دراسة “الإدارة” لم تُبعدني عن حبي الأول!

22 أكتوبر , 2018

في الحياة العملية يحدث أحيانًا أن يستهوي الشخص مجالًا ما للإبداع، وليس شرطًا أن يكون في نطاق دراسته الأكاديمية، على الرغم من أهميتها لمن يريد التخصص فيها، إن كثيرًا من الأشخاص عَبر التاريخ تفوقوا في مجالاتٍ متنوعة لم يدرسوها في أروقة الجامعات.

حسنًا.. لأحدثكم إذن قليلًا عن تجرِبتي؛ في المرحلة الجامعية توجهت لدراسة تخصص إدارة الأعمال ظنًا مني أنها سهلة ولا تتطلب جهدًا؛ في ظل غياب الدور الإرشادي الكافي رغم ميولي الواضحة للهندسة، ولكن هذا ما حدث؛ حتى أنني أكملت الماجستير لاحقًا في الإدارة؛ فقد تبين لي أنها علم لا يستهان به، بل يعد من أهم العلوم المعاصرة؛ لكونه يتغلغل في كافة مناحي الحياة، إذ تكسب الطالب مهارات بشأن كيفية بلوغ الأهداف بأقل جهدٍ ووقت وأدنى تكلفة، وتظهر ثماره جلية على الطلاب إذا ما اعتادوا تنظيم حياتهم العملية وكذلك الخاصة، ناهيك عن حسن التخطيط والتنظيم وترتيب الأولويات وفوائد شتى.

واجهت صعوبة بعد تخرجي في إيجاد فرصة عمل لا سيما أني لاجئ فلسطيني في لبنان، في ظل أوضاع اقتصادية بالغة السوء ألقت بظلالها منذ سنوات عدة على لبنان ودول الجوار؛ لذا اتخذت قرارًا بخوض غمار العمل الحر عبر افتتاح مؤسسة صغيرة تقدم خدمات في الأعمال الصغيرة منها الجرف والحفر والتكسير، فكان عملي في مجال الجرافات بمثابة فرصة كبيرة للتعرف على المخاطر التي يعاني منها سائقو الآليات الثقيلة والتفكير في إيجاد حلول لها.

استمررتُ بعملي لسنواتٍ عدة، إلى حين تعرضي لحادث عملٍ مُفاجئ تسبّب بكسر يدي، وأصبحتُ بسببه عاجزًا عن قيادة جرافتي، وكنت بحاجة إلى جهاز للتحكم بالجرافة استخدمه لإنجاز مهام عملي، وحينها تواصلت مع شركة عالمية تعد من أكبر الشركات المصنعة للجرافات الصغيرة ولها فرع في لبنان؛ مستفسرًا عن إمكانية إضافة جهاز تحكم لجرافتي، ولم أجد الجهاز وكان جوابهم لي بأن هذه المنظومة لم تصل لبنان بعد.

لكني لم أتوقف؛ وقررت أن أصنع من المحنة فرصة؛ وعكفت على صناعة جهاز إلكتروني ميكانيكي يؤدي المهمة نفسها، والجانب الجميل في الحكاية أني نجحت في ابتكار جهاز يحمل مواصفات أعلى من الريموت كونترول وتفوقه تطورا، يا لها من فكرة مجنونة جرافة تسير عبر الهاتف الذكي.

نجاح الابتكار العلمي الفلسطيني (BlueDrive 48)

وهكذا نجحت المهمة، وكان ذلك بتوفيق من الله؛ وقد ساعدني في ذلك استثماري لأعوامٍ طويلة من الدراسات الأكاديمية في مجالات متنوعة، وأعوام أخرى من الخبرة العملية في مجال الجرافات؛ وبعد شهر كامل من العمل ليل نهار على تركيب الأجهزة اللازمة وبرمجتها بجهد فردي وتمويل شخصي، حتى أصبحت جرافتي الفلسطينية هي الأولى في العالم التي يتم التحكم بها مباشرة عن بُعد بواسطة الهاتف.

وباستخدام الجهاز على الآليات الثقيلة والجرافات أصبح بإمكان السائقين تفادي الحوادث الكثيرة التي عادة ما يواجهونها خلال أعمالهم في الأماكن الخطرة، مما يسهم في حفظ الأرواح الإنسانية، وكذلك يتيح لمن عجز عن قيادة الآليات بسبب إعاقة جسدية أن يمارس أعماله في قيادة الآليات بمجرد لمسات على شاشة هاتفه الذكي.

وبفضل الله لاقى هذا الإنجاز العلمي الهندسي اهتماما كبيرًا من قبل وسائل الإعلام العالمية وبشكل فاق التوقعات، ناهيك عن التفاعل الأكبر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث حققت فيديوهات تشغيل الجهاز مئات آلاف المشاهدات وخاصة من قِبل فئة الشباب.

وبفضل الله حصلت على براءة اختراع من الجمهورية اللبنانية، والآن أسعى بدأب لإيجاد جهة راعية وحاضنة أعمال للحصول على براءة اختراع دولية، عله يتسنى لي طرح باقي ابتكاراتي الأخرى قريبًا، ومنها في مجال الإطفاء وإيجاد مصادر طاقة جديدة للتخفيف من الاحتباس الحراري وأفكار تتصل بالسلامة المرورية، لكن أود التريث في الأمر إلى حين إيجاد ضمانة تحفظ لي حقوق الملكية الفكرية دوليًا.

قطعت شوطًا لا بأس به؛ ومن هنا يتعين علي أن أبرق برسالة للأهالي وأشد على أياديهم لتشجيع أبنائهم على اكتساب مهارات الهندسة والبرمجة والمشاركة في مسابقات (الريبوتات)، وكذلك إتاحة الفرصة أمام أبنائهم لاستكشاف واكتساب المهارات العلمية الهندسية، ولو كلف ذلك بعض المتاعب التي يسببها الطفل بتفكيك ألعابه، على أن تكون طريقة آمنة لا يؤذي فيها نفسه، وبهدف التعلم وليس التخريب، فهذه الاستكشافات على بساطتها ستنمي آفاق الذكاء والتفكير للأبناء، وتفتح لهم آفاق الحركات الميكانيكية والعملية على مستوى الألعاب الصغيرة؛ وهكذا تغدو الطريق ممهدة لفهم الآلات الصناعية والمركبات الأكبر حجما.

أما نحن الشباب علينا الإسهام في نهوض وتطوير بلادنا؛ يجب ألا ننسى أن أجدادنا العرب والمسلمين كانوا رواد العلوم، وقد أنجزوا الكثير من المقدمات المعاصرة في مجالات متنوعة يصعب حصرها، منها الطب، والفلك، والرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والجغرافيا، وعلوم الاجتماع؛ وغيرها الكثير من العلوم التي يشهد الغرب بأن روادها كانوا مسلمين؛ وما زالت تُدرس في جامعات العالم حتى يومنا هذا.

لنستشعر المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقنا تجاه عمارة هذه الأرض وتطوير العلوم من خلال تكثيف الدراسات والأبحاث العلمية التي تسهم في إثراء المعرفة الإنسانية وتقديم بصمات تُسهم في حفظ الأرواح، وتسهل النشاطات البشرية، وتحسن من مستوى معيشة الناس على اختلاف ألوانهم وثقافاتهم، وكذلك الاهتمام بالعلوم التي تحافظ على موارد الأرض وخيراتها وثروات الطبيعة الهائلة، كل ذلك يتطلب من حكوماتنا أن ترعى المراكز العلمية والبحثية، مما يقتضي منا أن نعمل بجد ونشاط معًا لاستعادة دورنا ومكانتنا في الريادة العلمية بعد سنين طويلة من التقصير بحق أنفسنا وبلادنا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك