تعلم الهندسة.. في مدرسة الطبيعة!

25 أبريل , 2018

مَن مِنَّا لا يُحب الخروجَ إلى أحضان الطبيعة، والتمتع بما فيها من مخلوقات عجيبة؟! ولكن مَن منَّا يتخيَّل أن هذا الوقت الممتع يُمكن أن يتحول إلى وسيلة من وسائل تعلم الإبداع في حل الإشكاليات التي تواجه شركات الهندسة اليوم، كأن نتعلَّم مِن سمكةٍ كيف نُقلِّل استهلاك الوقود في السيارات، أو من عالَم الزواحف كيف نطوِّر “روبوتًا” ليكون بقدرات خارقة؟ أو لَرُبَّما نتعلم من زهرةِ اللوتس كيف يُمكننا أن نطوِّر أشياء تُنظِّف نفسها بنفسها.. بدلًا من أن نتعب أنفسنا بالتنظيف؟ كُلُّ هذا هو جُزءٌ من علم البيونيك.. علم الابتكار والإبداع من وحي الطبيعة!

 

يتألف مصطلح (بيونيك Bionics) من كلمتين الأولى (بيو) وهي مأخوذة من كلمة بيولوجيا، والأخرى (نيك) وهي مأخوذة من النصف الأخير لكلمة تكنيك (التقنية)، وبالتالي فنحن نتحدث عن مزيج من علم الأحياء وعلوم الهندسة، وهو ما يُمكن أن نُطلق عليه لقب: “هندسة تقليد الطبيعة” فالطبيعة بكل ما فيها من مخلوقات وعمليَّات حيوية تعدُّ كنزًا هائًلا لكل مُهندس يبحث عن حلول للإشكاليَّات التي تواجهه، ومع ذلك لم يستفد البشر من هذا الكَنز كما يجب، ولهذا فإن الكثير من الجامعات اليوم بدأتْ تسعى إلى تخريج مُهندسين وعلماء أحياء قادرين على التفاهم وإيجاد لغة مشتركة بينهم تُمكِّنُهم من تبادل الخبرات من أجل صناعة مُنتجات من وحي الطبيعة، بلا سمومٍ، وبلا غازات ضارةٍ وبلا تلوُّث!

 

 

مثالًا على ذلك فإن أشهرَ مُحاولات الاستفادة من الطبيعة التي سمعنا عنها هي مُحاولة الطيران التي قام بها عباس بن فرناس قبل حوالي 1000 عام عندما قام بالتحليق من فوق مئذنة في جامع قُرطبة في الأندلس، فقد كان هذا العالم مُحبًّا للتجارب، وقام بمُراقبة الطيور ودراستها قبل أن يطير، وتصير مُحاولته للطيران حديث الناس في العالم الإسلامي، عِلْمًا بأنه سقط، وأصيب بكسور اضطرتْهُ للمكوث في السرير لأسابيع، وذلك لأنه نسي الذيل، وما له من أهمية لضمان اتزان عمليَّة الطيران، وعمومًا فقد كانت فكرتُه عبقريةً في ذلك الزمان، ولكن دراسات البيونيك اليوم تقوم على دراسة التفاصيل لكل مخلوق ولكل ظاهرة يُرجى تقليديها، وهذه بضعة أمثلة:

 

زهرة اللوتس.. النموذج الأبرز

على الرغم من كُل التقدم العلمي الذي حولنا، لا نتخيَّل مثلًا وجود صحونٍ تنظِّف نفسها بنفسها، أو سيارةٍ تحافظ على لمعانها بشكل دائم، دون أن يغسلها أحد، ولكن في الطبيعة هذا موجود مُنذ القدم عند زهرة اللوتس التي تمتلك القُدرة على تنظيف نفسها بنفسها، والفضل في هذا يعود إلى وجود طبقة دقيقة من مادة بلورات الشمع Wax crystals على أوراق اللوتس، مما يجعل تعلُّق “الأوساخ” وقطرات المياه بالورقة أمرًا صعبًا، فعندما تتزحلق قطرات الماء، وتتدحرج لتنزلق؛ فتسحب معها كل الأوساخ والدرن بكل بساطة.

 

هذا التأثير “تأثير اللوتس” نال إعجاب الْمُهندسين، وهناك مُحاولات لمحاكاة هذا النظام الطبيعي في ابتكار دهانات للسيارات والطائرات للمحافظة على المركبات نظيفة قدر الْمُستطاع، كما هناك محاولات أخرى لاستخدامه للجدران والشبابيك في المنزل أيضًا، ولكن الأمر لا يزال قيد التطوير، ولكن يكفينا يتخيُّل أن نبتة اللوتس قد يكون لها الفضل في أن نستريح من الكثير من أعمال النظافة المملة في المستقبل!

 

من عالم الزواحف.. أبو بريص

ولأن علم البيونيك أوسع من أن ينحصر في باب من أبواب العلم، فإن عالم الزواحف الذي يُعَدُّ من أكثر العوالم إثارةً عند عُلَماء البيونيك، وأفضل مثال على هذا هو الحيوان المسمى “أبو بُريص” والذي قد يشعرنا بالتقزز غالبًا، بينما هو يتمتع بخصائص تُبهر المهندسين، ويُحاولون تطبيقها منذ سنوات، كالتسلق على الأسقف والجدران.

 

دراسات كثيرة قامت بالبحث في الخصائص الفيزيائية التي تتمتع بها أرجل هذا الحيوان العجيب، وكانت النتيجة أن هُناك مئات الآلاف من الشعيرات الدقيقة في أرجله، وهي التي ما إن تتلامس بمسطح ما حتى تتولد قوة جذب تُساعدها على الالتصاق بالمسطح، من خلال فتح أبو بريص لهذه الشعيرات وإغلاقها ملايين المرات، وهي مسألة ليست بسيطة، ومنذ سنوات يُحاول العلماء والمهندسون تطوير أشرطة سيليكونية مع خصائص مثل أرجل أبو بريص، وهذه يُمكن تركبيها في سلاسل لِمَرْكبة ما؛ بحيث يُمكنها التسلق والسير على الأسقف والجدران!

 

من عالَم الأسماك.. السمكة الصندوق!

حتى من عالَم الأسماك يُمكننا أن نتعلم أكثر بكثير مما نتخيل، فأشكال الأسماك الْمُختلفة التي ننشغل بجمالها غالبًا، فيها خصائص فيزيائية مُعقدة مثل مُعامل جر الهواء Drag coefficient وهي خاصيَّة لم يلتفت العلماء إلى أهميتها إلا قبل حوالي 40 عامًا فقط، وتحديدًا في أزمة النفط التي حصلت عام 1974، والمثير هو أن تأمل العلماء لعالم الحيوان جعلهم يعثرون على نماذج جاهزة يُمكنهم تقليدها، من أجل الحصول على مركبات مع معامل جَر أفضل، مما يعني أن السيارات ستكون أسرع، وستستهلك كمية وقود أقل.

في أعماق البحار وجد فريق من المهندسين في شركة مارسيدس نموذجًا فريدًا لمحاكاته وهو سمكة (سمكة الصندوق الصفراء Yellow boxfish) وكانت النتيجة الباهرة أنهم استطاعوا تقليل مُعامل جر الهواء بنسبة 65 % وهو ما يؤكد من جديد، أن التأمل في عالم الحيوان يُمكن أن يقودنا إلى المزيد من الابتكار والإبداع!

 

إن تأمل عوالم النبات والحيوان لا يجعلنا نُبدع في الهندسة فقط، بل الأجمل أن فيه استجابة لدعوة الله تعالى لنا بالتفكر؛ فهو القائل “وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” فأين نحن من هذه العبادات؟! وأين نحن من علوم البيونيك والانتقال للاستفادة الحقيقية منها؟! بدلًا من الاكتفاء بتبادل حكايات الإعجاز العلمي في القرآن والحديث دُون أن نُقدم حلولًا للمشاكل التي تواجه البشريَّة؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك