جامعاتنا، والبحث التطبيقي المفقود!

23 مارس , 2016

تتنوع الأبحاث في الجامعات، والمؤسسات التعليمية، ومراكز الأبحاث، بين أبحاث أساسية وتطبيقية. تهدف الأساسية منها لكشف حقائق جديدة عن الكون والحياة، كالأبحاث في الفيزياء أو الكيمياء. فيما تبحث التطبيقية في وسائل استخدام الحقائق التي نعرفها بالفعل عن العالم في حل مشكلات عملية تواجهنا، كالأبحاث في المجالات الهندسية على سبيل المثال.

يرى الباحث المصري، “محمد حجاج” المختص في مجالي الهندسة الكهربائية والميكاترونيات، بأن كلا النوعين –من الأبحاث- مهم، وكلاهما يجب الاهتمام به، لكن “الحقيقة هي أن الأبحاث التطبيقية تحظى بشهرة أكبر؛ لأن نتائجها تنعكس مباشرة على حياة الناس، ويسهل للعامة فهمها، لذا يكون من الأسهل الحصول على تمويل لها إلى حد ما. ومن المفترض أن الجانب الأعظم من هذه الأبحاث يتم أساسًا في الجامعات، سواء بتمويل حكومي أو بتمويل من شركات ومشروعات خاصة”.  ويرى بأن “هذه الأبحاث تمثل مصدر دخل هام للجامعات، والذي ينعكس بالضرورة على جودة الخدمات التعليمية التي توفرها هذه الجامعات للطلبة، والذي ينعكس مستقبلًا على أدائهم في المجتمع ومساهمتهم في تطويره”.

يطمح حجاج من خلال دراسته وبحثه للوصول للآلات “العاقلة” التي تفُكر بنفسها إن جاز التعبير. قد يبدو الأمر أقرب للخيال العلمي، لكنه متيقن بأننا نسير بخطوات ثابتة نحو هذا الهدف “أتمنى أن تنتقل كل هذه العلوم إلى منطقتنا العربية، وأتمنى أن أكون أنا شخصيًا أحد الأسباب وراء حدوث ذلك. نحن نخسر الكثير بسبب عدم التفاتنا لمثل هذا الأمر. الروبوتات “صناعة” تقدر بمليارات الدولارات الآن، وهذه الصناعة منعدمة تمامًا في منطقتنا العربية. لا ننسى أيضًا أن الصناعات الجديدة تتطلب أيدي عاملة جديدة، وبذلك فإن إدخال الروبوتات في الوطن العربي قد يعمل على تقليل البطالة بصورة أو بأخرى”.

وحول أولى التجارب في مجال الذكاء الصناعي عالميًا، وماذا عنها عربيًا؟

يشير إلى أن “محاولات الإنسان في صنع آلات تشابهة في الشكل والذكاء يمكنك تتبع أثرها إلى الحضارات القديمة، ولكن إن تحدثنا عن الذكاء الإصطناعي بمفهومه الحالي فسنجد أن مخترع اللفظة نفسها هو جون ماكارثي – عالم حاسوب أمريكي – وذلك في عام 1955، وسنجد أن الولادة الحقيقية لهذا العلم كانت في المؤتمر الشهير الذي عُقد في دارتماوث بهانوفر في العام التالي. ولا أستطيع الحكم على حالة هذا العلم عربيًا بصراحة لأنني لست متتبعًا لهذه النقطة”.

عن ذكاء الانسان والآلة

ويوضح حجاج بأن الذكاء الإصطناعي كالروبوتات، “علم متعدد الجوانب والتخصصات. والهدف من دراسته يعتمد على الفئة التي تقوم بهذه الدراسة، فهناك مثلًا من يدرسه كوسيلة لفهم ظاهرة الذكاء في الإنسان، وهناك من يدرسه بغرض تطبيقه في مجالات عملية مفيدة؛ من برأيك يقترح لك الأصدقاء على فيسبوك؟ من يرشح لك المنتجات على موقع أمازون أو الأفلام على موقع IMDB؟ من يقوم بتصنيف البريد الإلكتروني الذي يصل إليك على أنه بريد مزعج Spam أو أنه بريد عادي؟

هذه فقط بضع أمثلة على استخداماته التي تؤثر في حياتك بشكل مباشر، أضف إلى ذلك استخداماته في البورصة، أو التخطيط لعمليات عسكرية، أو تشخيص الأمراض بدلًا من الأطباء وغيره الكثير”.

905227685026

وعن هل هناك ربط او علاقة بين الذكاء الإنساني، والذكاء الصناعي؟ يرى بأنه وبالرغم من أن العلماء لم يتفقوا إلى الآن على تعريف موحد لماهية الذكاء، “ألا إن أول ما قد يخطر ببالك عند سماع كلمة ذكاء هو الإنسان. والهدف الأقصى لعلم الذكاء الإصطناعي هو الوصول لذكاء يفوق الذكاء البشري، وهو هدف طموح”.

 ويوضح بأن الطريقة التي يعمل بها العلماء على تحقيق هدف الذكاء الإصطناعي مختلفة وفقًا لتعريفهم المختلف له “فمنهم من يرى أن الذكاء هو خاصية بشرية بالضرورة تتركز أبحاثهم على محاكاة آلية عمل الذكاء في الإنسان باستخدام الحواسيب، ومن ينظر للذكاء بصورة أكثر تجريدًا من ذلك، ويعتقدون أنه ليس من المهم أن نحاكي نفس الطريقة التي يعمل بها الذكاء الإنساني، وأن الحكم الوحيد بمدى الذكاء يرتبط فقط بـ “الأفعال”، وليس بكيفية حدوثها، لذا فهم يستكشفون ظاهرة الذكاء بدون الاعتماد على الإنسان كنموذج له”.

أين العرب من كل هذا؟

الآن، أين نحن كعرب من كل هذا؟ يشير حجاج إلى أنه “من المؤسف القول إننا في المنطقة العربية – مع بعض الإستثناءات – لا نهتم بتاتًا بهذا الأمر! وهو شيء محير بالنسبة لي في الحقيقة. ربما لهذا السبب أصبحت الجامعات مجرد امتداد لمرحلة الثانوية لا تسمن ولا تغني من جوع.  الجامعات العالمية تتفاخر فيما بينها بعدد الذين حصلوا على جائزة نوبل من خريجيها أو ممن يعملون فيها، كم جامعة في المنطقة العربية تستطيع أن تتفاخر بهذا الأمر؟

صفر!”.

ويعتقد بأن أهم مجالات الذكاء الاصطناعي التي يمكن استخدامها في عالمنا العربي تلك المرتبطة بالسوق المالية، وعلى المستوى البحثي، “فالذكاء الاصطناعي يتفرع للعديد من التصنيفات، أهمها في رأيي الشخصي تلك التي تتعلق باللغة الطبيعية (الترجمة الآلية – فهم الكلام البشري باللغة الطبيعية .. الخ)، والتعلم (أي إعطاء برنامج كومبيوتر أو روبوت القدرة على التعلم)”.

ويفيد بأن إمكانية الروبوتات تستخدم كمنصات تعليمية وبحثية. فأنها وعلى مستوى الطلبة، “يتم استخدام ما يسمى بالروبوتات التعليمية لتطبيق أساسيات الهندسة الكهربائية والميكانيكية والبرمجة بصورة عملية، مما يؤدي إلى فهم أفضل كثيرًا للمادة العلمية”. وعلى مستوى العلماء والباحثون، فأنها “تستخدم ليُفهم كيف يعمل جسم الإنسان، وكيف يعمل ذكاء الإنسان، وأشياء من هذا القبيل”.

مشكلة الروبوتات في العالم العربي

يرى حجاج بأن مشكلة الروبوتات في المنطقة العربية عمومًا، تكمن في “عدم النظر إليها بجدية كعلم أو صناعة. والصورة التي نمتلكها عن الروبوت هي في أحسن الأحوال مستقاة من أفلام الخيال العلمي. الحقيقية؟

الروبوتات حرفيًا تستخدم في أي مجال قد تفكر فيه! الصناعة، الزراعة، الطب، الفضاء، الخدمات المنزلية، الطوارئ والكوارث الطبيعية إلى الروبوتات الميكروية والنانونية التي تتعامل مع المادة على المستوى الجزئي، والتي ستستخدم لاحقًا كدواء يتم حقنه في جسم الإنسان لتذهب هذه الروبوتات لمكان ورم معين مثلًا وتقضي عليه! هذه الأبحاث بالمناسبة يتم العمل عليها “الآن”، وليست مجرد توقعات مستقبلية”.

ويلفت إلى أن “أساسيات الروبوتات تدرس لطلبة الحضانة الآن نظريًا وعمليًا في بعض البلاد! الأمر يعتمد على الطريقة التي تقدم بها هذا الأمر. بالنسبة لهؤلاء الأطفال يتم تقديم الموضوع ببساطة على أنه لعبة جديدة يتعلمون استخدامها، مع التقدم في السن يتم الكشف عن المزيد من التفاصيل: ما هي مكوناته، كيف يعمل، النظريات التي تحكم عمل الروبوت.. وهكذا”.

robot_aid_in_therapy

كيف نصل لصناعة روبوت عربي؟

وحول إمكانية نشر ثقافة العمل، والتطبيق العملي بين الطلاب العرب، وماذا يتطلب منا القيام به لكي يكون الطالب محبًا وفاهمًا للتجارب الموكلة إليه لتحقيق النجاح، ومن ثم صناعة روبوتات عربية متعددة الاستخدام، يرى حجاج بأن العمل في مجال الروبوتات ليس عمليًا فقط، بل هو نظريٌ أيضًا “مجال الروبوتات واسع ويضم العديد من العلوم تحته. بالنسبة لنشر ثقافة التجربة العملية… أعتقد أن مجرد توفير الإمكانيات اللازمة وعرض الأمر بطريقة مناسبة هو كاف لذلك. الإنسان فضولي بطبعه ويحب تجريب الأشياء، لذا ما أن تتوفر له الفرصة للتجريب فلن يتردد”.

ويعتقد بأن تدريس الروبوتات كمجرد علم في المدارس والجامعات العربية لن يكون بكاف لإحداث تغيير جذري في نظرة العرب للروبوتات وتطبيقاتها بل “يجب أن يرتبط الأمر بمشروعات حقيقية على الأرض ودعم حكومي لمثل هذه المشروعات، كأن يتم تخصيص ميزانية معينة تتعلق بالبحث العلمي في مجالات الروبوتات – وهي كثيرة جدًا بالمناسبة – وتوفير الدعم للشباب ممن يريدون إنشاء شركات تجارية تعمل في هذا المجال”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك