تُحَف الأدب العربي كجزء من مناهج اللغة العربية!

22 نوفمبر , 2018

معلومٌ أنَّ معظم مناهج التعليم تحتاج إلى التفنيد والتعديل، غير أن منهج اللغة العربية كان من المناهج القليلة التي كنت أرى فيها بصيصًا من الأمل؛ وذلك لأنها كانت تحوي كثيرًا من النصوص الأدبية والروايات التي تُعتَبر من كنوز وروائع الأدب العربي، فقد درسنا العديد من نصوص جبران والرافعي، ورواية وا إسلاماه لعلي أحمد باكثير.

 

ولكنني مع ذلك ما أزال واجِدةً على منهج اللغة العربية؛ لأنه لم يشمل العديد من الأعمال الأدبية الرائعة والمفيدة، واقتصر على تدريس روايات محددة على مدى سنين طويلة، دون تجديد أو تغيير. فقد كانت ولم تزل تُدرَّسُ الأيام، على مدار عقود في مناهج الثانوية، وهي سيرة حياة طه حسين بقلمه. ورغم احترامي وتقديري لعميد الأدب العربي، وقراءتي لسيرته وغيره من الأدباء، فإن في سيرة غيره الكثير من الفوائد والعبر التي تفيد الإنسان في أي زمان ومكان.

ذلك أن الأيام لطه حسين تقتصر على سرد أحداث حياته في الريف المصري من قديم الزمن وفي أروقة الأزهر، وبعض الأحداث في فرنسا، ولا ريب أن القارئ قد يستفيد من القراءة بدرس هنا أو موعظة هناك. بيد أن بعض السير الذاتية، ومن بينها (الأيام) في رأيي، ترتكز بشكل أساسي على سرد سيرة حياة شخص معين في ظروف معينة، وبالتالي قد لا تلقى صداها عند الكثير من القراء. على عكس سير ذاتية مليئة بالمواعظ والعبر التي يحرص كتَّابها على إيرادها صراحة، ودون ترك مساحة للقارئ ليتساءل ويخمن ما علاقته هو بصفته قارئًا بتفاصيل القصة؟ وما يتعرض له الكاتب من مآسٍ.

وذلك مثل ماذا علمتني الحياة؟ لجلال أمين، وأنا للعقاد، وذكريات الشيخ علي الطنطاوي التي كتبها في 8 أجزاء. ثم حتى وإن افترضنا أن في أي كتاب بعض الفائدة، ألا يكفي تدريسها لبضع سنوات؟ بدل أن تصبح هي السيرة الذاتية الوحيدة التي يتوجب على كل الأجيال الاطلاع عليها وقراءتها!

فرواية وا إسلاماه للأديب اليمني علي أحمد باكثير على روعتها وأهميتها، حيث تحكي تفاصيل الحقبة التاريخية بين التتار والمماليك وحرب عين جالوت، استمر تدريسها لبضع سنوات فحسب، ثم تم الاستبدال بها شجرة الدر؛ لذا فالتنويع مهم، سيما وأن أدبنا العربي حافل بالكتب والمؤلفات التاريخية والغنية بالأسلوب الراقي. أما فيما يخص باكثير، فرواياته على قلتها والكثير من مسرحياته مبنية على أحداث تاريخية من المهم أن يعرفها كل مسلم، وأن تُدرَّس جزءًا من مناهج اللغة العربية كما كان الحال مع وا إسلاماه.

فروايته سيرة شجاع مثلًا، تحكي  سيرة حياة شجاع بن شاور آخر الوزراء الفاطميين في مصر. أما سلاَّمة القُس فتحكي قصة الحب التي تولدت بين سلامة المغنية والناسك العابد عبد الرحمن بن أبي عمار في زمن الخلافة الأموية، في قالب أدبي رائع يصور الصراع الحامي في النفس البشرية، التي تتقلب بين الطاعة والمعصية، وتتشتت في اختياراتها أحيانًا. أما الملحمة الإسلامية الكبرى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهي إحدى أروع مسرحياته، التي يصوِّر من خلالها الفتوحات التي جرت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأسلوب أدبي وقصصي رائع. لدرجة أنه من لا يميل لقراءة التاريخ والحروب سيغير رأيه بعد قراءة هذه الملحمة المذهلة!

كذلك من الأدباء الذين أراهم مغبونين بشكل مشين في مناهجنا العربية، الأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي، فلا أذكر أن أيًا من أعماله كانت جزءًا من مناهجنا، اللهم إلا مقتطفات من كتابه النظرات. فكانت من روائعه العبرات التي لم تُدرَّس مطلقًا، رغم ما فيها من العبر، ناهيكم عن الأسلوب الأدبي الراقي والرصين الذي عُرف به المنفلوطي. حتى الرافعي ظلم أيما ظلم، فلم نَدرُس له إلا مقتطفًا من قصته الصغيران التي كانت جزءًا من كتابه المساكين. ولم يتم ذكر أي من كتبه، ومجموعاته الأدبية الأخرى من أمثال رسائل الأحزان ووحي القلم، وإن ذُكروا مع غيرهم عَرَضًا في ضمن سرد أعماله وسيرته الذاتية.

حتى جبران خليل جبران وهو أحد كتاب وشعراء المهجر لم يتم إنصافه كفاية، فشعره المساء يكاد يكون جزءًا لا يتجزأ من منهج اللغة العربية على مدى عقود تمامًا كـالأيام، وكأن إنتاج جبران تلخص في المساء. فأين هم من رسائله وأشعاره؟! وأين هم من رائعته الأجنحة المتكسرة؟!

لا ريب أن الكثير من الكتَّاب والأعمال الأدبية قد تم تجاهلها على رفوف المكتبات لمن يرغب في القراءة الحرة والاستزادة من المعلومة. والأمثلة التي ذكرناها إنما هي على سبيل المثال لا الحصر. وصحيح أنه لن تستطيع المناهج تغطية جميع الروائع والأعمال الأدبية النادرة. ولكن بالحرص على التنويع والتغيير والانتقاء من حين لآخر، ستتمكن المناهج على المدى البعيد من إنصاف ولو بدرجة بسيطة الكثير من الأعمال الأدبية، بجعلها مادة للتدريس. وبالتالي إنصاف الطلبة بتعليمهم مادة ذات جودة ونفع من شأنها التأثير على حياتهم وأسلوبهم وفكرهم وثقافتهم، لا على درجات امتحاناتهم فحسب!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك