تعليم في خط النار

11 سبتمبر , 2015

“الحياة كانت صعبةً جداً، ولذا اضطررنا لمغادرة سوريا، لم يكن هناك كهرباء، واضطررنا لاستخدام الشموع، كنا نخاف كثيراً، فالظلام كان حالكا”، بهذه العبارات المؤلمة، روت “رند” السورية ذات الثلاثة عشر ربيعاً مأساتها، التي عاشتها في “إدلب” مسقط رأسها، حيث خلّفت الحرب الدائرة هناك، آثاراً نفسيّة عميقة، حالت دون إكمالها لدراستها، لتجِد نفسها مُجبرة على اللجوء إلى تركيا، كي تبقى على قيد الحياة.

حال “رند” ليس بأسوء حالاً من ملايين الأطفال، الذين شردتهم الحروب والنزاعات القائمة، في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ففي تقرير صادر عن منظمة اليونيسيف، مسّ دول العراق، سوريا، فلسطين، اليمن، السودان وليبيا، أكّدت المنظمة أن أكثر من 13 مليون طفل، لا يذهبون إلى المدرسة، حيث طغت مشاهد الدمار والدماء، المنتشرة في كل زاوية وفي كل قسم على المشهد التعليمي، مُهددةً بذلك مستقبل أجيال بأكملها، مما يزيد من وطأة التخلّف والجهل، ويؤدي إلى استغلال هؤلاء الأطفال، في العمالة بشكل غير قانوني، أو تجنيدهم من قبل جماعات لا تكتمل لذتها إلا بالقتل والخراب.

ويشير التقرير إلى أن قرابة 8850 مدرسة، في سوريا والعراق واليمن وليبيا، لم تعد صالحة للتدريس بسبب الدمار، أو تم استغلالها من طرف العائلات المُهجّرة، أو لأن أطراف النزاع تحتلها، ففي العراق، لجأ قرابة الثلاث ملايين شخص إلى المدارس، هرباً من النزاعات، وفي بقية الدول، أُجبرت الحرب الأهالي، على عدم إرسال أبنائهم إلى المدارس، لانعدام الأمن في المدارس، أو في الطرق المؤدية إليها.

“سمعتُ الصوت، وبدأ الجميع بالركض، رأيت أمي وهي تنتظر في الزاوية، وبدأنا أنا وهي نركض معاً، كنت في غاية السعادة عندما وصلنا المنزل، هذا كل ما أذكره” (رشا، طالبة في الصف الرابع، تصف القنبلة التي انفجرت خارج مدرستها في حمص، سوريا).

أطفال في خط النار

تناول التقرير تسع دول عربية، ينمو فيها جيل خارج نظام التعليم، ففي سوريا التي تشهد أزمة إنسانية، لم يعرفها العالم منذ عقود، أُجبر حوالي 7.6 مليون سوري على النزوح إلى مناطق أكثر أمناً، ناهيك عن 4 ملايين هاجروا إلى تركيا والأردن ولبنان ومصر، حيث تدفّق الآلاف منهم إلى الدول الأوربية في الأشهر الأخيرة، ولاقى الكثيرون حتفهم قبل الوصول إلى بر الأمان، حيث أوضح التقرير أن 2.7 مليون طفل لا يتلقون التعليم، منهم 700 ألف طفل في الدول المجاورة، لم تسمح لهم الفرصة في التعليم نتيجة الاكتظاظ، أو البعد عن المدارس، وكذلك عدم قدرة الأهل على تحمل المصاريف، فيما تبقى اللغة العائق الأكبر، ما يؤدي إلى صعوبة التكيف مع المناهج الدراسية.

“كان هناك طالب سوري عمره 10 سنوات، وكان يغيب عن حصص اللغة التركية طوال الوقت، احتاج الأمر مني وقتاً طويلاً، حتى اقتنع بأن عليه أن يتعلم اللغة التركية” (رائد، مدرس في مخيم للاجئين في تركيا).

وفي فلسطين تدمرت الكثير من البنى التحتية للمدارس، جراء العدوان الإسرائيلي، الذي استهدف قطاع غزة الصيف الماضي، حيث تضررت 281 مدرسة، بينما لا يمكن استخدام 8 مدارس، والتي هدمت بالكامل، ما أدى إلى تأخر قرابة نصف مليون طفل، عن الالتحاق بالدارسة لعدة أسابيع السنة الماضية.

“كان اليوم الذي حصلت فيه على شهادة الصف السادس، أسعد يوم في حياتي، خاصة عندما عرفت أنني حصلت على معدل 95٪ كان والداي فخوران جداً بي، وتفاجأ أصدقائي وأقاربي، بأنني تمكنت من الحصول على معدل أعلى من معدلي العام الماضي، برغم الحرب والضرر الذي لحق بمنزلنا” (سلسبيل، 11 سنة، طالبة من غزة).

هذه النزاعات تركت جروحاً نفسية وجسدية لا تُمحى، حيث صار التوجه إلى الدراسة، أشبه بمحاولة انتحار، نتيجة انعدام الأمن وانتشار القتل والخطف، والاعتقال التعسفي للطلاب والمعلمين، فمشهد الدماء والقتل والدمار، صار جزءاً لا يتجزأ من يوميات الفلسطينيين.

“تعرض أبنائي لإصابات خلال وجودهم في المدرسة، ورأوا أشخاصاً تعرضوا لإصابات، أفقدتهم أيديهم وأرجلهم، وإصابات في وجوههم وعيونهم، كما شهدوا مقتل والدهم، ولذا فهم لايعتبرون المدرسة مكاناً آمناً” (نيفين، أم لطفلين من غزة).

وفي العراق، أدت الحروب والنزاعات إلى حرمان 3 ملايين طفل من الدراسة، وتحولت 1200 مدرسة إلى ملاجئ، أدت إلى تأجيل انطلاق الدراسة هذه السنة.

“كان منظر هذه العائلات المعوزة مؤلماً، ولكنني كنت قلقة أيضاً على طلابي، لأنهم لن يتمكنوا من بدء الدراسة في الوقت المحدد” (زيا يوهامكا، مديرة مدرسة في الدهوك، شمال العراق).

أما في اليمن فتسببت حدة النزاع في إغلاق 3500 مدرسة، ما ترك 1.8 مليون طفل خارج أسوار الدراسة، بالإضافة إلى 1.6 مليون طفل كانوا غير ملتحقين قبل تصاعد النزاع.

“رأيت أطفالاً يحاولون الكتابة على الأرض لأن لديهم رغبة كبيرة بالتعلم” (جميلة، مديرة مدرسة في صعدة، شمال اليمن).

وفي ليبيا، أدى العنف المنتشر هناك، إلى تعطيل الكثير من الخدمات، بما فيها التعليم، ففي مدينة بنغازي، انخفضت معدلات الالتحاق بالمدارس إلى 50 %، حيث تعمل 65 مدرسة هناك فقط، من أصل 239، كما شهدت السودان التي استمر فيها النزاع لزمن طويل، حرمان أكثر من 3 ملايين طفل من التعليم.

“كنا في المدرسة، عندما سمعنا صوت انفجار في الخارج، كان جميع طلاب الصف يبكون، وطلبت منا المعلمة أن نجري إلى المنزل، تركنا حقائبنا وكتبنا في المدرسة” (تازيرا، 8 سنوات من أم غونا في جنوب دارفور).

مدرسون في خط النار

يلعب المعلم دوراً بارزاً في العملية التربوية، ويظهر ذلك جلياً، أثناء تنامي حدّة النزاعات، حيث يتطلب الأمر المزيد من التفاني والشجاعة، وبذل المزيد من التضحيات، لأداء رسالته على أكمل وجه، فالبرغم من حملات الاعتقال والتخويف، التي تطال الكثير من المعلمين، إلا أن جزءاً كبيراً منهم مازال على رأس مهنته، حتى ولو أدى ذلك إلى القتل، كما حدث مع 13 تربوياً يمنياً، تمت تصفيتهم لدى هجوم على مكتب للتربية في عمران في أغسطس الماضي، وفي سوريا ترك ربع المدرسين هناك وظائفهم، أي حوالي 52 ألف معلم و523 مرشد مدرسي، وفي العراق والسودان واليمن وقطاع غزة، اضطر الكثير من المعلمين إلى التوقف عن العمل، بسبب الظروف غير المناسبة، كانعدام الأمن، وغياب النقل، والاكتظاظ الذي يؤثر سلباً على مردودية التلاميذ، ويضع المعلمين تحت ضغط كبير، يدفعهم لبذل المزيد من الجهد، وتحمل أعباء لا طاقة لهم بها.

النزاع في سوريا وتحديات المستقبل

“تعمل المدارس بأكثر من طاقتها، وزاد الوضع الحالي الأمر سوءاً، فالعائلات تستجدي المدارس لأبنائها، ولا تستجدي شيئاً آخر” (إيمان عبد الله، مسؤولة التعليم في اليونيسف).

مع دخول الأزمة السورية عامها الخامس، شهدت العديد من القطاعات الحساسة كالتعليم تدهوراً ملحوظاً، تسبب في فرض تحديات كثيرة، على كل من يرغب في إكمال دراسته، وزيادة تحصيله العلمي، سواء داخل سوريا أو خارجها، ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، لازال المنهاج السوري الرسمي قائماً، ومعظم المدارس مفتوحة، أما في المناطق التي تستقبل عدداً كبيراً من النازحين، فلا ينتظم العديد من الأطفال في صفوفهم، بسبب الاكتظاظ، أو غياب الوثائق اللازمة للتسجيل.

أما في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، فيتم تدريس المنهاج السوري الرسمي، مع بعض التعديلات، أما في المناطق التي تقع تحت سيطرة ما يسمى بـ (داعش)، فيتم تدريس منهاج آخر، وكذلك فرض قوانين صارمة على الفتيات.

في الدول الخمس الرئيسية، التي تضم اللاجئين السوريين، وهي تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر، يسمح للأطفال بمزاولة الدراسة، لكن الأنظمة هناك تعمل بأكثر من طاقتها، ناهيك عن العنف الجسدي، والمضايقات التي يتعرض لها الأطفال في دول مثل الأردن ولبنان، فيما يبقى المشكل الأكبر، هو الاعتراف بالشهادات، فالبرغم من الاتفاقيات المبرمة مع دول الجوار في هذا الشأن، إلا أن تصاعد شدة الأزمة يؤثر سلباً على هذه الاتفاقيات.

آفاق مستقبلية لتلبية احتياجات الأطفال المعرفية

في السنوات الأخيرة، أُطلقت العديد من المبادرات الإنسانية في سوريا ودول الجوار، من أجل النهوض بقطاع التعليم، وتوفير فرص أكثر للأطفال الراغبين في الدراسة، من أجل ضمان مستقبل مزدهر، والعمل على تنمية شاملة، لا تقوم إلا إذا احتل موضوع التعليم صدارة الأولويات، بعيداً عن النزاعات الإيديولوجية، والصراعات المذهبية، فمن حق كل طفل أن يتعلم في بيئة آمنة، تكفل له كل حقوقه، وتمنحه الفرصة كاملة ليشق طريقه نحو مستقبل أفضل.

حيث تعمل الكثير من المنظمات غير الحكومية، والجهات المانحة الدولية، على خلق فرص أكثر، يتم بموجبها إنشاء نوادٍ، تعمل على تعويض الأطفال ما فاتهم من دروس، وكذا توفير اللوازم والحاجيات الضرورية، وتوفير أماكن تعليمية مؤقتة، ريثما يتم ترميم المدارس المتضررة، وتقديم الدعم النفسي اللازم للأطفال والمدرسين. وكذا العديد من المبادرات التي ترتكز على التعليم الالكتروني، الذي يعتمد على منصات تعليمية متخصصة، تمنح الشهادات عبر شبكة الإنترنت.

تبقى الجهود المبذولة ناقصة، لاحتواء جميع الأطفال، الذين حرموا من حقهم في التعليم، فرقم 13 مليون طفل خارج المدرسة، هو رقم رهيب، ويمثل ما نسبته 40 % من مجموع الأطفال، الذين هم في سن الدراسة في تلك الدول، وهي نسبة مرتفعة جداً، قد تساهم في إضعاف البنية التحتية، وجر المنطقة إلى المزيد من الجهل والتخلف، في هذا السياق شددت منظمة اليونيسيف، على تبني مجموعة من الإجراءات، التي من شانها إخراج المنطقة من النفق المظلم، وإعطاء الفرصة لشباب المستقبل لبناء أوطانهم المحطمة، والنهوض بمجتمعاتهم وهي:

• العمل على خفض عدد الأطفال المتغيبين عن المدرسة، عن طريق توسيع خدمات التعليم الرسمي وغير الرسمي، وانتشال الأطفال العاملين من كل أشكال الاستغلال.

• دعم الشركاء والأنظمة الوطنية، التي تساهم في تدريب المدرسين، وتوفير أماكن التعليم وتوسيعها.

• منح الاعتمادات والشهادات، وخاصة في التعليم غير الرسمي وتحسين جودته.

• وقف الهجمات على المدارس والمرافق التعليمية، وعدم انتهاك القانون الدولي بهذا الخصوص.

• إعطاء الأولوية للتمويل التعليمي في الدول المتأثرة بالنزاع، وخاصة في الظروف الطارئة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك