جدل مشروع قانون الخدمة الإجبارية ومسارات احتجاج الطلبة الأطباء بالمغرب وأبعاده

28 أكتوبر , 2015

ستّة أشهر كاملة قضاها الطّلبة الأطباء في الاحتجاج على مشروع قرار يقضي بإلزامية الخدمة الإجباريّة لخريجي كليات الطب في المناطق النائية بالمغرب.

المشروع الذي كان مجرد فكرة تمّ التصريح بها لمّا خرج الطلبة الأطباء للاحتجاج منتصف السنة الماضية، قُدّمت مؤخرًا كمشروع قانون من طرف وزارة الصحة بعنوان “الخدمة الوطنيّة الصحيّة”، ولقيت دعمًا من طرف الحكومة، لكنّ الحراك الذي قام به الطلبة الأطباء واجتماعهم تحت تنسيقيّة وطنيّة بخطة نضالية تروم إسقاط مشروع القانون أو التعديل فيه حتى لا يكون مجحفًا في حق المعنيين بالخدمة، وهو ما جعل دخول السنة الدراسيّة بكليات الطب جدلًا ساخنًا يوازيه جدل الرأي العام الذي كان يتفاعل إيجابًا وسلبًا مع نضالات طلبة الطب من جهة، ومن جهة أخرى التعاطي الرسمي مع هذا الحراك والذي كان آخره التدخل القمعيّ في حقّ الطلبة بكلية الطب بالرّباط لمّا هموا باتخاذ خطوة تصعيديّة متمثلة بالإضراب الشامل عن الدراسة والعمل بالمستشفيات الجامعيّة.

ما هي أهم بنود الخدمة الإجباريّة “الوطنية” التي يرفضها الطلبة الأطباء؟ وما هي أعراضه السلبيّة المُبطنة غير المصرح بها من طرف الحكومة المغربيّة؟ وما هي أبعاد حراكهم الميدانيّ الضاغط الذي جعل الدولة تعمل في حقهم المنطق القمعيّ؟
1) مشروع قانون الخدمة الإجباريّة
لم يخرج مشروع القانون الذي لفّ حوله الكثير من الجدل بين مختلف الفاعلين إلّا في الشهر الماضي، أي بعد أشهر من الحراك الميدانيّ لطلبة الطب، وأصدرت وزارة الصحة مشروع القانون باعتباره يهدف إلى “الرقي بالمستوى الصحيّ للمواطنات والمواطنين، وتيسير استفادتهم من الحق في العلاج والعناية الصحيّة”، ووضعت الوزارة مشروع القانون للرأي العام من أجل إبداء الملاحظات، ووضعت لذلك أجلًا محددًا لاستقبال الملاحظات من مختلف المتدخلين.

صدر مشروع القانون المكوّن من 20 بندًا من الخدمة الوطنيّة الصحيّة للحاصلين على شهادة “الدكتوراه في الطب أو شهادة معترف بها تعادلها، والإجازة في أحد المسالك التمريضيّة وتقنيات الصحة أو شهادة معترف بمعادلتها لها”، والخدمة الإجباريّة بحسب مشروع الوزارة هي “واجب وطنيّ يقتضي القيام بمزاولة مهنة الطب والمهن التمريضيّة وتقنيات الصحة بالمؤسسات الصحيّة التابعة للسلطة الحكوميّة المكلفة بالصحة لمدة سنتين متتاليتين، بهدف تحسين المستوى الصحي للسكان وتيسير الاستفادة من الحقّ في الولوج إلى الخدمات والعناية الصحيّة”.

وتعدّ مهام طبيب في سنتين من الخدمة الإجباريّة حسب المادة الرابعة من مشروع القانون، مهام طبيب يزاول مهنته من تشخيصه وعلاج وحراسة إلزامية، والأمر نفسه بالنسبة للحاصلين على الإجازة في المهن التمريضيّة حيث يعملون تحت مراقبة الطبيبة ويقومون بمهام التمريض.

وبالنسبة للحقوق والالتزامات التي تُعتبر من البنود التي أثارت الكثير من اللغط، وبحسب المادة الثامنة فإنّه يلتزم “الخاضعون للخدمة الوطنيّة الصحيّة بنفس الواجبات المهنيّة والإداريّة التي تسري على نظرائهم العاملين بالمؤسسات الصحيّة، طِبقًا للنصوص التشريعيّة والتنظيميّة الجاري بها” وامتيازاتهم في التعويض هي ذات الامتيازات الماديّة الشهريّة للعاملين في الخدمة الوطنيّة وكذا التعويضات عن التنقل والحراسة والخدمة الإلزاميّة بحسب ما ورد في مشروع القانون، إلى جانب الاستفادة من التأمين خلال مزاولة مهامهم على “المرض وعلى الأخطار المهنيّة وحوادث الشغل”

ورغم الامتيازات التي تناظر امتيازات العاملين الدائمين في مجال الصحة، فإن ذلك محصور بمدة الخدمة، ولا يعتبر عملهم ذاك ترسيمًا كليًّا في الإدارة مع أنّ مباريات التوظيف تبقى مفتوحة أمامهم، وفي حال النجاح يتعين عليهم إتمام الخدمة الإجباريّة في الإدارة.

ومما يزيد من حدة الجدل الاستثناءات التي وردت في مشروع القانون بحسب المادة 20، “يُستثنى من تطبيق أحكام هذا القانون الأطباء العسكريين والمتخصصين العسكريين في الطب، وكذا الحاصلين على إحدى الشهادات المنصوص عليها في المادة 2، المسلمة من طرف مؤسسات التعليم العالي الخاص ومؤسسات التعليم العالي التي لا تسعى إلى الربح”.

2) مسار نضال طلبة الطبّ ضدّ المشروع وطبيعة التعاطي الرسمي معه.
لم ينتظر الطلبة الأطباء خروج مشروع القانون للوجود حتّى يحجوا إلى شوارع العاصمة وينتظموا في احتجاجات مستمرة لإعلانهم الرفض لأيّ قرار مجحف في حقهم، فمنذ أن كان المشروع مجرد فكرة سربت إلى الرأيّ العام وعبّر عنها الوصي عن قطاع الصحة، انطلقت احتجاجاتهم في جميع كليات الطب والصيدلة بالمغرب، وهمّوا باتخاذ خطوات احتجاجيّة تصعيديّة ضدّ الوزارة والتي مرّت بمراحل، حيث شهدت نهاية السنة مقاطعة للدراسة والامتحانات معًا ليستأنفًا بعد ذلك، كما اتّخذوا خطوات في بداية السنة الدراسيّة الحاليّة كانت أولها مقاطعة الدراسة والاصطفاف في الرباط أمام البرلمان في أشكال احتجاجية، منها ما استهجنها الرأيّ العام خصوصًا لمّا همّوا ببيع المناديل، حيث تمّ النظر إلى ذلك باعتباره يعكس عقليّة أُرستقراطيّة كامنة لدى طلاب الطبّ، ونظرة دونيّة لباقي الفئات الاجتماعيّة، هذا الاستهجان كان يخدم أطروحة الوردي بتسفيه حراك طلبة الطب الذي يخطئ الوسائل في كثير من الأحيان للتعبير عن مطلبهم، فقاد بذاته حملة ضد الطلبة في الإعلام حاول من خلالها ضم الرأي العام إلى صفّه، وترويج أنّ طلبة الطبّ يرفضون العمل بالمناطق النائية، وبالتالي عدم تلبية الطلبة الأطباء لانتظارات فئات اجتماعيّة يودّ الوزير والحكومة خلفه محاولة فك العزلة عنها وتقديم الخدمات الصحيّة، وفعلًا كان لذلك الأثر في النيل من احتجاجات طلبة الطب.

لكن مع الاحتجاج المتواصل ونهج خيارات التصعيد بتوقيف الحراسة في المستشفيات الجامعيّة والتجديد في الوسائل التي تكسب الرأي العام لصالحهم، من قبيل تنظيم قافلة التبرع بالدم والتي استحسنها جلّ المتابعين، ومحاولة تصحيح بعض الأغاليط التي تبرز أنّ الطلبة يختلفون مع بنود من الخدمة ولا يرفضونها جملة وتفصيلًا، تلاها الدخول في اعتصامات لمعظم الكليات والتي أسفرت عن تدخل قمعيّ داخل الكلية بالرباط في حقهم من طرف السلطات العموميّة، ما جعل حالة من الاستنكار العام تنتشر في مختلف الأوساط وتعلن التضامن مع الطلبة الذين طالهم تدخل القوات العموميّة وهم في احتجاج سلميّ، ما أعاد الكثير من الأسئلة حول مشروع قانون الخدمة الإجباريّة و عجّلت اللقاءات مع التنسيقيّة الوطنيّة للطلبة الأطباء من طرف كلّ من رئيس الحكومة المغربيّة وكل من وزير الصحة ووزير التعليم العالي، وهي اللقاءات التي أكدّ فيها الوزراء ورئيس الحكومة على أهمية الحوار وطالبهم فيها بالعودة للدراسة، بينما قام كل من وزير الصحة والتعليم العالي بالإعلان عن الرفع من قيمة المنحة التي ستُخصص وامتيازات أخرى.

3) خلفيات مشروع قانون الخدمة الصحيّة الوطنيّة ودلالات نجاح احتجاجات طلبة الطب داخل جسم طلابيّ منهك.
أ‌) الخلفيّات غير معلنة من وراء تشبث الحكومة بقانون الخدمة.
لعلّ الجانب السلبيّ وغير المعلن داخل مشروع القانون، أنّ علاج الحكومة المغربيّة والدولة برمتها، لإشكالية الخصاص الحاصل في مجموعة من القطاعات إنما يكون ارتجاليًّا جزيًّا، لا يشمل الإحاطة الكليّة بمشكلة القطاع، ويكون هذا النهج المعتمد محكوم بضغط توازنات ميزانيّة الدولة المغربيّة، وهو ما يجعل الحلول تكون مستعجلة ولا تذهب بعيدًا لتعميم التطبيب في المناطق النائيّة وفكّ العزلة عنها، فتكون التضحيّة من خريج كلية الطب بدل اعتماد سياسة تروم النهوض بقطاع الصحة في العالم القرويّ برمته.
فبدل التفكير في تخصيص مناصب مرتفعة لقطاع الصحة واعتماد سياسة التوظيف، نجد الحكومة تسعى للتخلي عن التوظيف وإبداله بمنطق التعاقد، بدعوى ميزانيّة الدولة المثقلة والتي يشكل التوظيف عبئًا عليها، ومن ثمّ اللجوء إلى التعاقد المرحليّ، وهو ما سيسدّ الخصاص الحاصل لها من جهة، ويقلصّ من عدد المناصب التي ستكون الدولة ملزمة بتخصيصها سنويًّا لقطاع الصحة، وهذا النهج غير متعلق بالصحة وحدها، فبعد تمريره في قطاع الصحة سيكون وصفة جاهزة لتمريره لقطاع التعليم حيث نجد نفس منطق التعاقد الذي يخفف الضغط الحاصل على ميزانية الدولة حسب الجهات الرسميّة.
ب‌) الأبعاد والدلالات المستخلصة من الفعل الاحتجاجي لطلبة الطب
إنّ نفس الاحتجاج المتصاعد من داخل كليات الطبّ والذي لم يتوقف رغم اللقاءات المتكررة مع المسؤولين، لم يسقط الرهان الرسميّ المبتسر لإشكالية قطاعات حسّاسة وحسب، وإنّما كشف عن أمور أخرى متعلقة بتعاطي الدولة مع الجامعة والحركة الطلابيّة بالمغرب، والتي يمكن الإشارة إليها على شكل عرائض:
– الاحتجاج السلمي داخل كليات الطب أعاد الحراك الطلابي المطلبي المنتظم إلى الواجهة، وإمكانية تحقيقه منجزات بفعل الضغط وخلق تيار عام مساند.
– منطق الدولة في التعاطي مع الاحتجاجات الطلابيّة السلميّة والتي تبطن أبعادًا لها تأثير على القرار السياسي والسياسات القطاعيّة، هو منطق تقليديّ عتيق، يشطل القمع والإكراه نواته الأساسيّة، وذلك ما خلق حالة تشظي في الجسم الطلابي وجعل أكبر كتلة وتجمع فئوي في المغرب بعيدًا عن التأثير.
– حالة التشظي في الجسم الطلابي والجامعة المغربيّة محكوم برؤية وإرادة سياسية للدولة محكومة بمنطق أمني في التعاطي مع إشكالات الجامعة المزمنة، ومن تم يمكن فَهم أسباب حظر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، فأيّ انتظام للطلبة وإعمال للحوار بينهم داخل هيئات تمثلهم يشكل قلقًا لدولة متخوفة من الجامعة والوعي المتشكل داخلها، لذلك كانت بذرة العنف وآلية القمع وسيلة لإدامة التفكك.
– الاحتجاج المطلبي لطلبة الطب وانضواؤهم في تنسيقيّة تشكلت على واقع الحوار، رسالة إلى باقي الطلبة لفكّ العزلة عن الجامعة بمحيطها الاجتماعي والسياسي.

وأخيرًا، لقد شكّل الاحتجاج العارم لطلبة الطبّ نقطة مضيئة في ظل عتمة سائدة في الجامعات المغربيّة، ولطلبة الطبّ أن يفخروا بذلك، وما دامت آليات القمع انكشف زيفها، وأنّها غير كفيلة بتمرير مشروع قانون بديلًا عن الحوار والعدول عن البنود المجحفة والتي تريد أن تبدل التوظيف والتفكير الشمولي فأزمات القطاعات الحساسة بمنطق التعاقد والتفكير الجزئي المستعجل، فنقطة القوة للحراك داخل كليات الطب، معتمد بالأساس على التجديد الوسائل التي تجعل الرأي العام إلى جانبهم، مع نهج خيار الحوار إلى جانب الضغط الميداني المؤثر، فالاصطفاف على لائحة مطالب وسنّ خطة للفعل وأفق للاحتجاج وأهداف قابلة للتحقق، ذلك وحده كفيل بإسقاط مشروع قانون الخدمة الإجبارية أو نزع البنود المجحفة منه.
وقفة لطلبة الطب يطالبون بالخدمة في إطار التوظيف



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك