تقنيات الألعاب التحفيزية (2): الحافز العجيب

18 نوفمبر , 2018

على مدار 5 أسابيع قمت بدراسة مساق حول تقنيات الألعاب التحفيزية على منصة إدراك التعليمية، كانت التجربة سريعة وثرية بالمعلومات القيمة التي غيَّرت الكثير من تفكيري في هذا المجال. قمت بكتابة بعض الملاحظات في منتدى النقاش الخاص بالمساق، فضلت بعد ذلك أن أعيد كتابتها في شكل سلسلة تدوينات قصيرة تعكس ما تعلمته كي أشارك بها على موقع شبكة زدني.
اليوم أشارككم في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

 

المرحلة الثانية (الحافز العجيب)

في المرحلة الثانية كان الحديث بشكل أكبر عن الحافز أو الدافع، ما الذي يجعلنا نخوض التجارب بشكل عام؟ ما الذي يدفعنا للاستمرار؟

لن تنجح أي لُعبة دون استمرارية أو ديمومة ومحاولة جذب مستمر للانتباه والتشجيع على المشاركة، وكما ذُكر في المرحلة الأولى، فإن هناك مشكلة دائمة تواجه الأفراد في مختلف البيئات على التفاعل والمشاركة، وهؤلاء الاثنين يمكن دائمًا إيجاد الحل المناسب لهم من خلال اللعب والمتعة.


في البداية كان يجب تحديد مفهوم الحافز، وفي الواقع هناك تنوع واختلاف كبير في تحديده حسب الموقف والشخص، فقد يكون الحافز هو الفضول، أو تجنب العقاب، أو الخوف، أو الرغبة في الفوز، أو الرغبة في التطور والتحدي والإنجاز، أو مجرد التأثر في المجتمع في القيام بفعل أو أداء أمر ما.

 

كذلك فإن الحافز ليس مجرد شعور داخلي يدفعنا لتحقيق هدف أو إنجازه، بل ينقسم إلى نوعين:

حافز خارجي: وهو المكافآت أو الجوائز أو النتائج التي يتوقعها الفرد نتيجة لقيامه بعمل لا يرغب في عمله عادة وهذا عادة ما يحدث في حياتنا الحالية، أو السمة الغالبة على دوافعنا للإنجاز والعمل والدراسة.

 

حافز داخلي: فهو المبادرة لأداء عمل ما بدافع الحب تجاه هذا العمل دون تدخل عوامل خارجية، وبالنسبة إلي هذا من أهم العوامل المتعلقة بتقنيات الألعاب التحفيزية، أو في الحياة عمومًا.

 

الحافز الداخلي لا يمكن منافسته، ولا يمكن القضاء عليه في أي تحدي أو صراع، طاقة الحب داخل الإنسان هي أقوى سلاح يمتلكه يمكنه من فعل الكثير وتخطي الحدود المرسومة له، والأمر ليس  مجرد حديث عاطفي، بل هو حقيقة ويمكن إثباتها من خلال الاستماع إلى أحاديث العظماء والناجحين في هذا العالم، ستجد أن الدافع الأكبر له هو حبه لفعل الأمر، في حوار مع اللاعب (كريستيانو رونالدو) يسألونه عن سر قوة تمارينه واستمراره في العمل على تطوير نفسه أخبرهم أنه لا يقوم بهذا الأمر (أي التمرين الكثير والمستمر) لأنه عليه ذلك بل لأن هذه هي طبيعته، هو فقط يقوم بما يحب فعله لذلك لا يوفر جهدًا للتطور والوصول لهدف أكبر ليس له حدود، وهذا في الحقيقة ما أرغب في أن يرسخ في قلوب جميع المتعلمين. أن يتوقفوا عن رسم حدود للهدف، فهناك دائمًا الأفضل، وهو الناتج عن حُب.

 

نظرية التحدي الذاتي:

بعد ذلك انتقلنا إلى نظرية توضح أكثر الدافع أو الحافز الداخلي، وهي نظرية التحدي الذاتي، والرائع في الأمر هو الكشف عن فكرة أن الـ Gamification تقوم تقريبًا على نسبة 75% من علم النفس، و25% من التقنية، لأنني في الواقع أصبحت أكره (الآلة) أو (النتيجة المسبقة وهي في عصرنا الحالي محددة أكثر في شكل الآلة)، وشعورنا المستمر بأنها المُنتج ونحن المستقبلون، وفي الواقع نحن من نقوم بـ (استخدامها) لتحقيق أغراضنا، وهناك طرق لا حصر لها لتنفيذ المهام على مر التاريخ دون الاستسلام لاستعباد الآلة كما يحدث الآن.
السر دائمًا في العقل والقلب؛ فهما من يجب الاستثمار في تغذيتهم لامتلاك التقنيات والأسلوب لتحقيق الأهداف، فنعمل ونحن على دراية جيدًا بأننا في
(قلب عملية التنفيذ)، وعملية التنفيذ هذه في حد ذاتها هدف ووسيلة تعلم والتحدي الأهم الذي نخوضه.

ليس علينا أن نسعى سعيًا أعمى نحو النتيجة أو الهدف النهائي دون الإدراك الكافي لما يحدث حولنا خلال هذه العملية وقد يدفعنا لتغيير الخطط أو الأسلوب أو التقنيات فجأة والتفكير السريع والمنطقي في حلول جديدة تناسب الظروف الجديدة.

عودة مرة أخرى للنظرية وهي تتحدث عن التحفيز الداخلي للإنسان، وتوضح أسباب قيام الأفراد بالأعمال وحوافزهم دون تدخل أي عوامل خارجية (ما زلنا في إطار علم النفس وفهم العملية دون التركيز على النتيجة).
تحدد النظرية أهم
3 أمور فطرية تدعم التحفيز الداخلي، وهو:

1- حرية الاختيار

2- الكفاءة.

3- الشعور بالارتباط.

وهم 3 أمور مهمة للإنسان تمامًا كالماء والهواء، وكلما زادوا في حياته، زادت سعادته، وللتوضيح أكثر دعونا نتحدث عن كل واحدة على حدة:

حرية الاختيار: يتم دعمها من خلال 3 عوامل وهي وجود الاختيار، وتخفيف أو انعدام العقوبة، والتحكم.
بالتأكيد عندما نتحدث عن حرية الاختيار فيجب أن تتوافر الخيارات الحُرة التي
تمتلكها وهذا يدفعك للمحافظة عليها وتحسينها، وبعد ذلك يجب أن نأمن عقوبة الاختيار، فكيف نتحدث عن الحُرية ثم نعاقب من يقوم باستخدامها؟

لكن لكل اختيار مسؤولية وعواقب يجب تحملها، لذلك يمكن أن يكون هناك عقوبة لكن مخففة أو متناسبة مع قوة وحجم الاختيار، وهذا ما يحدث في الغالب في حياتنا، لكن المشكلة عندما يتم تغليظ أو فرض العقوبات على الحرية نفسها، ويتقيد فكر الإنسان وقلبه؛ فيجبر على فعل المهام التي يكرهها لتجنب العقاب نتيجة الاختيار، أو يتشتت ذهنه في التفكير في عواقب الأمور قبل البدء في العمل؛ فيؤثر على أدائه ونتيجة العمل، ويفقد التحكم في العملية كلها.

الكفاءة: العامل الثاني في دعم التحفيز الداخلي للإنسان، وأول تعريف قد يبدر إلى ذهني عند ذكر كلمة الكفاءة (هي القدرة على فعل الأمر) لكن في الحقيقة أعجبني إضافة مفهوم (التغذية الراجعة) لفكرة الكفاءة في محتوى المساق، لأننا شيئًا فشيئًا أصبحنا نتعامل مع الكفاءة (الموهبة في صورة أعم وأشمل) باعتبارها هبة أو هدية ممنوحة لكل فرد بفطرته ولا يمكن مجاراتها أو تعلمها أو اكتسابها وتحقيق النجاح الباهر فيها.

تتحدد الكفاءة هنا عن طريق التغذية الراجعة، في عملية تعلم مستمرة، تقوم بعمل ما، فتتلقى الملاحظات عليه أو تحلله وتكتشف السلبيات والإيجابيات المتعلقة به، ومن ثم تقوم بحل المشكلات التي تواجهك في عملية الأداء، حتى تتقن العمل وبعد ذلك تحدث العملية (الفطرية) حقًا وهي التطور في الأداء بعد إتقان العمل، وحتى هذه تحدث أيضًا بسبب التغذية الراجعة عندما تكتشف طرقًا أفضل لأداء العمل.

الشعور بالارتباط: العامل الثالث والمنطقي في الترتيب كذلك الأمر، فعندما نمتلك حرية الاختيار والكفاءة يزداد ارتباطنا بالهدف ويدفعنا للاهتمام بالعوامل المحيطة به والتعاون والتواصل مع الآخرين لتحقيقه، خاصة عندما يكون هدفًا مشتركًا.

وعن هذه النقطة تحديدًا قرأت في بحث عن السعادة والتعليم والحياة، أنه كلما كان هناك هدف مشترك جماعي وعلا صوت مصلحة الكل على صوت مصلحة الفرد، زادت سعادة المجتمع ورضى أفراده عن نمط الحياة فيه.

لا أتحدث هنا عن إغفال حق كل فرد في الاختلاف، لكن الحديث عن القيم الكُبرى الإنسانية، مثلًا الحفاظ على البيئة هو الهدف الأهم لجميع البشرية، وهو الأولى بالتحقق من بناء مصنع (أسمنت) لفرد أو حتى مجموعة صناعية لتحقيق الأرباح وتشغيل العمالة، كل هذه أهداف إيجابية في نظرهم، لكنها في النهاية عائدة على مجموعة أفراد صغيرة، وتضر بمصلحة الكل لاحقًا.

 

علاقة الألعاب بنظرية التحفيز الذاتي (مفهوم التدفق):

النقطة التالية التي قمنا بدراستها هي علاقة الألعاب بنظرية التحفيز الذاتي.

الألعاب تمثل قدرتنا على الاختيار الحر، وهي مصممة لتجعلنا نتطور في الأداء حسب الحاجة لكل مستوى أو مرحلة لتحقيق الهدف المطلوب، وفي كل مرحلة نتعلم كي نطور أدائنا فتزداد كفاءتنا، ونشعر بالإتقان مع مرور الوقت نتقدم في المستويات الأعلى.

أسوأ ما قد يحدث هو خسارة بعض النقاط أو إعادة اللعبة مرة أخرى وهو عقاب وتغذية راجعة في الوقت نفسه تزيد من كفاءتنا عندما نتعلم من الخطأ الذي قمنا به ليتم خصم النقاط أو إنهاء اللعبة.
في هذه المرحلة تطرقنا كذلك إلى شرح مفهوم التدفق أو
Flow State، وهو حالة نفسية داخلية تجعلنا نشعر بالانسجام والاستغراق التام في النشاط الذي نقوم به والتوحد معه لدرجة قد تفقدنا مرور الوقت.


ما هي خواص مرحلة التدفق؟

1- التركيز العالي على المهمة أو الفعل الذي نقوم به.
2- المكافأة الداخلية (الرضا الداخلي).
3- الشعور بالتحدي.
4- الشعور بالسيطرة على النشاط.

عندما تحب القيام بعمل ما وتمتلك هدفًا محددًا بشأنه تصب كافة تركيزك على أسلوب تحقيق هذا الهدف، وشيئًا فشيئًا مع الاكتشاف المستمر لأسرار الوصول له تشعر برضا داخلي نتيجة لتقدمك، ومن ثم تتحدى نفسك للوصول لسر أو نجاح أكبر، حتى تمتلك أدوات وأساليب أكبر تمنحك الشعور بالسيطرة.

أهم عاملين يؤثران على حالة التدفق هما:

1- مستوى كفاءة الفرد
2- درجة صعوبة المهمة والتحدي

منطقي، أليس كذلك؟

قمنا بتحديد أو كتابة 3 معادلات يمكن أن تلخص العلاقة بين هذين العاملين بشكل أفضل وهما:

(تحدي صعب + مهارة عالية (متوسطة) = حالة تدفق)
(تحدي سهل + مهارة عالية (متوسطة) = حالة ملل)
(تحدي صعب + مهارة منخفضة = حالة توتر أو قلق)

وهنا أتذكر جيدًا مواقف كثيرة في رحلتنا التعليمية عندما يقوم بعض الأساتذة بعرض المهام السهلة والصعبة، وإجبارنا على القيام بالمهام الصعبة أولًا حتى نتمكن من أداء أو فهم السهل بعد ذلك.
مثل هذه الأفكار التربوية الخاطئة هي ما كانت تصيب أغلبنا بالقلق والتوتر والفشل في أداء المهمة فنضطر للرجوع للاختيار السهل ونشعر بأن الخطوة الأولى
(الصحيحة والمنطقية في الواقع) هي رمز للفشل ونتجنب بعد ذلك اتخاذ خطوة أكبر للمرحلة الأصعب.

في الحقيقة أصبحت أؤمن أنه لا يوجد ما يسمى بالسهل والصعب في المطلق، بل هناك ما يسمى بالمنطق في تنفيذ المهام (أي مهام)، وهي فهم طبيعتها وما يجب علينا تعلمه كأساس وبداية (ما يطلق عليه السهل) ومن ثم الحصول على تغذية راجعة لشكل أدائنا لهذا الأمر، وبعد إتقانه ننتقل لمرحلة تالية منطقية، وهي الأصعب.

البدء بالأساس (السهل) ثم الانتقال للمراحل الأكثر تقدمًا (الصعب) هو الأسلوب المنطقي والأصوب في وجهة نظري، لأن فهم الأساس وإتقانه يبني لديك القوة والثقة في تحقيق الهدف اللاحق.

بشكل شخصي جدًا كنت أعتبر المهام السهلة هي إهانة لي، وأرغب دائمًا في البدء بالمهام الصعبة أولًا، مما كان يسبب لي توترًا وشكًا دائمَين في قدراتي ومهارتي مقارنة بما أرغب في تحقيقه، حتى قررت أن أقوم بفعل الأمور بترتيبها الصحيح، ووجدت أن النتيجة أفضل وأسرع وأصبح أكثر ثقة في نفسي وقدراتي، لأدخل في مرحلة تدفق مستمر وتحفيز داخلي لإنجاز أهداف أكبر.

 

عند هذا الحد تأتي نهاية المرحلة الثانية من المساق، وفي التدوينة القادمة سنتحدث بشكل أكثر عملية عن الأدوات والتقنيات المستخدمة في تصميم الألعاب.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك