تاريخ الكمبيوتر التعليمي!

31 يناير , 2018

في عام 1982، اختير الكمبيوتر بوصفه الآلة الأوسع انتشارًا والأكثر استعمالًا. ولهذا الاختيار الصائب، كثير من المبررات. ففي غضون سنوات قليلة غزا الكمبيوتر كافة حقول النشاط البشري، ابتداءً من ألعاب التسلية وتصنيف الكتب في المكتبات العامة، ومرورًا بأوجه البحث المختلفة في حقول الإحصاء وإدارة الأعمال والاقتصاد والطب والعلوم، وانتهاءً بالأقمار الصناعية وغزو الفضاء  وحتى صنع القرار السياسي!

 

وفي حقل التعليم، فإن الكمبيوتر أخذ في الانتشار، ربما بمعدل أسرع من كل التوقعات. وكانت البداية منذ سنوات قليلة خلت، حيث استخدم الكمبيوتر بصفة أولية كـ ” مخزن للمعلومات ” يرجع إليه الطلاب والمدرسون على حد سواء. وسرعان ما اتسع دور الكمبيوتر ليشمل إلقاء المحاضرات وعرض وسائل الإيضاح وتبادل المعلومات.

 

وتذهب بعض النبوءات إلى أن كل طالب في البلدان المتقدمة، سيكون على مكتبه في المدرسة كمبيوتر صغير، قبل نهاية القرن الحالي! ومع معدل الانتشار المذكور، فليس غريبًا أن يتربع الكمبيوتر على مكاتب التلاميذ في السنوات القليلة القادمة.

 

ماذا يمكن أن يقدم الكمبيوتر لتلاميذ القرن الحادي والعشرين؟ وهل يستطيع تلاميذ المراحل التعليمية الأولية التعامل مع هذه الآلة العجيبة؟ وماذا يترتب على انتشار ” المعلم الآلي ” في فصول الدراسة؟ هذا ما سنعرفه من السطور التالية.

 

شبكة قومية:

بدأت برامج الكمبيوتر التعليمية لأول مرة في الولايات المتحدة، بإدخال النظام المعروف باسم ” أفلاطون ” Plato. ويتكون هذا النظام من ” كمبيوتر مركزي ” يطلق عليه ” الوحدة الرئيسية “. وتختزن ذاكرة الكمبيوتر المركزي معلومات وفيرة عن برنامج تعليمي معين ( أو منهج دراسي ) مثل الرياضيات أو الفيزياء أو غير ذلك من العلوم التي يتلقاها تلاميذ المدارس. ويتصل الكمبيوتر المركزي بما يسمى ” نهايات ” أو وحدات تشغيل.

 

توزع وحدات التشغيل على عدد من المدارس التي تقع بالقرب من مكان الكمبيوتر المركزي، أو تلك المدارس التي تلقن تلاميذها المنهج المعين المختزن في ذاكرة الكمبيوتر. أما وحدة التشغيل فلا تزيد على شاشة عرض، تتصل بلوحة مفاتيح حساسة للمس ( تعمل باللمس الخفيف ).

 

ولا يتطلب الأمر أى تعقيدات في التشغيل. كل ما هنالك أن الطالب ” يخاطب ” الكمبيوتر عن طريق لوحة التشغيل، فيُسأل عن مسألة معينة، فتظهر الإجابة على شاشة العرض! وباستخدام الكمبيوتر، تمكن الطلاب ذوو القدرات العقلية المتوسطة، من استيعاب منهج دراسي في عشرين ساعة فقط، في الوقت الذى يخصص لذات المنهج مائة وخمسون ساعة بطرق الدراسة التقليدية!

 

وهذا النجاح الأوّلي هو الذى أدّى إلى فكرة تعميم الكمبيوتر في مدارس الولايات المتحدة ومعاهدها، بعد أن كان استخدامه مقصورًا على بعض المدارس والجامعات. والاتجاه الآن في أمريكا لإنشاء شبكة قومية من ” الكمبيوتر التعليمي ” يتم تعميمه في سائر مراحل الدراسة.

 

وجدير بالذكر أن فكرة الكمبيوتر التعليمي خرجت من نطاق الولايات المتحدة إلى أوروبا، مع أواخر السبعينيات. فابتكرت بريطانيا نظام ” عرض المعلومات ” باستخدام الكمبيوتر ” بريستيل ” Prestel. وهذا النظام تطوير لطريقة ” خطوط الهاتف “، والتي ما تزال وسيلة شائعة لاستخدام الكمبيوتر.

 

وفي الطريقة البريطانية، يعمل الخط الهاتفي كهمزة وصل بين مصدر المعلومات ( الكمبيوتر المركزي ) وبين شاشة العرض (شاشة جهاز تلفاز عادي). وعن طريق الهاتف المتصل بلوحة طلب معلومات، تستخدم رموزًا شفرية بسيطة، يستطيع المشترك في هذا النظام أن يطلب من المعلومات من يشاء، مما هو في ذاكرة الكمبيوتر المركزي.

 

والفارق بين النظام الأميريكى والنظام البريطاني، هو أن الأخير مملوك لشركات خاصة، تقدم المعلومات للمشتركين معها، نظير دفع أجر معين عن كل “صفحة” معلومات ( ما يملأ شاشة العرض مرة واحدة ). وبغض النظر عن دفع رسوم أو الحصول على معلومات مجانًا، فقد لوحظ في بريطانيا أيضاً، أن الأطفال الذين استعانوا بالكمبيوتر في تحصيل مناهجهم الدراسية، تفوقوا على أقرانهم بفارق ملحوظ !

 

وفي فرنسا وألمانيا الغربية، تجرى محاولات مماثلة لتلك التي جرت في الولايات المتحدة، بهدف تعميم الكمبيوتر في حقل التعليم. بيد أن المحاولات في أوروبا الغربية ما تزال متعثرة بشكل عام. ويعزو خبراء التعليم في تلك البلدان السبب في ذلك إلى أن الاعتماد على الكمبيوتر في بلادهم لا يتم بنفس سرعة الانتشار في أميريكا. ويعللون ذلك بالنزعة التقليدية المحافِظة التي ما تزال تلعب دورها على مسرح الحياة في أوروبا.

 

الكمبيوتر الصغير:

فكرة الكمبيوتر الصغير Microcomputer، ليست وليدة اليوم. فمنذ بعض الوقت والأسواق مغمورة بما يشبه الكمبيوتر الصغير. ونقصد بذلك الآلات الصغيرة التي تشبه آلة حاسبة صغيرة، سواء من حيث الشكل أو طريقة العمل.

 

والطريف أن المقصود من هذه الآلات، أو في الحقيقة الألعاب، تحويل عملية اكتساب المعرفة إلى لعبة ترفيهية، خصوصًا للأطفال في أول مراحل التعليم. وقد لاقت هذه الآلات رواجًا كبيرًا بين الأطفال على اختلاف أعمارهم. وشاع استخدامها بين تلاميذ المدارس، من ذوي القدرات العقلية المختلفة، وأفاد منها النابه والخامل على السواء.

 

ومن هذه الآلات ما يعلم الأطفال الهجاء أو التهجي ( تكوين الكلمات من حروف، وحصر الحروف التي تكون كلمة بعينها). ومنها ما يعلم الصغار قواعد الحساب وأصول العمليات الرياضية، مثل الجمع والطرح والقسمة والضرب.

 

وفي البداية، كانت ” ذاكرة ” هذه الآلات ضيقة النطاق، وتغطي عمليات محدودة سواء في مجال اللغة أو الرياضيات. ومع تطور صناعة مخازن ذاكرة الكمبيوتر من شرائح السيليكون، أمكن تطوير الآلات الصغيرة، بحيث يمكن استبدال ” الذاكرة ” بنفس البساطة التي يتم بها استبدال البطارية (بطارية التشغيل). ويكون ذلك بنزع شريحة السيليكون الموجودة في الالة، ووضع أخرى مكانها.

 

وأعقب ذلك ظهور جيل جديد من الكمبيوتر الصغير، أيضًا في إطار ابتكارات ترفيهية للأطفال، يمكن الطفل من رسم الأشكال المختلفة التي يخطها قلمه الصغير. ويستخدم لهذه اللعبة “قلم ضوئي” متصل بالكمبيوتر، يرسم به الطفل على شاشة تلفاز.

ومزية هذه اللعبة أنها تصحح نظرة الطفل إلى الأشكال المختلفة، وطريقة استيعابه لأبعادها وسطوحها، وذلك بتوجيه من المعلومات المختلفة المختزنة في ذاكرة الكمبيوتر عن هندسة الأشكال.

 

على أن أعظم تطوير في حقل صناعة الكمبيوتر الصغير هو إنتاج “كمبيوتر متكلم”. وعلى الرغم من أن صوت الكمبيوتر المتكلم هو صوت صناعي إلا أنه يبدو مألوفًا للأذن البشرية، وطريفًا ومضحكًا للأطفال!

ويستطيع الطفل أن يُجريَ حوارًا كاملًا مع الكمبيوتر المتكلم، في إطار برنامج ذاكرة الكمبيوتر، في إطار برنامج ذاكرة الكمبيوتر.

فالطفل يوجه أسئلة إلى الكمبيوتر باستخدام لوحة المفاتيح، فيجيب عليه الكمبيوتر بصوته. ويمكن أن يحدث العكس، فيسأل الكمبيوتر ويجيب الطفل بالكتابة على لوحة المفاتيح!

 

وهذا الكمبيوتر المتكلم هو الذى سيتربع على مكاتب التلاميذ في المستقبل القريب. ومما يؤهله لاحتلال هذه المكانة أنه مزود ببرنامج يعين التلميذ على رسم الخرائط والأشكال الهندسية المختلفة، ومنحنيات الإحصاء، وغير ذلك من الرسومات التي تحتاج إلى استظهارها التلميذ في دراسته. بل أكثر من ذلك، يستطيع التلميذ الاعتماد على هذا الكمبيوتر الصغير في تصميم دوائر كهربية، واستبيان تركيبات كيميائية!

 

ويستخدم هذا النوع من الكمبيوتر الآن، على نطاق واسع، في المنازل وكثير من المدارس. ويستخدمه المدرسون بنفس درجة التلاميذ. إذ يعينه على تخطيط منهج الدراسة وتغطية جوانبه المختلفة. ومن المنظور أن يتم تعميمه في المدارس الأمريكية، في إطار برنامج ” الكمبيوتر التعليمي “.

 

ومع تزايد الاتجاه نحو تعميم الكمبيوتر في حقل التعليم، بدأت صناعات جديدة تنمو، كما دخلت تحسينات كثيرة على طريقة “برمجة” الكمبيوتر ( أى تزويده ببرنامج معين ). من ذلك تطوير طرق تخزين المعلومات، وإعداد مناهج الدراسة المختلفة على شرائط فيديو، يتم استظهارها بالاستعانة بالكمبيوتر.

 

ولا شك أن هذه الثورة في عالم تطبيقات الكمبيوتر، ستؤدي إلى حدوث ثورات في المجالات المختلفة الملحقة بالتعليم. فعلى سبيل المثال، ستتأثر المكتبات كثيرًا بالإقبال المتزايد على الكمبيوتر التعليمي. الأمر الذى يعني ضرورة إحداث تغيير جذري في نظام المكتبات الحالي، بحيث يواكب “تلميذ الكمبيوتر”.

 

وقد بدأت المنافسة بالفعل، بين الشركات المختلفة المتخصصة في صناعة الكمبيوتر وملحقاته، لتلبية الاحتياجات الجديدة التي يفرضها انتشار الكمبيوتر في المدارس.

 

تساؤلات مطروحة:

لعل أول ما يتبادر إلى الذهن ونحن نتكلم عن تعميم الكمبيوتر التعليمي في المدارس، هو:

ما دور المدرس في المستقبل؟!

 

هذا التساؤل وارد في الحسبان ولكنه لم يظهر على سطح الأحداث بصورة حادة إلى الآن. والمؤكد أن دور المدرس سيتقلص بدرجة كبيرة في المستقبل. وربما تقتصر وظيفة المدرس على توجيه التلاميذ نحو كيفية استخدام الكمبيوتر، بدلًا من دوره التقليدي والتاريخي في تلقين العلم! وليس بعيدًا أن تذهب مهنة التدريس ضحية لعـصر الكمبيوتر، كما ذهبت من قبل مهنة عمال الطباعة – على الأقل في الولايات المتحدة، حيث ينتشر الكمبيوتر بسرعة مذهلة.

 

وهناك تساؤل آخر عن الجوانب النفسية لتلميذ تنقطع صلته بمدرس آدمي، ليتلقى العلم من مدرس آلي. ونظرًا لأن هذه مسألة يصعب التنبؤ بنتائجها، فضلًا عن أنها لم تحدث عمليًا إلى هذا الوقت، فإن الاجابة على هذا السؤال متروكة للأيام والتجربة.

 

ثم سرعان ما يقفز سؤال من نوع آخر إلى ذهن القارئ العربي: أين يقف تلميذ المدرسة العربية من هذه الأحداث؟! ما هي المقومات التي يكتسبها بحيث يصير قادرًا على التعايش مع عصر الكمبيوتر؟!

 

وأخطر من هذه الأسئلة، سؤال حاد عن مصير خريجي الجامعات العربية، الذين يسافرون إلى أوروبا والولايات المتحدة بهدف التخصص العلمي أو الأكاديمي. كيف يستطيع طلاب الدراسات العليا من هؤلاء مواكبة أجواء دراسية تعتمد على الكمبيوتر باضطراد يتزايد يومًا إثر يوم؟!

صحيح أن الأنماط الحديثة من الكمبيوتر لا تتطلب إلمامًا مستفيضًا بطرق تشغيل الكمبيوتر، ومعرفة لغته، وطريقة برمجته. ولكنها في النهاية تحتاج إلى حد أدنى من المعرفة والألفة بجهاز صار استخدامه ضرورة من ضرورات العصر. فإلى أى مدى يستطيع الطالب العربى فهم واستيعاب والتعامل مع الكمبيوتر، في مجتمع كمبيوتر، في عصر الكمبيوتر؟!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك