتمد على المعرفة المنقولة عن استخدام الأدوات والقتل، وتحت نفس الدافع الغريزي ولكن بهدف الحصول على الطعام (تأمين الغذاء). وكذلك الأمر في بناء المنازل، وتطوّر جدًا بفهم البشر لفكرة الزراعة وبداية عصر أكثر تعقيدًا وهو ما يعني تحديات أكبر.

 

وكلما تمر السنين ويكتشف الإنسان الطبيعة من حوله يصبح أكثر رغبة في نقل تجربته لغيره عبر تعليمه ما يعرف، وهذا هو شكل التعليم في الماضي فلم يكن منظمًا أو موضوعيًا أو تجريبيًا، بل كان مجرد معرفة يتداولها البشر ليظلوا على قيد الحياة. ولكن حينما استطاع البشر توفير “الحياه بأمان”، دفعهم الفضول لفهم واستكشاف الطبيعة حولهم، وتوثيق معرفتهم عنها بالكتابة، وهو ما جعل فكرة التعليم تأخذ طابعًا جدّيًا أكثر من مجرد المعرفة الشفهية، أو ما يمكن وصفها بأنها “حكايات وتجارب”.

 

وبمرور السنين امتلك البشر الكثير من المعرفة المكتوبة عن الأشياء، وتوارثوا فكرة التعلم بوصفها تلقينًا تتابعيًا من جيل لآخر ليستطيع أن يحل محله مستقبلًا في الأدوار الاجتماعية. وبازدياد تفاعل الإنسان مع الطبيعة وفضوله الذي لا ينتهى أبدًا، أصبحت المعرفة البشرية المُجمعة مُتعددة للغاية وكثيفة، ولكن حازت العلوم الدينية النصيب الأكبر من التقديس والأهمية في نظر الناس، وأتت بعدها المهارات الحرفية التي توفر للمجتمعات الطعام، باعتباره إحدى أساسيات البقاء البشري.

 

ولم يُدرك العالم قيمة التعليم فعليًا إلا في القرن التاسع عشر، حيث بدأ المُفكرون من أنحاء العالم في الاجتماع على فكرة واحدة مفادها أن التعليم ليس رفاهية على الإطلاق، بل هو واجب اجتماعي يجب أن تكفله المُجتمعات لكل أفرادها، وهو وسيلتها الوحيدة لتبقى مثمرة وإيجابية في حياة بعضهم البعض. وقد أيّد ذلك التفكير الاكتشافات الفيزيائية والبيولوجية التي ساعدت الإنسان على فهم موقعه من الطبيعة والكون ككل، بالإضافة إلى قيام الثورة الصناعية وبداية عصر الرأسمالية.

 

التعليم كحق إنساني

في المادة الـ26 من بنود الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، تم ذِكر التعليم باعتباره حقًا من حقوق الإنسان وكُتب نصًا؛ “لكلِّ شخص حقٌّ في التعليم” ، وهو ما اعتبر حينها خطوة تكاتفية هائلة للبشرية سيُبنى عليها مسارها التقدمي وسعيها للتسامح والتفاهم والإخاء بين أفرادها، وخطوة أساسية وهامة في إنهاء الصراعات البدائية، والعصبيات حول الأفكار والسلوكيات الرجعية، وتوجه عام سيُعزز احترام الإنسان لنفسه وتقديره لذاته، وتقبّله ومراعاته لحقوق الآخرين.

ويُعد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان أحد أهم أسس القانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث إن هناك اتفاقًا عالميًا على ذلك، وهو ما يجعل المنظمات الدولية بالإضافة إلى أجهزة الأمم المتحدة المنوطة بمسألة التعليم والطفل مسؤولة عن التزام الدول بواجبها في توفير “حق التعليم” لشعوبها، بدون النظر للدين أو العرق أو اللون أو وجود أي تمييز لأسباب اجتماعية واقتصادية، وهو ما تم توضيحه بجملة “يجب أن يُوفَّر التعليمُ مجَّانًا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية.”

 

إلزامية تعليم الأطفال (حق الطفل في التعليم)

وقد شددت على أهمية التعليم في مراحله الأولى باستخدام جملة “ويكون التعليمُ الابتدائيُّ إلزاميًّا”، وتُعد تلك اشارةً لأهمية حصول الطفل على المعرفة الأساسية في مراحل حياته الأولى، حتى إن كانت الدولة تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية.

 

مبادئ التعليم كأحد حقوق الإنسان

– العدالة وعدم التمييز: يجب على الدولة أن تضمن أن حق الإنسان في التعليم سوف يُمارس بدون تمييز من أي نوع، وتُعد الدولة مسؤولة عن حصول الفرد على حقه في التعليم بشكل عادل.

– الكرامة: يجب أن تحترم المؤسسات التعليمية الكرامة المتأصلة لكل فرد من أفرادها، والتي هي أيضًا إحدى حقوق الإنسان. وعليها أن تتمكن من خلق بيئة صحية ومحايدة قائمة على الاحترام والتسامح في الفصول الدراسية، وتمنع الممارسات والسياسات التأديبية التي تسبب الأذى أو الإذلال للطُلاب، ويجب أن تساهم في تعزيز الثقة بالنفس والتعبير عن الذات للمُتعلمين.

– نفعية التعليم: يجب أن تكون أهداف التعليم محددة وموجهة بشكل واضح نحو تنمية شخصية كل فرد، وإطلاق العنان لإظهار إمكانياته الكاملة، وإعداده ليستطيع للمشاركة في المجتمع بشكل إيجابي بنّاء، وتأهيله نفسيًا وذهنيًا للقدرة على مواصلة عملية التعلم طوال الحياة.

– المشاركة والمسؤولية: يحق للطلاب وأولياء الأمور المشاركة في القرارات التي تؤثر عليهم، ويجب أن يتم احترام حقهم في اختيار نوع التعليم المناسب لأبنائهم.

– الخصوصية والتناسب: يجب أن يتمتع كل فرد بالمساواة في الحصول على تعليم جيد يتكيف مع احتياجاته الشخصية وقدراته الخاصة. وهو ما يعني أن عملية التعليم ليست مجرد منهج ثابت يجب على الأفراد تلقيه واستيعابه بنفس الطريقة والمعدل.

المصادر:

Right to education

Education is a Right, Not a Privilege



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك