حصّة التاريخ مملة؟

16 يناير , 2016

سلسلة “الألمان” كنموذج لتعليم التاريخ بالأفلام

ليس غريبًا، أن تجد الطلاب يتململون في حصص التاريخ وليس غريبًا أن نجد بعضهم يكره هذه المادة مع أنها من أقوى الأدوات الاستراتيجية وأقدمها للنهوض وعمارة الأرض ففي التاريخ عبر كما يُقال.

ثم كيف لنا أن نتوقع من الطالب أن يُحب درس التاريخ وهو لا يعرف منه إلا مادة يجب حفظها عن ظهر قلب عن طريق مُلخصات يُنهكه بها الأستاذ ويُلقيها عليه عادة بجفاف وعجالة كافية لتجعله حاقدًا على التاريخ و على المدرسة؟ الحقيقة أننا بحاجة للكثير من الإبداع كي نجعل الأطفال يعشقون التاريخ، تمامًا كما فعل القائمون على سلسلة ” الألمان Die Deutschen ” التي استطاعت الإبداع في إيصال التاريخ الألماني للمشاهدين.

 

Fullscreen capture 11272015 013211 ص.bmp

ليست مُجرد سلسلة وثائقية

 

أكثر من 1200 عام من التاريخ الألماني تم تلخيصها في 20 فيلم وثائقي تلفيزيوني تم إنتاج 10 منها في عام 2008 بتكلفة 500 ألف يورو للحلقة ولكن وبعد النجاح الفائق الذي حققته السلسلة حيث وصل عدد المشاهدات لكل حلقة حوالي 4 إلى 6 ملايين مشاهدة، قررت قناة التلفزيون الألماني الثاني ZDF أن تنتج 10 افلام إضافية تكللت هي الأخرى بالنجاح حيث استخدمت فيها الكثير من المقاطع التمثيلية التي تُجسد الوقائع التاريخية وتُقحم المُشاهد في الأحداث كما لو كان يعيشها، هذا غير العروض المحوسبة ( الأنيميشن ) التي تُضيف أجواء ساحرة وتجعل المادة التاريخية سهلة على الفهم.

 

ومن الجدير بالذكر أنه تم الاعتماد على خاصية ” Infotainment ” في إنتاج الأفلام والتي تعني “التسلية المعلوماتية”، وهي خاصية تهدف إلى الجمع بين عنصر التعليم والتسلية في نفس الوقت.

 

Fullscreen capture 11272015 010759 ص.bmp

أفلام في درس التاريخ

 

تفتخر قناة ZDF بأن أفلامها دخلت الفصول الدراسية لتكون واحدة من أفضل الوسائل لتبسيط تدريس التاريخ في المدارس، وهذا ليس غريبًا فقد عملت القناة وبشكل مكثّف مع رابطة أساتذة التاريخ في المانيا Verband der Geschichtslehrer Deutschlands لتحويل محتوى الأفلام ليكون مادة تدريسية معتمدة.

 

ما معنى هذا؟ أن المشاهدة وحدها لا تكفي للدارسة ولكن يُمكن أن يبنى عليها الكثير لتُؤسس لفهمًا أرسخ وأعمق للمادة التاريخية، مثلاً عندما نتحدث عن كارل ماركس، فإن الطلاب في ألمانيا يربطونه مُباشرة بشرق ألمانيا وروسيا الشيوعية دون أن يعوا ويدركوا تفاصيل المرحلة التي عاشها كارل ماركس وبذلك فإن الطلاب أنفسهم يعترفون -كما جاء في تقرير على موقع القناة – أن الفيلم كان بمثابة تمهيدًا مميزًا حتى يفهموا مادة صعبة كتلك التي تتحدث عن كارل ماركس والشيوعية.

 

بعد مُشاهدة الفيلم وشعور الطلاب بأن المادة أصبحت أكثر سهولة، يُمكن للأستاذ أن يبدأ بتعميق هذا الفهم من خلال ملف متاح على موقع السلسلة حيث يوجد ما يُسمى “مادة للمعلم” سيجد فيها الأستاذ تلخيصًا للفيلم و شرحاً تحليلياً للأحداث وترتيب ظهورها في الفيلم حسب سياقها التاريخي، بالإضافة إلى مجموعة من الأسئلة المتنوعة، بعضها موجه لعموم الطلاب وبعضها لطلاب تخصص التاريخ والتي من الممكن أن تكون صعبة جدًا وتتطلب منهم تعليقًا علميًا على مقولة أو تعليقًا ذُكر في الفيلم أو حتى جزئية صغيرة تجعلك تدرس كل مشهد في الفيلم ويُمكن أن تكون الأسئلة على الطريقة الأمريكية أو أسئلة ملأ الفراغ من خلال بنك الكلمات التي ذكرت في الفيلم.

Fullscreen capture 11262015 042705 م.bmp

الأسئلة التفاعلية

بعيدًا عن الدرس التقليدي يُمكن للطالب أن يستمتع بأكثر من 150 سؤال تفاعلي، تم إعداده ليضمن للطالب أكبر قدر من المتعة خلال التعلم، ليشعر وكأنه في “لعبة” أكثر من كونه في “إختبار” وقد تم تصنيف الأسئلة بناءً على صفات الشخصيات التاريخية، فهناك أسئلة حول شخصيات تاريخية مجنونة وأخرى عبقرية وأخرى برزت في الهندسة وكذلك الملوك والشعراء وغيرهم. الجميل في الأسئلة أنها تظهر مع فيديو يُقدّم لها ويقوم بسردها بصورة جذابة وساخرة أحيانًا تُختتم بسؤال مع 3 خيارات، وبعد الإجابة عن السؤال، يُعرض للطلاب مقطع من داخل الفيلم يؤكد له الإجابة الصحيحة ويرسخها في ذهنه أكثر.

بالإضافة للأسئلة، هناك إختبار ترفيهي يهدف إلى ربط المُشاهد بالتاريخ الألماني بشكل شخصي ليتعرف على أقرب شخصية تاريخية إلى شخصيته من خلال 10 أسئلة يُجيب عنها الطالب حول شخصيته وسلوكياته في المواقف الحياتية المختلفة وما إن ينتهي من الإختبار حتى يحصل على شخصيته “التاريخية” ويمكنه مشاركة الإجابة مع أصدقائه عبر الفيسبوك.

أداة تفاعلية أخرى تستحق الإستكشاف تظهر مع الدخول لصفحة البداية، وفيها يُمكن للطالب أن يتجول بين جميع الأفلام بشكل ذكي، فالتحرك الأفقي يُمكن الطالب من العبور من فيلم لآخر وكأنه في رحلة عبر الزمن، وعندما يتحرك عاموديًا يُمكنه أن يختار لنفسه ما يُريد، ففي الدرجة الأولى يمكنه مشاهد ملخص الفيلم، في الثانية الفيلم كاملًا، وفي الثالثة مقابلات من الفيلم وفي الرابعة خرائط تفاعلية تشرح تلك الحقبة الزمنية.

 

خلاصة

لا شك أن الألمان لم يكونوا ليسثمروا كُل هذه المبالغ والطاقات الضخمة في مادة مثل التاريخ لولا إيمانهم وإعتقادهم الراسخ بأن ذلك عائدٌ عليهم بالمنفعة، فلم يحصروا الأمر في مُجرد فيلم وثائقي يُنسى، بل جعلوا الأفلام مادة دراسيّة أعدوا لها المواد الملائمة لكي تُفهم وتستوعب على أكمل وجه كما رأينا في هذا التقرير، ولا شك أن هكذا تجربة بحاجة لدراسة أعمق ولكن حتى ذلك الحين لا بُد أن نتفكر نحن كيف نبتكر ونبدع في تدريس التاريخ للأجيال القادمة في بلاد، عسى ذلك يُساهم في تحسين شيء من أحوالنا.

Fullscreen capture 11262015 042502 م.bmp


 

إقرأ أيضًا مدرسة “ريمكس” فلسطين



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك